شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

مقال: العنف في بر مصر، عرض أم مرضٍِ؟

محمد العجاتي

السفير

30 نوفمبر 2010

لم تعد الحوادث في مصر مقصورة في الإعلام المصري على صفحات الحوادث في الجرائد المقروءة إنما انتقلت بكثافة للبرامج الحوارية على شاشات التلفاز المصري والفضائيات، إذ لا يخلوا يوم من حادث يستحق أن تفرد له دقائق في هذه البرامج للنقاش والحوار، بل أن بعضها أستحق أن يكون محل حوار لحلقات كاملة، ليس في برنامج واحد و إنما في عدة برامج على قنوات مختلفة في نفس اليوم، مثل قضية مقتل المطربة سوزان تميم، أو قضية الانتهاك الجنسي لطفل في المرحلة الابتدائية. العنف في مصر لم يعد مقتصرا على تلك الحوادث بل يمكنك استشعاره في التعامل اليومي في الشارع المصري في التعاملات التجارية أو حركة المرور وغيرها من التعاملات اليومية التي قد تولد احتكاكا بين المواطنين.

من خلال دراسة شيقة قام بها الباحث المصري إلهامي الميرغني فأنه يتبين من رصده لستة جرائد يومية مصرية في يوم واحد وهو يوم 1 سبتمبر 2009 وجود 50 حادث منشور في ذات اليوم، وقد يكون التصور مسبق هو أن جرائم المشاجرات والعنف هي الأكثر انتشاراً ولكن نتائج تحليل الحوادث المنشورة أوضحت أن جرائم القتل تمثل ما يقرب من ربع الحوادث المنشورة من خلال 12 حادث قتل. بينما تأتي المشاجرات والضرب والشغب في الترتيب الثاني 14% ثم حوادث المرور في المرتبة الثالثة يليها فساد رجال الأعمال في المرتبة الرابعة 10% وحوادث السرقة 8% ثم باقي الجرائم.

ولهذا العنف مظاهر متنوعة على مستويات عدة سياسية واقتصادية واجتماعية فعلى المستوى السياسي تظهر في الانتخابات سواء من الحكومة أو المعارضة والمظاهرات وهنا يكون العنف من جانب الحكومة وفقط أو حتى الانشقاقات الحزبية والتي تجلت في حرق أحد المنشقين عن حزب معارض لمقر الحزب. أو استخدام أخر للزعران و السلاح في حواره مع خصومه داخل نفس الحزب. أما المظاهر على المستوى الاقتصادي فتتجلى في ظهور تجارة جديدة تقوم على بها شركات تحت ستار شركات الأمن تبدأ من توفير الحراس الشخصيين، وتصل إلى تحصيل الديون المعدومة لأصحابها من المدينين مستخدمين في ذلك وسائل عدة من الترهيب والإرهاب. أما التجليات الاجتماعية فتبرز في العنف الطائفي، والعنف الأسري و العنف في المدارس و العنف ضد النساء في مختلف المواقع وانتشار ظاهرة التحرش الجماعي خير مثال على ذلك.

و إذا كان للعنف تجلياته على هذه المستويات فهو له كذلك أسباب نابعة من ذات المستويات. فهناك أسباب مختلفة لتزايد العنف في المجتمع المصري تدخل فيها البطالة، وعدم تواجد الدولة بشكل حازم في تطبيق القانون وغياب الدولة يجعل الناس تقوم بحل مشاكلها بنفسها وهذا يؤدي بدوره إلي ظهور نماذج البلطجة ونماذج تسعي للسيطرة وأخري تعمل علي حل النزاعات في مجالس عرفية. وفي ظل هذا الوضع تزداد فرص انتشار العنف، وهو عنف ليس وليد الفقر فقط بل هو وليد مشقة الحياة بضغوطها المستمرة علي الإنسان. كثير من حالات العنف الأسري التي ظهرت مؤخرًا لم تكن مرتبطة بالفقر والحرمان بقدر ارتباطها بالمشقة التي يعانيها الناس في الحياة بشكل عام، كالعمل والمواصلات وغلاء الأسعار. طوال النهار، المصري عليه ضغوط متواصلة تجعله ينفث ذلك في شكل صور مختلفة للعنف. أضف إلى ذلك استخدام الدولة للعنف بأنواعه المختلفة ضد معارضيها مما يمثل نموذج للمواطن يحتذي به عند تعامله مع أقرانه.

إلا أنه كما يرى علماء الاجتماع لا يمكننا اعتبار ظاهرة العنف المتنامية  في مصر مرض أصاب المجتمع أكثر من كونه عرض ناتج عن مرض حقيقي يمكن تبينه إذا ما نظرنا لمجتمعات ساد فيها العنف في مرحلة ما ومحاولة التعرف على عناصر التشابه في هذه المرحلة من مراحل التحول إلى العنف، ويمكننا هنا النظر لبعض دول أمريكا اللاتينية خاصة البرازيل التي ربط الباحثون فيها موضوع العنف بالفقر بشكل مباشر إلا أن البعض تعمق أكثر ليطرح الفقر كظاهرة قديمة في البرازيل لم تؤد إلى العنف في سياقات زمنية أخرى. لكن المتغير الذي ظهر معه العنف في البرازيل كان اتساع الفجوة الطبقية مع تطبيق سياسات التحول الرأسمالي، وهو ما ينطبق على الحالة المصرية في السنوات الخمس الأخيرة خاصة في ظل سياسات حكومة رجال الأعمال.

 ويضم محيط الفقر الواسع على النطاق العالمي 20,5 مليون فقير مصري فقرهم مدقع وفقا لتقدير أحمد السيد النجار رئيس التقرير الاقتصادي الاستراتيجي و35,8 مليون مصري يقل دخلهم اليومي عن دولارين (أي 174 جنيها شهريا).  بينما على الجانب الأخر نرى الأغنياء لا تزيد نسبتهم على 20% من أهل مصر يستحوذون على 43,6% من الدخل القومي، بينما لا يحصل أفقر 20% من أهل محيط الفقر على أكثر من 8,6% من الدخل القومي. وترتبط جزر الثراء في مصر مع جزر الثراء في كل مكان في العالم بروابط المصالح والتعاون في الخارج بينما يرتفع يوما بعد يوم سدا بين أغنياء مصر و فقرائها حيث أصبح الأغنياء لا يرون الفقراء إلا من خلال نوافذهم الضيقة المحصنة داخل الجيتوهات السكنية التي انتشرت في مصر. بينما يجد الفقراء جميع سبل الترقي الاجتماعي مغلقة في وجههم فلم يعد التعليم مصدرا لذلك كما كان الحال في الستينيات، و الأفق السياسي  مسدود بعد احتكار رجال الأعمال لمجاله ورؤيتهم الخاصة لمن يمكن أن ينضم لزمرتهم من شباب يجيد اللغات والحاسب الآلي، أي أبناء ذات الطبقة، لا أن يكون متمتعا بالثقافة والقدرة على العمل السياسي وقبل كل شيء أن يكون مهموما بقضايا الوطن. فقضايا الوطن في مصر أصبحت هما على فقرائه و شأن غائب عن أثريائه، وطالما استمرت سياسات التحول الرأسمالي بنفس  الكيفية ستظل هذه الفجوة في أتساع و العنف في ازدياد، حتى تظهر إلى جوار جيتوهات الأغنياء جيتوهات للفقراء. ومثلما جيتوهات الأغنياء فوق القانون حاليا في مصر فستكون جيتوهات الفقراء بالمثل خارجة عن القانون قائمة على العنف على غرار البرازيل، و سنأمل آن ذاك في ظهور لولا دي سيلفا مصري ليقلل من هذه الظاهرة ولو قليلا.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: