شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

ثورة يناير وتأسيس شرعية جديدة

محمد العجاتي

السفير

25 مارس 2011

بينما مازالت بقايا النظام السابق تطلق على ما حدث في مصر لفظ “حركة” أو “فورة”، نجد أن الإعلام الرسمي قد طور خطابه ليصفها بأنها ثورة، ولكن دائما ما يضيف إليها لفظ آخر مثل الشباب، الانترنت، أو كما حلا لبعض المحللين أن يصفوها بثورة الطبقة الوسطى. مع التقدير الكامل لكل هذه الفئات والطبقات والأدوات ودورها البارز في ثورة يناير، إلا أن هذه الإضافة -لتكون الثورة مكونة من مضاف ومضاف إليه- فيها انتقاص شديد من حق الكثيرين ممن شاركوا فيها، والذين عملوا لسنوات طوال من أجل هذه اللحظة. وإذا كان سر نجاح هذه الثورة يكمن في الحشد الشعبي وتزايده يوما بعد يوم، وقدرته على الضغط المتواصل على النظام وباقي الأطراف الداخلية والخارجية حتى حقق نصره، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقتصر الثورة على طبقة أو فئة بعينها .

فالشباب الذي دعا ونظم عبر الفيس بوك و التويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية، قد حرك مجموعات كبيرة من الشباب، وهي خاصية لأي ثورة فأي ثورة دائما ما يكون في صدارتها الشباب، حتى لو كان هناك رمز أو قائد خلفهم، يظل الشباب في كل الثورات التي عرفها التاريخ هم صانعيها، والذين يدفعون الثمن الأكبر على الأرض. ولكن في الحالة المصرية، هؤلاء الشباب ليسوا من نفس الخلفيات، فقد رأينا في الأيام الأخيرة من يتحدث منهم في وسائل الإعلام عن ضرورة عودة الاستثمارات الأجنبية و تشجيع رجال الأعمال المنتجين، وسمعنا آخرين ينادون بمجلس عمالية، والمدهش بشدة أن نسمع عن تكوين حزب يضم هؤلاء الشباب معا، فالحزب هو كيان سياسي يجب أن يتوفر بين أعضائه حد أدنى من التوافق في الرؤى. فهؤلاء الشباب ظهروا في حركات سياسية أو على الأقل تربوا على فكر سياسي له تراث طويل؛ كما أن الحركة الاحتجاجية في مصر- و التي عادت إلى الشارع مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في مطلع هذا القرن- ومن بعدها حركة كفاية والحركات السياسية الموازية، وما تلاها من حركات الاحتجاج الاجتماعي التي شهدتها مصر على مدار السنوات الأربعة الأخيرة، كان معظمهم حاضرون فيها. أما هذه الجماهير الصامدة في التحرير لمدة 18 يوما فلم تكن قاصرة على الشباب فحسب، و إنما امتدت لتشمل مختلف الأجيال، ومختلف الطبقات، بل أكاد أن اجزم أن الغالبية -وخاصة التي تحملت عنف النظام بعد تحرير الميدان ودافعت عنه أمام فلول النظام والبلطجية- لم تكن من الطبقة الوسطى وإنما من الطبقات الأقل. إضافة إلى أن أحد عوامل الحسم لصالح الثورة كانت بعودة الطبقة العاملة بمعناها الواسع، العمال والموظفون إلى مواقع عملهم ونقلهم للثورة إلى هذه الأماكن في يوم الأربعاء والخميس الأخيرين قبل رحيل مبارك ، ولذا فإن هذه الثورة هي بلا جدال ثورة شعبية ساهم فيها الجميع من مختلف الطبقات والفئات، و يعد انتقاصا من قدرها العظيم بأن توصف بأي وصف غير ” ثورة شعبية”.

من المغالطات التي تتعدى الإعلام لتصل إلى النخبة فيما يخص هذه الثورة هو القول بأن هذه الثورة قد أسقطت شرعية يوليو، إذ أنها أسقطت النظام القائم منذ ذلك التاريخ والذي يستمد شرعيته من ثورة 1952. في الحقيقة يعد هذا من وجهة نظري، تبسيطا مخلا، فالشعارات التي رفعتها ثورة يناير منذ اليوم الأول شديدة الشبه بتلك التي أسست عليها ثورة 52 شرعيتها، خاصة فيما يتعلق بشعار العدالة الاجتماعية. ومن يراجع أهداف ثورة 52 الست يجدها شديدة الشبه بالمطالب المرفوعة من جانب ثورة يناير، خاصة تلك المتعلقة بالقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، و إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وإقامة عدالة اجتماعية. وحتى القضاء على أعوان الاستعمار فالعديد من الشعارات التي رفعت والهتافات التي ترددت في أرجاء ميدان التحرير كانت تتهم الرئيس المخلوع بأنه عميل  لأمريكا أو إسرائيل. و أخيرا فكرة التقاء الشرعية الشعبية مع شرعية القوات المسلحة في الحالة الأولى بتحرك من الجيش أيده الشعب و في الحالة الثانية بتحرك شعبي سانده الجيش وفي الحالتين تم رفع شعار ” الجيش و الشعب يد واحدة” . فما حدث بالفعل هو استعادة لشرعية يوليو التي تم اختطافها منذ سبعينات القرن الماضي لصالح شرعية جديدة، بدأت بعد حرب أكتوبر وتكرست بعد معاهدة السلام، وهي شرعية يحب مناهضيها أن يسموها شرعية كامب ديفيد ويفضل مناصروها أن يطلقوا عليها شرعية الحرب والسلام فكلا الرئيسين اللذان حكما تحت هذه الشرعية الرئيس السادات والرئيس مبارك كان قد تم منحهما لقب بطل “الحرب والسلام” وظل الانجاز الأساسي للأول انه قائد حرب أكتوبر وصاحب مقولة أنها آخر الحروب، وظل للثاني من وجهة نظر مناصريه أنه صاحب الضربة الجوية في ذات المعركة والذي حفظ مصر على مدار السنوات الثلاثون من حكمه من خطر وشرور الحروب، متجاهلين أنه في عهده دفعنا دماء أبناءنا في حرب الخليج الثانية مقابل مزايا اقتصادية. وأخيرا لافت للنظر التشابه الشديد بين أول شعار رفع بعد نجاح كلا من الثورتين وكان مضمونه ” أرفع رأسك”.

إلا أن إنجاز ثورة يناير الأساسي لا يجب أن يتوقف عند إسقاط شرعية قديمة، أو استعادت أخرى مختطفة وإنما أن يمتد لتأسيس شرعية شعبية جديدة تقوم على رضاء المواطنين عن النظام القائم وقدرتهم المستقبلية على التغيير عبر أدوات الديمقراطية، ومن هنا تأتي أهمية التركيز على طبيعة هذه الثورة بصفتها ثورة شعبية تفرز شرعية شعبية كانت أولى خطواتها توجه رئيس الوزراء الجديد عصام شرف لميدان التحرير بعد أن أقسم اليمين أمام المجلس العسكري ليعلن للثوار انه يستمد شرعيته منهم، هكذا يمكن ترسيخ شرعية  قادرة على تأسيس نظام جديد في مصر قائم على أسس المدنية والحرية والعدالة الاجتماعية والعروبة.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: