شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

18 يوم هزت مصر

محمد العجاتي

يوليو 2011

“حد فيكم كان يصدق بعد جهل وبعد موت أن صوت الشعب يسبق أي فكر وأي صوت هي دي مصر الحبيبة يا حبيبتي هي مصر”[1] Top of Form

في أخر مقال لي منذ ما يقرب من شهر تناولت الفرق بين الحالة التونسية والحالة المصرية حيث أن الحالة الأولى أتسم نظامها السياسي بالسلطوية في شكلها التقليدي سد كل منافذ التعبير والحركة أمام شعبه مما أدى إلى الانفجار. أما عن الحالة المصرية فنظامها فتح منافذ للحركة والتعبير في ظل نظام سلطوي انتخابي، و كما جاء في ذات المقالة إن هذه الحالة من التفاعل الدائم التي تولدها هذه النظم سواء كانت سلبية أو ايجابية تجعل من النظم السلطوية الانتخابية نظما مؤقتة لا تستطيع الحياة طويلا، فإما أن يحدث في هذه النظم تغيرات جوهرية نحو تحول ديمقراطي مبني على نشاط المجتمع المدني والمعارضة السياسية، سواء أحزاب أو حركات مثلما حدث في معظم حالات أمريكا اللاتينية وشرق أوروبا،  أو أن ترتد هذه النظم مرة أخرى إلى نظم سلطوية تقليدية مثلما حدث في معظم الدول الآسيوية التي عرفت هذا النظام ومثلما حدث في مصر. ولكن ما لم يتوقعه المقال أن يأتي رد الفعل لهذه الردة بهذه السرعة ومن فئة خارج هذه التفاعلات وهي فئة الشباب التي رفضت أن يتم سحب ما اكتسبه المجتمع من مساحات في حرية الرأي و التعبير والحركة سواء تحت قبة البرلمان أو في الانتخابات أو ساحات القضاء أو في الإعلام، وتحركت كبديل عن الفئات الطبيعية صاحبت الحركة المباشرة في هذه المساحات من المعارضة التقليدية.

فقد بادر الشباب مستلهما الحالة الثورية من تونس ومستخدما وسائل التكنولوجية الحديثة خاصة “الفيس بوك” و ” التويتر” بدعوة لمظاهرات ضد التعذيب والفساد بمناسبة عيد الشرطة يوم 25 يناير، وهو ما قوبل بسخرية من النخبة إذ أنهم رأوا أن الثورات لا تحدث بمواعيد، ومنذ ذلك اليوم وعلى مدار 18 يوما شهدت الثورة الشعبية المصرية ثلاث موجات إلى أن حققت انتصارها، سواء على مستوى الحركة الثورية أو على مستوى مواجهة الحكومة لها. الموجة الأولى كانت خلال الثلاث أيام الأولى من 25 حتى 28 يناير وهي موجة المواجهة مع الذراع الأمني للنظام في عدة مدن كان أبرزها القاهرة و الإسكندرية والسويس، والتي انتهت بنصر حاسم بفرار عناصر الأمن و الانسحاب الكامل للشرطة المصرية أمام حشود الجماهير التي انتصرت سلميا على العنف الشديد الذي استخدمته قوات الأمن وراح ضحيته أكثر من 150 شهيد، وتم إعلان حالة الطوارئ ونزول الجيش المصري لحفظ الأمن في ظل فراغ أمني متعمد من جانب الشرطة. لتبدأ الموجة الثانية للثورة في مواجهة الذراع الإعلامي للنظام والذي لعب على تخوين هؤلاء الشباب من جانب وجذب تعاطف لصالح رأس النظام والذي بلغ أوجه في خطبة الرئيس التي أعلن فيها عدم ترشحه مرة أخرى بانتهاء ولايته الحالية في شهر أيلول القادم. وكادت الثورة أن تخسر هذه المعركة إلا أن حمق النظام وتغطرسه جعله يظن أن هذا التعاطف يستوجب معه القضاء على الحركة عبر العنف في معركة بين الثوار و بلطجية (زعران) النظام وفلول جهازه الأمني بدأت منذ ظهر الأربعاء 2 شباط بما اصطلح على تسميته ب”موقعة الجمل” حيث أقتحم المستأجرين من قبل النظام ميدان التحرير حيث يعتصم الثوار بالجمال والخيول والبغال، في مشهد سريالي تواجه فيه الدواب شباب يستخدم الكومبيوتر والأنترنت، ثم يليها معركة بالطوب وزجاجات المولوتوف حتى فجر اليوم التالي لتنتهي هذه الجولة بعد صمود أسطوري من جانب الثوار على مدار 14 ساعة لم تخلوا من رصاصات قناصة تصيب رؤوس وصدور الثوار، بفقدان النظام لأي تعاطف كان قد أكتسبه، ونزول الملايين الذين قدروا بحوالي 8 ملايين في اليوم التالي إلى ميدان التحرير في القاهرة والميادين الرئيسية في معظم مدن مصر الرئيسية داعمين للثورة. وجاءت الجولة الحاسمة أمام الذراع السياسي للنظام الذي حاول إيهام الجماهير بأنه في طريقه لإصلاح النظام القائم، عبر تعديلات في الحزب الوطني وهياكله واستبعاد الوجوه الكريهة وعلى رأسها احمد عز مهندس تزوير الانتخابات الأخيرة و وليفه نجل الرئيس جمال مبارك، وإحالة بعض الوزراء السابقين للتحقيق بتهم فساد، ولم يدرك هؤلاء أن شعار الثورة “الشعب يريد إسقاط النظام” لم يعد عنه رجوع بعد دماء أكثر من 300 شهيد  دفعها الثوار، والثقة التي اكتسبوها خلال المرحلتين السابقتين، وعدم الثقة المطلقة في رموز هذا النظام وقبل كل شيء الملايين الذين انضموا يوم بعد يوم للثورة رأسيا عبر انتشارها في محافظات ومدن جديدة أو أفقيا مع عودة العمل بانتقال الثورة لكافة مواقع العمل و الإنتاج خاصة مع عودة العمال لمصانعهم والذين ظلوا يشاركون في الثورة على مدار أيامها الأولى كمواطنين نظرا لإغلاق المصانع، لكن مع عودتهم للمصانع عادوا لممارسة السياسة باعتبارهم طبقة عامله. وجاء يوم الخميس 10 فبراير ليحسم الأمر حيث شهد كل مكان في مصر سواء مصنع أو شارع أو شركة إضرابات وتظاهرات لم تجد القوات المسلحة سوى أن تلتقي شرعيتها مع شرعية الثوار في مواجهة مشروعية النظام القائم. وفي محاولة يائسة خرج الرئيس المخلوع ليلقي خطابه الأخير في هذه الليلة محاولا التحايل سياسيا بتفويض السلطة لنائبه عمر سليمان الذي كان قد تم حرقه عبر الأيام القليلة التي قضاها كنائب للرئيس وظهوره أمام الجماهير ليعكس فشله كرئيس للمخابرات العامة على مدار أكثر من 15 عام فشل فيها في أهم الملفات التي تولاها: الوسيط في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، المصالحة الفلسطينية، ملف ماء النيل ووحدة السودان، ليختمها في فشل سياسي في التعامل مع الجماهير. لتنطلق في مساء اليوم نفسه وصباح اليوم التالي الجمعة 11 فبراير مظاهرات رافضة للرئيس ونائبه تحت شعار”لا مبارك ولا سليمان” ليخرج النائب في اليوم الثاني معلنا حسم الثورة للمعركة بنصر تاريخي لواحدة من أعظم الثورات في التاريخ على حد تعبير تشومسكي، ثورة أثبتت تحضر هذا الشعب العظيم وأعادت له كرامته ومنحته حريته و أخذت منه صبره وجلده وخفة ظله الذي ظهر في معظم لافتات الثوار في ميادين مصر وهتافاتهم الساخرة من الحاكم وعدم قدرته على استيعاب مطالبهم.

إلا أن كل الثورات لا يكتمل نجاحها بإسقاط النظام القائم فقط وإنما بحماية الثورة وبناء نظام جديد يعمل لصالح الشعوب، وهي المرحلة المقبلة التي يجب أن يحمي فيها الثوار ثورتهم من الذئاب التي ستحاول التهام مكاسبها أو الفوضى التي يمكن أن تفرغها من انجازاتها، بالتوازي مع بناء مصر جديدة على أسس المدنية والحرية والعدالة الاجتماعية والعروبة.


[1]  من قصيدة للشاعر أحمد فؤاد نجم

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: