شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

الانتخابات اللبنانية.. ضجيج بلا طحن

محمد العجاتي

الشروق

22 يونيو 2009

على مدار تاريخها لم تكن الانتخابات فى المنطقة العربية عاملا مغيرا فى الحياة السياسية، فالانتخابات ــ أيا كانت نتائجها ــ يتم احتواؤها داخل هياكل الدولة القائمة، إلا فى حالات استثنائية لعل أبرزها الحالة الفلسطينية واللبنانية، فالانتخابات تحكم مصير الدولة ذاتها، بل تتعداها ليصبح لها تأثيرات إقليمية. ومن هنا، تأتى أهمية الانتخابات اللبنانية وما أحاطها من متابعة من جانب السياسيين والمحللين، فالانتخابات ليست بين أحزاب أو كتل لبنانية فقط، إنما بين محورين فى المنطقة تشكلا عبر سنوات طويلة، وتبلورا ما بعد حرب يوليو 2006، وبات يطلق عليهما: «محور الاعتدال»، وعلى رأسه مصر والسعودية من ناحية، و«محور الممانعة» وتقوده سوريا وإيران من الناحية الأخرى.

وقد انتهت الانتخابات بفوز فريق 14 آذار، والذى ينتمى إلى محور الاعتدال، بــ 71 مقعدا مقابل 57 مقعدا لفريق 8 آذار، والمرتبط بمحور الممانعة فى المنطقة. وخرجت الآلة الإعلامية التابعة للمعتدلين لتعلن فوز 14 آذار «فوزا كاسحا»، وترجع ذلك لتغير فى الواضع الداخلى فى لبنان، وتبشر بوضع إقليمى مختلف. إلا أننا إذا دققنا فى الأرقام سنجد أن ذلك يعبر عن أمنيات أكثر منها حقائق، فالأرقام تقول إنه على الرغم من فوز فريق 14 آذار بأغلبية الدوائر، إلا أن عدد إجمالى الأصوات الذى حصلت عليه المعارضة فى الدوائر المختلفة يفوق الموالاة بنسبة عشرة بالمائة، إذ حصلت المعارضة من بين مليون ونصف المليون ناخب اقترعوا، على ثمانمائة وخمسة عشر ألف صوت، أى ما يوازى نسبة الخمسة وخمسين بالمائة من أصوات المقترعين؛ فى حين حصلت الموالاة على ستمائة وثمانين ألف صوت، أى ما يقرب من خمسة وأربعين بالمائة. أما عن نسب النجاح من بين مرشحى التيارات المختلفة، فيأتى حزب الله فى المقدمة، إذ نجاح كل مرشحيه ــ وعددهم 11ــ الذين ترشحوا تحت اسم كتلة «الوفاء للمقاومة». كما نجح عن حركة أمل نسبة ستة وثمانين بالمائة من المرشحين. أما عن كتلة «التغيير والإصلاح»، والتى تمثل التيار الوطنى الحر، فتعتبر الأقل فى نسبة الفائزين من بين المرشحين، حيث نجح 25 مرشحا من بين، 44 أى بنسبة سبعة وخمسين بالمائة، فالرقم الذى سيمثلهم فى المجلس هو ذاته الذى كان موجودا فى المجلس السابق.

هذه الأرقام تؤكد أن الانتخابات النيابية اللبنانية كانت ضجيجا بلا طحن، حيث إن المشهد السياسى لم يختلف بعدها عما كان عليه قبلها، فالأرقام على حالها وواقع التحالفات كما هو: فحزب الله وحركة أمل حافظا على مستواهما الشعبى وحجمهما العددى داخل المجلس النيابى؛ أما التيار الوطنى الحر ــ أكبر الخاسرين من حيث النسب ــ فتمكن من الاحتفاظ بحصته النيابية؛ وشكّل تيار المستقبل رافعة انتخابية لحلفائه فى أغلب الدوائر، بدءا من زحلة فبيروت بدائرتيها الأولى والثالثة، وصولا إلى الكورة فى الشمال؛ كما حافظ حلفاء هذا التيار من الكتائب والقوات اللبنانية وبعض الشخصيات فى الرابع عشر من مارس على مواقعهم. أما باقى مناطق الشمال، فبقيت مع المستقبل، باستثناء زغرتا التى عادت بكامل نوابها الثلاثة إلى حضن سليمان فرنجية أحد أقطاب المعارضة. أما النائب وليد جنبلاط فقد قلصت بعبدا تكتله الديمقراطى بتخليه عن مقعد لمصلحة الوزير طلال أرسلان فى عاليه؛ فيما أخفق التنظيم الشعبى الناصرى فى المحافظة على مقعده النيابى فى صيدا لحساب رئيس الحكومة فؤاد السنيورة.

وعليه فإن واقع حجم كل من المعارضة والموالاة فى البرلمان لا يزال على حاله. ولكن هل كانت المعارضة ترغب فعلا فى الحصول على أكثر من ذلك؟ إن العديد من المؤشرات تؤكد أن هذه النتيجة هى ما سعت إليه المعارضة، فقد اشتكى كثير من المرشحين على لوائح المعارضة من أن التكتيكات المستخدمة فى الانتخابات لم تكن لتؤدى إلى أكثر من ذلك، تأسيسا على يقين المعارضة فى أنه فى حال فوزهم فالمولاة لن تشاركهم الحكم، وسيتركونهم مكشوفين أمام المشكلات المحلية والإقليمية والضغوط الدولية، أى أن شبح تجربة «حماس» كان مخيما عليهم فى هذا الشأن. وعليه كانت استراتيجية المعارضة فى الانتخابات هى الحفاظ على الوضع القائم لفترة جديدة. ومن الملحوظ أن تصعيد النبرة الخطابية فى الفترة الأخيرة، خاصة من السيد حسن نصر الله، لم تكن إلا جزءا من هذه الاستراتيجية، بهدف إحداث استفزاز داخلى يؤثر سلبا على التصويت، وفى نفس الوقت يغطى على هذا الموقف أمام حلفائهم فى الخارج الذين كانوا يضغطون لكسب مساحة جديدة فى المنطقة بفوز المعارضة.

إذا كان هذا الوضع بالنسبة للكتل الانتخابية، فماذا عن خلفيات النواب الجدد؟ يمكن بمراجعة الأسماء التأكد من أنه لا تغيير ليس فقط عن المجلس السابق بل عن التركيبة التاريخية للبرلمان اللبنانى. فقد ظل التقاسم الحقيقى للسلطة بين ثلاث فئات: كبار الرأسماليين، وزعماء الميليشيات وأحزابها، وبقايا السلالات السياسية. حتى النواب الجدد والبالغ عددهم 47 نائبا ينتمون لنفس هذه الفئات.

أى أن الانتخابات اللبنانية التى جرت فى 7 يونية 2009 انتهت بالرجوع إلى المربع الأول: فنفس القضايا سيعاد طرحها، ونفس الاستراتيجيات سيتم استخدامها. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك تراجع 14 آذار على لسان النائب وليد جنبلاط عن فكرة اختيار رئيس وزراء توافقى، وطرحه اسم سعد الحريرى كرئيس للوزراء. وعلى الجانب الآخر، أكد رئيس تيار المردة النائب المنتخب سليمان فرنجية أن المعارضة لن تشارك فى أى حكومة قادمة لا تحصل فيها على «الثلث الضامن». وهو ما يعيدنا إلى إشكالية الحكم باتفاق الطائف أم باتفاق الدوحة، أى آلية الحكم بواسطة الأكثرية (الطائف) وآلية الحكم بواسطة التشاركية (الدوحة)، مضافا إلى ذلك ما أغفله اتفاق الدوحة حول حصة رئيس الدولة فى المقاعد الوزارية ككتلة ضامنة أخرى.

يبقى السؤال الأساسى: كيف يمكن الخروج من هذه الدوامة دون انتظار حل إقليمى يفيض على الوضع اللبنانى الداخلى؟ يكمن الحل الداخلى فى ضرورة فصل مجلس النواب عن التركيبة الطائفية، عن طريق انتخابات بنظام التمثيل النسبى من خلال دوائر انتخابية واسعة أو لبنان كدائرة واحدة، على أن تبقى الطوائف تنتخب ممثليها مباشرة إلى مجلس للشيوخ. فالخروج من الطائفية سيظل الحل الوحيد لإحداث تغيير ايجابى فى لبنان.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: