شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

التيار الديني وأزمة الطبقة الوسطى في مصر

محمد العجاتي

السفير

2009


انفجرت منذ أسابيع قليلة في مصر موجة جديدة من التكفير، شملت المفكرين حسن حنفي وسيد القمني، بعد حصولهما على جائزة الدولة التقديرية هذا العام. وهذه الظاهرة ليست جديدة في مصر، ولها سوابق وصلت على حد الاغتيال كما في حالة فرج فودة، أو محاولة الاغتيال  كما في حالة نجيب محفوظ. لكن الجديد في هذه المرة هو دخول الطبقة الوسطى المصرية -التي كانت عادة بعيد عن هذه السجالات -إلى الساحة، رافعة عبر الكتاب المعبرين عنها، لواء التكفير ولو كان ذلك بشكل غير مباشر بادعاء مناقشة أفكار المفكرين، إلا أن أي تأمل لكتابتهم في هذا المجال سيجدها تحريض صريح ضدهما.

الطبقة الوسطى في مصر تتعرض منذ فترة  لغزو منظم من جانب نمط من الفكر ديني، هذا الغزو يمكن طرحه كسمة لتحرك التيار الإسلامي منذ بداية القرن الواحد والعشرين. النمط الذي نقصده هنا هو ذلك النمط الذي يسعى لتديين الحياة، بمعنى أنه يطرح الدين/الإسلام في حالتنا كحاكم للحياة وليس محركاً لها. شهد هذا التيار تطوراً منذ انهيار المشروع القومي في مطلع السبعينيات، واستخدام السادات للدين كأداة سياسية، واستدعاء أفراد تياره لمواجهة المد اليساري والناصري في الشارع المصري. ومع الصدام الشهير بين السلطة والتيار الإسلامي، و الذي انتهي باغتيال السادات ذاته، تحول هذا التيار بعد فترة كمون قصيرة -استدعتها الإجراءات الأمنية التي أعقبت اغتيال السادات- إلى التوجه بالأساس إلى الطبقات المهمشة، من خلال توفير الخدمات، ودعم أفراد هذه الطبقة بخلق فرص عمل، أو حتى تقديم الإعانات المباشرة لهم، ذلك  بالإضافة إلى خطاب يكفر المجتمع نتيجة ظلمه، ويرد هذا الظلم لبعد المجتمع عن الدين. وبالتالي يطرح رؤية دينية مغايرة لتلك السائدة،  بهدف خلق وقود لحركته، تمكنه من الوصول إلى غاياته السياسية عن طريق مواجهة مع الحكومة. ما لبثت أن بدأت في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، وتمثلت في عمليات الجهاد المسلح، ليس فقط ضد الحكم ورموزه، وإنما كذلك ضد المجتمع: مثل السرقات وحرق المحلات و المقاهي وتفجير البنوك. والنوعان بالتأكيد لا ينفصلان، فضرب رئيس الوزراء واجب ديني، وإن كان أمام مدرسة ابتدائية لتستشهد طفلة في الثامنة من عمرها برصاص الإرهاب الديني، وسرقة المحلات ضرورة لتمويل التنظيم، وتفجير البنوك وقتل السائحين ضرورة لزعزعة الحكومة “الكافرة”، ومقاومة المجتمع “الجاهلي” على حد تعبيرهم. لكن سرعان ما استطاعت السلطة – بطريقتها الأمنية- ضرب هذه الجماعات، كما حاولت توفير الخدمات لبعض المناطق التي تقع تحت سيطرة هذا التيار. كما سلكت السلطة طريقاً آخر، أطلقت عليه الحوار الديني، الذي أثبتت من خلاله لجماهير هذا التيار أنها تمتلك من رجال الدين من يقدم نفس الأفكار والمبادئ، وينطلق من نفس أرضية الجماعات.

مع انتهاء المرحلة الأخيرة، بدأت أنظار هذا التيار،  في التوجه إلى طبقة أخرى يصعب ضربهم في وسطها، وهي الطبقة الوسطى، بما استدعاه ذلك من تغييرات في الشكل والتوجه، بل وكذلك أحياناً في مضمون الخطاب ذاته، ولكن دون تغيير في الجوهر و الهدف: فتحولوا من تحريك الجماهير نحو السلطة الدينية إلى توفير القواعد اللازمة لكي يستطيعوا هم أن يكونوا السلطة، فكما قال أحد الدعاة الجدد “مهمتي ليست أن أجعل الناس يحكمون بالإسلام، وإنما أن أجعلهم يقبلون أن يحكموا بالإسلام”. وهو ما يتاح من خلال توفير كوادر من الطبقة الوسطى، التي تحتل مواقع في مجالات مؤثرة مثل الإعلام والسلك النيابي، أو تحتل مناصب هامة كمناصب وكلاء الوزارات على سبيل المثال.

هذه الإستراتيجية الجديدة لم تنبت من فراغ، وإنما جاءت متفقة مع ظروف مجتمعية ملائمة، أعطت هذا التيار الفرصة لتنفيذ هذه الإستراتيجية، والمتمثلة في عدة عوامل: أولها، حالة التآكل التي تعاني منها الطبقة الوسطى، وما يصاحبها من تراجع في المعرفة والوعي. كما إن كثير من العائدين من دول الخليج العربي بدأوا -خلال التسعينيات- الاندماج داخل هذه الطبقة، وبالتالي بدأ تغلغل الفكر الديني القادم من دول النفط. كما لا يمكننا أن  نغفل أيضاً تأثير ما سمي بالحوار الديني، على هذه الطبقة، إذ أصبحت المقولات متشابهة وقاعدة الحوار واحدة، مما جذب شريحة واسعة من أفراد هذه الطبقة. وتأتي كل هذه الفرص في ظل نظام رأسمالي، يعلي من قيمة المادة: فيغلب المظهر على الجوهر، فيعلي من قيمة الحجاب واللحية أكثر من قيم المعاملة والعمل. يُضاف إلى ذلك غياب مشروع قومي يجمع الأمة، فيعيش الشباب في حالة فراغ، يحتاجون في ظلها إلى من يقدم لهم مشروعاً يجعلهم يشعرون بقيمتهم، بما تطرحه هذه الحالة من حلول الفردية للمشكلات الاجتماعية. وكان لابد كذلك من تتغير في الأدوات: فمن التجمعات في المسجد، إلى استخدام شرائط الكاسيت، فالانتقال إلى القنوات الفضائية. صاحب ذلك تغيير المواقع الجغرافية، بالانتقال من مساجد إمبابة والمناطق الشعبية -التي كانت مناطق نفوذ لهم في الثمانينيات- إلى مناطق الطبقة الوسطى سواء الصاعدة، أو مناطق البرجوازيات القديمة -التي تحولت مع الظروف الاجتماعية والتطورات الاقتصادية لمناطق للطبقة الوسطى. كما استدعي ذلك بالطبع تغير في المظهر وطريقة الحديث، وحتى في مضمون الخطاب، لكن مع الحفاظ على الجوهر الفكري، فظهرت ظاهرة الدعاة الجدد  من أصحاب البدل الأنيقة -بدلاً من أصحاب الجلابيب- وربطات العنق -بدلاً من معممي الرأس-؛ والانطلاق من المشكلات التي يعاني منها أفراد هذه الطبقة-خاصةً الشباب- و التي تدور في أغلبها حول العلاقة بالآخر، سواء كان الآخر الغربي أو الآخر داخل المجتمع المصري، مثل قضية العلاقة بالجنس الآخر؛ بالإضافة إلى القضايا الملحة على هذه الطبقة في الوقت الراهن، مثل قضية فرص العمل في ظل انتشار البطالة التي طالت هذه الطبقة. وكان من الطبيعي أن يبتعدوا عن الدعوة للعنف، التي لا تلقى -في الأغلب- قبولاً لدى أعضاء الطبقة الوسطى، و التي سببت -في الثمانينيات ومطلع التسعينيات- عزوف هذه الطبقة عن الاندماج في هذا التيار.

وهذه الرؤية للدين تشيع نمطاً من السلوك خارج عن العصر، إذ يؤدي إلى تحول القيم الحياتية إلى قيم ميتافيزيقية، ويشيع خالة من عدم العقلانية والسطحية والعداء تجاه الغير والشوفينية. الأمر الذي يقود المجتمع إلى حالة من الاستسلام للغيبيات وليس الإيمان بها… والانصياع للواقع أو التصادم العنيف معه، وانتفاء إمكانية التفاعل الواعي معه. و يقود ذلك لحالة تطرف في اتجاه آخر، فإذا تناقشت مع العديد من هؤلاء تجد أنهم يمتلكون نفس الرؤية للدين، ولذلك يتخذون هذا الموقف السلبي منه بل ويبالغون في السلوك المجافي له كنوع من الإعلان عن هذا الرفض. وهو ما يقود إلى حالة انفصام مجتمعي، والطرفان نراهما ينطلقان كذلك من حالة رفض للمجتمع، سواء لانحرافه أو جاهليته في حالة الطرف الأول، أو تخلفه و تزمته في رؤية الطرف الثاني.  وهو ما يتطلب من أصحاب الرؤى المستنيرة مزيد من الجهد لإشاعة رؤية التقدمية للدين، بمعنى إبراز الإسلام  كدين  العقلانية والحرية والمساواة، من خلال فتح القنوات أمام الاجتهادات المختلفة،  فإنه -على عكس ما يدعى أنصار التيار الديني- لن يؤدي إلى فتنة، بل على العكس سيؤدي إلى تعدد في وجهات النظر المطروحة، تخفت على أثره حده التطرف على الجانبين في سبيل أحداث تكامل مجتمعي حقيقي.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: