شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

الحركات الاحتجاجية في مصر.. المراحل والتطور

محمد العجاتي

يناير 2011

دراسة ضمن كتاب: الحركات الاحتجاجية في المنطقة العربية بين السياسي والاجتماعي

مركز دراسات الوحدة العربية

بعد ما يقرب من عشر سنوات من الركود السياسي شهدتها الحياة السياسية المصرية خلال فترة التسعينات من القرن العشرين، جاءت الألفية الثانية بحالة من الحراك السياسي والاجتماعي، ما لبث أن تطور على مدار السنوات العشر الأخيرة، ليمثل حالة فريدة في تاريخ الحياة السياسية المصرية، ترتكز على حركة احتجاجات اجتماعية واسعة النطاق.

تحاول هذه الدراسة تتبع تطور هذه الحالة من خلال رصد مراحله المختلفة من حيث طبيعة الحركات مظاهرها وبنيتها والبيئة المحيطة بعناصرها الثلاثة الاقتصادية والداخلية والخارجية. والتفاعل ما بين هذه الحركات والبيئة المحيطة بها من حيث التأثير المتبادل بينهم. ولتكون الصورة أكثر وضوحا ترسم هذه الورقة في مقدمتها صورة للمجال السياسي المصري في فترة التسعينيات السابق الإشارة إليها بصفتها مرحلة ركود سياسي إلا أنه بالتأكيد كانت كذلك مرحلة تشكلت فيها عبر الأحداث والتطورات البدايات للحراك الحالي في مصر.

منذ انتهاء حرب الخليج الثانية في العام 1991 شهدت الساحة السياسية المصرية حالة من الركود السياسي الذي يمكننا تفسيره إلى القيود التي فرضها النظام المصري لتضيق المساحة المسموح بها من حرية الرأي والتعبير، وحرية العمل السياسي بشكل عام، بحجة التخوف من مد الحركات الإسلامية العنيفة في تلك الفترة، بالإضافة إلى عدة عناصر أخرى أهمها تراجع القوى السياسية التقليدية، والطفرة الاقتصادية التي شهدتها تلك الفترة، وكذلك استخدام السلطة لخطاب قومي لتبرير دورها في حرب الخليج الثانية.

ومن النماذج البارزة الجديرة بالتناول في هذا الصدد هي تجربة “حزب الوفد”، وهو أعرق الأحزاب المصرية، نظرًا لأنه كان حزب الأغلبية قبل قيام ثورة يوليو1952. ومع عودة التعددية الحزبية عام 1978، عاد الحزب مرة أخرى للعمل السياسي تحت قيادة “فؤاد سراج الدين”، الذي كان سكرتيرًا عامًا للحزب في مرحلة ما قبل الثورة، بل وكان أول الأحزاب التي تتقدم بطلب السماح بممارسة العمل الحزبي العلني[1].

وخلال فترة الثمانينيات، استطاع الحزب خلق قواعد شعبية لا بأس بها[2]. إلا  أنه مع  العمل على أرض الواقع خذل حزب الوفد العديد من أنصاره كحزب ليبرالي وذلك من خلال مواقفه من قضايا الرأي والتعبير وعلى رأسها قضية نصر حامد أبو زيد، وتركيز الحزب على تصفية حساباته مع الفترة الناصرية ، وبقاء وسيطرت رئيس الحزب آن ذاك السيد/ فؤاد سراج الدين لفترة طويلة على مقاليد السلطة داخله. إضافة إلى ذلك انسحاب عدد كبير من أعضاء الحزب عام 1984، لاعتراضهم على تحالف الوفد مع جماعة الإخوان المسلمين[3]. يُضاف إلى ذلك- بل يسبقه في معظم الأحيان- حقيقة أن موقف الحزب في خلال فترة التسعينات تميزت بالتراخي والاقتراب من المواقف الحكومية في معظم القضايا، الأمر الذي أضعف التعاطف الشعبي مع الحزب، خاصةً في الأوساط الشبابية.

أما عن حزب اليسار والذي كان في فترة الثمانينات يمثل الصوت الأكثر راديكالية في الشارع المصري وهو حزب التجمع الذي نشاء في نهاية السبعينات بقيادة خالد محي الدين أحد الضباط الأحرار ليضم بين جنابته التيارات الشيوعية والناصرية وتيار اليسار الإسلامي، فمع مطلع التسعينات وسقوط المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي ،أصاب الحزب حالة من الارتباك صاحبها تبنيه لتحالف مع الدولة لمواجهة ما أطلق عليه “الإرهاب” الديني، وتحولت مهمته إلى معركة مع الفكر الأصولي على حساب معركته مع سياسات النظام القائم. مما أفقده كثيرا من المشروعية وبدأ العديد من التيارات اليسارية والناصرية في الخروج من عباءته رسميا أو حتى ضمنيا بالبقاء داخل الحزب مع ممارسة نشاطها السياسي بشكل مستقل، وهو ما دفع قيادات الحزب الرسمية سواء رغبة في السلطة أوفي محاولة للحفاظ على الحزب بالتراجع عن الديمقراطية الداخلية التي كانت مثالا يحتذي به من باقي الأحزاب خلال فترة الثمانينات، ومع ارتفاع متوسط أعمار هذه القيادات بدأ الحزب في التكلس والدخول في صفقات مع النظام، مما أفقده كثيرا من شعبيته في أوساط اليسار المصري.

 من أهم الأحزاب المصرية التي فرضت وجودها على الساحة حتى فترة التسعينيات أيضًا حزب العمل[4]. ومن الجدير بالذكر أن الحزب – لدى نشأته- كان يغلب على برنامجه وتوجهاته الطابع الاشتراكي، ولكنه نزع تدريجيًا عباءة الاشتراكية عنه، وشهد تقاربا مع جماعة الإخوان المسلمين وانضمام عناصر إسلامية التوجه إلى الحزب، وخروج عناصر اشتراكية أخرى منه. ولم يكن هذا الأمر بمستغرب، حيث أن الحزب يعتبر نفسه امتدادًا لحركة مصر الفتاة، التي كانت تسعى للمزج بين الاشتراكية والتوجه الإسلامي. ومن اللافت أن الأزمات الداخلية بسبب هذا التحالف استمرت وازدادت عنفًا، فمع حلول انتخابات المؤتمر العام لعام 1989، ظهر فيها بشدة الصراع بين التيارين الاشتراكي والإسلامي داخل الحزب، وهو الصراع الذي حُسم بفوز أنصار التيار الإسلامي بانتخابات الحزب الداخلية. وردًا على نتائج الانتخابات وسقوط التيار الاشتراكي داخل الحزب، اجتمع عدد من قيادات الجناح الاشتراكي في الحزب، وقرروا إنشاء لجنة تنفيذية ثانية منشقة عن الهيكل التنظيمي للحزب الأصلي، وتولى أحمد مجاهد رئاسة هذا الحزب الموازي، وصار جمال أسعد نائبًا له. وقد تم الإعلاء من شأن هذا الانشقاق إعلاميًا وسياسيًا: سواء من خلال الدعم الحكومي للمنشقين عن الحزب – بمجموعة من اللقاءات التي جمعت بين المجموعة المنشقة وبين رئيس مجلس الشعب ووزير الداخلية على سبيل المثال- أومن خلال إصدار صحيفة أخرى موازية باسم الحزب، الأمر الذي أضعف هيكل الحزب الأصلي أمام الرأي العام[5].

أما عن الحزب العربي الديمقراطي الناصري، الذي عول عليه الكثيرون لتغيير المشهد السياسي في مصر حيث أنه الحزب الوحيد الذي استكمل بناء قواعد شعبية من خلال لجان ومقار في كافة محافظات مصر قبل إشهاره، فقد  جاءت نشأته في مطلع التسعينات مخيبة للآمال، فقد ولد منقسما على ذاته وشهد منذ اللحظة الأولى صراعا بين فصائل الناصريين المختلفة، على رأسها مجموعة “ضياء الدين داود”، ومجموعة “فريد عبد الكريم” التي تمثل الجناح الأكثر تشددًا من الناصريين[6]. وقد نتج عن تأسيسه رفض الاعتراف الرسمي ببقية القوى الناصرية، وإن دعت بعض القوى الناصرية كل فصائل الناصريين إلى الانضمام إلى الحزب الوليد، وتناسي الخلافات القديمة، واستجاب البعض للدعوة، بينما رفضها آخرون. بيد أن هذا الاقتراح تحول إلى كابوس بعد أقل من خمسة أعوام على تشكيل الحزب الناصري، وذلك بسبب انتقال خلافات فصائل الناصريين إلى هذا الحزب الجديد، ما أثر على فاعليته، وشل قدرته تقريبا، الأمر الذي دفع البعض إلى الانسحاب من الحزب طواعية، وفصل الحزب آخرين، بعدما وقعت صدامات داخل لجان الحزب بين القوى المتنافسة[7].

أما عن الأخوان المسلمين فبعد تجربتي تحالف مع أحزاب قائمة خلال الثمانينات ومطلع التسعينات ، كانت فترة التسعينات مرحلة بناء وقد مكنه من ذلك فترة التسامح القصيرة بينهم وبين النظام، والتي حتمتها ضرورات مواجهة النظام مع الجماعات الجهادية العنيفة. إلا أن ذلك لم يخل من مناوشات ، على سبيل المثال “قضية سلسبيل” في أواخر عام 1992- والتي تبين من خلالها أن للجماعة تنظيمًا قويًا ومحكمًا استطاعت بناءه في سنوات قليلة، ويكاد يقارب في دقته الهيكلية والتنظيمية الهيكل الرسمي للدولة وأجهزتها. وهي القضية التي شهدت في أعقابها إجراءات متعددة لكسر شوكة الجماعة، على رأسها المحاكمات العسكرية لقياداتها، وسن التشريعات والقرارات الإدارية لتقليص وجود الجماعة في النقابات المهنية والاتحادات الطلابية والمجالس المحلية، بل والجمعيات الأهلية والمساجد. وهذه الإجراءات تهدف جميعًا إلى توجيه ضربات جزئية محسوبة إلى بنية الجماعة، لإنهاكها واستنزاف قوتها دون الدخول في معركة مباشرة ومفتوحة معها، قد لا يحتمل النظام تكاليفها في ذلك الوقت[8].

 قوى أخرى كانت موجودة بكثافة وفاعلية على الساحة المصرية خلال فترتي الثمانينيات والتسعينيات، هي الجماعات الإسلامية ،وعلى رأسها تنظيم الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية. وهي -كما هو معروف- تنظيمات سلفية جهادية عنيفة، بدأت تظهر على الساحة مع أوائل السبعينيات، وتعتنق فكرًا إسلاميًا متطرفًا، يحكم بجاهلية الدولة لكونها لا تحكم بالشريعة الإسلامية؛ وتتبنى أسلوباَ واحدًا للتغيير هو العنف المسلح. وعلى الرغم من هذه التنظيمات قد تلقت ضربات موجعة عقب اغتيال الرئيس السادات، ووُضع أكثر القيادات في السجون، إلا أن فترة أوائل التسعينيات تحديدًا كانت من الفترات النشطة في حياة هذه الفصائل. فمع خروج معظم قيادات هذه الفصائل من السجون في منتصف الثمانينيات، ازدادت الحركة تأثيرًا واستطاعت بناء نفسها مرة أخرى، وخاصة تنظيم الجماعة الإسلامية، الذي خلق لنفسه قاعدة شعبية لا بأس بها في منطقة الصعيد جنوب مصر. واستطاع تنفيذ عدد من العمليات العسكرية، على رأسها عمليات الاغتيال التي استهدفت رموز النظام المصري عام 1993، والتي قام بها ما عُرف باسم “تنظيم طلائع الفتح”، التابعة لجماعة الجهاد الإسلامي، بالإضافة إلى  مذبحة الأقصر 1997 التي قام بها مجموعة من أبناء الجماعة الإسلامية[9]. ومن الجدير بالذكر أن تلك الأحداث- مع الاعتراف بخطورتها- ظلت ورقة في يد النظام المصري للتضييق على مساحات حرية الرأي والتعبير والعمل السياسي المتروكة في المجال العام[10].

كما كان للعامل الاقتصادي دور هام في هذه الفترة ، فمع انتهاء حرب الخليج الثانية حصل النظام المصري على مكافأته مقابل المشاركة في تحرير الكويت ، والتي تمثلت في إسقاط ما يقرب من نصف الديون الخارجية المصرية التي كانت تثقل كاهل الاقتصاد المصري طوال الثمانينات. كما بدأت الحكومة في ذلك الوقت تطبيق ما اصطلح تسميته برنامج “الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة”[11] بما شمله ذلك من إعفاءات ضريبية لعدد من السنوات للشركات الأجنبية وكذلك بدأ بيع بعض شركات القطاع العام ، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع في السيولة المتوفرة وكذلك جذب لاستثمارات أجنبية بما أتاحته من فرص عمل خاصة مع دخول الشركات متعدية الجنسيات. كما شهد النصف الثاني من التسعينات تراجعا ملحوظا في معدلات التضخم التي كانت قد تجاوزت في مطلع التسعينات الـ 20% وكذلك معدل نمو يقدر بحوالي 4.5% [12]وهو رقم كان غائبا منذ أواخر السبعينات. ولدت هذه الحالة آمالا عريضة في طفرة اقتصادية لدى شرائح واسعة في المجتمع المصري للدرجة التي حدت ببعض المحللين لوصف مصر بنمر على النيل على غرار النمور الآسيوية[13].

مع أفول وجمود التنظيمات الحزبية بشكلها التقليدي، والمواجهات العنيفة الحادثة بين النظام والجماعات السياسية الأخرى غير الحزبية، وعمليات التحولات الاقتصادية التي مرت بها الدول النامية، وعلى رأسها مصر، في أعقاب القبول بسياسات التكيف الهيكلي، بالإضافة إلى تحولات النظام العالمي من انهيار نظم الحكم الديكتاتورية في شرق أوروبا ومعظم دول الكتلة الشرقية، بل وانهيار الاتحاد السوفيتي ذاته في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، أدى إلى بروز ما أُطلق عليه “القطاع الثالث” أو”المجتمع المدني” كمصطلح جديد، تركز عليه المنظمات الدولية لكونه القطاع الذي يمارس نشاطًا تكميليًا لدور الدولة المتراجع، ويسد الفجوة بين المواطنين وبين الدولة، ومن ناحية أخرى، يساعد على إشاعة قيم المبادرة والاعتماد على الذات، ومن ثم خلق ثقافة مختلفة قد تكون دافعًا لعملية التحول الديمقراطي[14]. في الوقت ذاته الذي بدأ المجتمع المدني يبرز فيه على الساحة باعتباره فاعلاً مهمًا على الساحة المصرية، بدأ المجتمع المصري أيضًا يشهد نموًا غير مسبوق لظاهرة أخرى هي ظاهرة الإعلام المستقل. فبحلول أواخر التسعينيات، شهدت مصر انطلاق عدد من الصحف المستقلة، كان أبرزها جريدة “الدستور”، التي تم إغلاقها لفترة طويلة –حوالي سبع سنوات- بسبب مشكلة أثارها أحد رجال الأعمال[15]. هكذا كان المشهد المصري عشية القرن والواحد والعشرين، والذي شهد مطلعه حراكا سياسيا غير مسبوق في مصر منذ الاستقلال.

ويمكننا تقسيم هذه الورقة إلى ثلاث مراحل رئيسية شهدها هذا الحراك، المرحلة الأولى هي تلك التي انطلقت مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية واستمرت حتى غزو العراق في العام 2003. والثانية التي صاحبت الانتخابات البرلمانية المصرية  واستمرت حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية في 2005. والمرحلة الثالثة والأخيرة هي مرحلة الاحتجاجات الاجتماعية التي بدأت منذ العام 2006 ومازالت مستمرة حتى الآن.

 

المرحلة الأولى: مرحلة الحراك السياسي:

فور اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، ثارت موجة من التظاهرات والتحركات السياسية غير المسبوقة على الساحة المصرية. ومن اللافت أن هذا الحراك الشعبي اتخذ أولاً صورة تجمع شعبي يهدف للتضامن مع الشعب الفلسطيني وتدعيم مقاومته وصموده أمام الهجمات الإسرائيلية ، وذلك من خلال جمع التبرعات وقوافل المساعدات المادية والغذائية والدوائية وتمريرها عبر الحدود المصرية إلى الأراضي المحتلة؛ من ناحية باعتبار أن ما يعانيه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال هو جزء لا يتجزأ من القضية الوطنية المصرية، وهم إنساني عام؛ ومن ناحية أخرى ونظرًا لحالة الركود السياسي التي سادت الساحة المصرية خلال فترة التسعينيات، والتضييق الأمني الذي مارسه النظام المصري على مختلف القوى الفاعلة على الساحة السياسية المصرية، تحولت الحركة في فترة لاحقة إلى استغلال العامل الخارجي كمدخل للاحتجاج على الأوضاع الداخلية. أشعلت الانتفاضة حالة استنفار وحراكًا غير مسبوق لدى قطاعات وشرائح واسعة من المجتمع المصري، فقد اشتعلت المظاهرات غير المنظمة للتنديد بالاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، وللتضامن مع القضية الفلسطينية، وأثارت موجة واسعة من التعاطف لدى الشعب المصري مع القضية الفلسطينية.

أولا:- محفزات الحراك السياسي بين التغيرات الإقليمية و التطورات الداخلية :

كانت البيئة المحيطة داعمة لعودة الحراك للشارع المصري  سواء بسبب التراجع الاقتصادي أو التطور الإعلامي على مستوى العربي خاصة من جانب قناتي العربية والجزيرة اللتين نقلتا للمشاهد العربي صورة مفصلة للمجازر الإسرائيلية، ونذكر هنا مشهد استشهاد الطفل محمد الدرة بين يدي والده برصاص القوات الصهيونية، وما تركه من أثر في نفوس العرب جميعا. كذلك التطورات السياسية سواء الداخلية أو الخارجية كان لها دورها كذلك.

وعلى الصعيد الاقتصادي واجه الاقتصاد المصري في نهاية حقبة التسعينات ثلاث صدمات رئيسية وهي الأزمة المالية في بلدان شرق آسيا، والاعتداء الإرهابي على السياحة في مدينة الأقصر، والانخفاض الحاد في أسعار البترول، مما أدى إلى عودة الارتفاع في معدلات التضخم، وانحسار في معدلات الاستثمار خاصة مع انتهاء مهلة الإعفاء الضريبي حيث استفادت بها العديد من الشركات ثم نقلت مقار نشاطها لدول أخرى بعد انتهائه، كما شهدت هذه الفترة معدلات نمو سلبي للاستثمار الخاص بلغ 46% مما أدى إلى انخفاض الاستثمار بنسبة 23%[16]، لتبدأ موجة من البطالة ما زلنا نعاني منها حتى الآن، وهو ما دفع إلى ما يمكن أن نطلق عليه فجوة التوقعات لدى فئات عريضة من الشعب المصري خاصة بين الشباب الذي يعد وقود حركات الاحتجاج.

في هذا الإطار، يمكننا الإشارة إلى التغيرات الحادثة على الساحة السياسية المصرية داخليًا، وعلى رأسها التطورات الداخلية للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، وتحديدًا تلك التي أعقبت مؤتمر الحزب الثامن عام 2002. ففي أعقاب الانتخابات البرلمانية لعام 2000، والمؤشرات المقلقة التي تلت تلك الانتخابات، مشيرة بوضوح إلى تناقص كبير في شعبية الحزب في أوساط المؤيدين له، كما أشارت أيضًا إلى تنامي ظاهرة الانشقاق الحزبي من المستقلين الذين يتحدون الحزب أثناء الانتخابات وسرعان ما ينضمون إليه حال فوزهم[17]. يُضاف إلى ذلك أيضًا-كما يذهب عدد من المحللين- العامل الخارجي المتمثل في الضغوط الدولية- وتحديدًا الضغوط الأمريكية- من أجل تغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية التي “تفرخ الإرهاب”، ذلك المسئول عن أحداث 11 سبتمبر 2001. ولكن هذا من الواضح أن العامل الخارجي لم يكن هو العامل الأساسي الدافع لإجراء تلك الإصلاحات في هيكل الحزب الحاكم، لأن عملية الإصلاح الداخلية للحزب كانت قد بدأت قبل أحداث سبتمبر. أما عن تلك الأخيرة، فربما ساهمت فقط في دفع عملية الإصلاح، وإعطاء المزيد من الثقل إلى الجيل “الثاني” من القيادات أو”التيار الإصلاحي” داخل الحزب.

ففي أعقاب الانتخابات البرلمانية لعام 2000، بدأ تيار الشباب أو التيار الإصلاحي الذي يقوده جمال مبارك، ابن الرئيس، في الإلحاح على طلب الضوء الأخضر من رئيس الحزب، الرئيس  مبارك، لمحاولة إصلاح الحزب الوطني، وتحسين صورته في الشارع المصري. وقد نجح هذا التيار -نسبيًّا- في بلورة عدد من التغييرات تمس عمليًّا التيار التقليدي – أومن اصطلح على تسميتهم بـ”الحرس القديم”-  الذي يمثله رموز الحزب القديمة؛ انتظارًا للحظة التغيير المرتقبة في مؤتمر الحزب الثامن عام 2002؛ ليخرج الحزب من المؤتمر ببعض التغييرات فيما يتعلق بالنظام الأساسي أو الرموز.

ورغم أن التغييرات لم تكن جذرية بالمعنى الذي توقعه بعض المراقبين، ولكنها كانت مهمة وذات دلالات مؤثرة: فعلى سبيل المثال، صرح أحد قيادات الحزب ورمز من رموز التيار الإصلاحي أن انتخابات 2000 كانت اختبارًا للحزب، وما إن انتهت بسقوط رموز كبيرة للحزب حتى بدأت عملية التطوير للتخلص من الاحتكار، الذي استنته قيادات “فرضت نفسها على العمل الحزبي”، واستمرت في مناصبها طويلاً دون أن تسمح به لغيرها. وانطلاقًا من ذلك، فقد اتضح لجانب كبير من المحللين أن عملية الإصلاح لم تكن سوى عملية تجميل سطحية، لم تصل لجذور مشاكل الحزب[18]. كان أحد التغييرات بالغ الأهمية هو استحداث لجنة جديدة داخل الحزب، هي لجنة أمانة السياسات، وهي اللجنة التي ستتولى رسم السياسات التي سينتهجها الحزب الحاكم، ومراجعة مشروعات القوانين التي تقترحها حكومة الحزب قبل إحالتها لمجلس الشعب. وعلى رأس لجنة أمانة السياسات، تم وضع “جمال مبارك” نجل الرئيس. الأمر الذي أثار عواصف من الانتقادات، واعتبره البعض مقدمة لتنفيذ سيناريو التوريث[19]. ومثل ذلك دافعا  للحراك في الشارع استشعارا لخطر قادم من خلال هذه التغيرات، كما أن هذا الصراع الداخلي أسفر عن بعض مظاهر الفساد داخل الحكم، فقد جاء تغيير أكبر شخصية في الحزب، وهي الأمين العام للحزب ووزير الزراعة “يوسف والي”، وإعطاؤه منصبًا شرفيًّا، ( نائب رئيس الحزب للشئون الداخلية)، في أعقاب فضيحة المبيدات المسرطنة[20]. هذه الوضعية بالإضافة إلى محاولة كل جناح من تلك المتصارعة  تجنب تحمل مسئولية عمليات تضييق واسعة في مواجهة هذه التحركات، منح تلك الخبرة الاحتجاجية فرصة للتطور والازدياد.

خلال تلك الفترة أثرت كذلك عدة عوامل دولية على الأوضاع الداخلية في مصر، ربما كان على رأسها أحداث سبتمبر 2001، وما أعقبها من حروب شنتها الولايات المتحدة وعدد من حلفائها على أفغانستان 2001، والعراق 2003. بالإضافة إلى عدد آخر من المتغيرات الإقليمية، والتي من المهم نمر عليها سريعًا في سياق هذا الجزء.

ربما كان أول هذه المتغيرات الإقليمية، وأحد أبرزها هو تحرير جنوب لبنان ففي مايو2000 انسحبت  القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بعد 18 عام من الاختلال دون أي تسوية أو اتفاق مسبق. وجاء هذا القرار بعد أن كبدت العمليات العسكرية الناجحة لحزب الله الاحتلال الإسرائيلي خسائر سنوية بلغت ما بين 22 و23 قتيلاً، وعددا كبيرا من الجرحى والأسرى . وبجانب الخسائر في جنوب لبنان ، فقد خلقت ضربات المقاومة الموجعة تيارًا شعبيًا قويًا داخل المجتمع الإسرائيلي يطالب بالانسحاب من “المستنقع اللبناني”[21]. وقد أدى تحرير الجنوب اللبناني، بطبيعة الحال، إلى خلق موجة واسعة من التعاطف الشعبي المصري وأقنع الكثيرين بقدرة العرب على مقاومة الإسرائيليين وأن نهج التفاوض ليس الطريق الوحيد لمواجهة الكيان الصهيوني، وهو ما ظل النظام المصري يروج له لفترة طويلة، فتزايد التعاطف مع القضية الفلسطينية على هذا الأساس مما أثر بشدة على طبيعة المطالب والشعارات المرفوعة في الشارع المصري.

كذلك، كان لنشأة وتطور حركات مناهضة العولمة والحرب على مستوى العالم دور بارز في نشأة حركات مناهضة العولمة في العالم العربي وفي مصر تحديدًا. فقد ظهرت حركات مناهضة العولمة في العالم، فقد بدأت الحركة بمظاهرات سياتل في ديسمبر 1999، وكان جوهرها هو تحدي الشركات الكبرى والمؤسسات المالية الدولية. مثّلت سياتل رمزًا لنقطة تحوّل مهمة، فالحركة من أجل “عالم آخر ممكن” أصبحت مُلهِماُ لملايين عديدة في كل أركان العالم، ولم  يكن العالم العربي-ومصر تحديدًا- استثناءً. وتبلورت هذه الحركة في مؤتمر ديربن لمناهضة العنصرية بجنوب إفريقيا في العام 2001 والذي اتخذ مواقف معادية لإسرائيل. إلا أن أحداث 11 سبتمبر، وما تلاها من حروب شنتها الولايات المتحدة في أعقابها نقطة تحول كبرى أو نقلة نوعية لتلك الحركات: فقد تصاعد نمو الحركة في الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم، وتحول توجهها قبيل الحرب على العراق إلى مواجهة الوجه العسكري للرأسمالية؛ الوجه الساعي إلى تعظيم أرباح الشركات متعددة الجنسيات وشركات النفط العملاقة على حساب المواطنين البسطاء والشعوب، والذي برز جليًا من خلال الحرب على العراق وتبلور في الشعار الذي رفعته “لا للدماء مقابل النفط”[22]. وفي سياق تصاعد الانتفاضة الفلسطينية، لعبت القضية الفلسطينية دور الملهم الجديد لحركة معاداة الرأسمالية والحرب. فقد تم تنظيم مظاهرات بمئات الآلاف لمناصرة الشعب الفلسطيني في الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية مع نهاية شهر مارس عندما اجتاح الاحتلال الصهيوني مدن الضفة الغربية[23]. كل هذه التحركات الدولية كان لها صدى واسع ومؤثر على الشارع المصري، فتحرك الشارع على أثر مشاهدته للتظاهرات في مختلف أنحاء العالم تضامنا مع قضايا منطقتنا بل وتشكلت في مصر مجموعة لمناهضة العولمة (أجيج)Egyptian anti globalization group، وهي ” تجمّع  لنشطاء أفراد تهدف للنضال ضد العولمة في مصر، وتسعى لتطوير هذا النضال وتوسيع رقعته، وهي جزء من حركات مناهضة العولمة الدولية”[24].

ثانيا:- الموجات المختلفة للحراك في هذه المرحلة:

يمكن التمييز بين ثلاث موجات مختلفة للحراك الشعبي في الفترة بين اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر 2000، وحتى احتلال القوات الأمريكية للعراق عام 2003. فتميزت الموجة الأولى من الحراك –كما سبق الذكر- بأنها شملت التظاهرات والوقفات الاحتجاجية العفوية التي اشتعلت في مختلف الجامعات المصرية، وعلى رأسها جامعة القاهرة وجامعة الأزهر، وشارك فيها تلاميذ المدارس، في الشهر الأول لاندلاع الانتفاضة. كما أنه من اللافت أيضًا استمرار المظاهرات لمدد زمنية طويلة نسبيًا بشكل تلقائي عفوي، دون وجود تخطيط أو تنظيم مسبق. وكانت مطالب المتظاهرين تتلخص في طرد السفير الإسرائيلي من القاهرة، وغلق السفارة الإسرائيلية. وشهدت هذه الفترة كذلك تأسيس “اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة”، والتي تأسست بمبادرة من المثقفين المصريين، ولكنها اتخذت في عملها طابعًا شعبيًا لا شك فيه، وكانت تعمل على تحريك المزيد من طاقات الشارع المصري عبر جمع التبرعات المادية والعينية وإرسال قوافل الدعم الشعبي عبر الحدود المصرية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وامتد عمل اللجنة إلى تنظيم المهرجانات الثقافية والندوات وغير ذلك بهدف دعم الانتفاضة الفلسطينية. كما نظمت اللجنة عددًا من التظاهرات ذات الطابع الشعبي، ربما كان أبرزها تظاهرة 10 سبتمبر 2001 في ميدان التحرير، التي سبقت أحداث 11 سبتمبر الشهيرة بيوم واحد فقط[25].

تميزت هذه المرحلة باشتراك نخب فكرية تنتمي لتيارات مختلفة في العمل من أجل قضية واحدة، ومما ساعد على استمرار الحركة وحفاظها على تماسكها خلال تلك الفترة هو تبنيها لتقليد جديد، تمثل في تظاهرة كل يوم جمعة بالجامع الأزهر، والتي غالبًا ما كانت تنتهي بمحاولات تضييق وحصار من قوات الأمن المصرية، ولكنها لعبت دورًا مهمًا في كسر حالة الجمود السياسي بين التيارات السياسية المختلفة، وبين رجل الشارع المصري العادي غير المسيس[26].

أما عن الموجة الثانية، التي يمكن أن نزعم أنها تلت أحداث 11 سبتمبر، فكانت فترة من التراجع النسبي لنشاط الحركة على مستوى تنظيم التظاهرات، وإن كانت أنشطتها الأخرى- تشكيل اللجان الشعبية، وحملات مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، وغيرها- ظلت مستمرة بصورة منتظمة. ورغم أن هذه الفترة شهدت حدثًا جللاً مثل الاحتلال الأمريكي على أفغانستان، إلا أن حجم التعاطف الشعبي مع الشعب الأفغاني لم يكن بذي بال، حيث لم تشهد الساحة المصرية أية تحركات جماهيرية في هذا الشأن.

انفجرت الموجة الثالثة من الاحتجاجات بشكل واضح مع أواخر مارس 2002، مع حصار الاحتلال الإسرائيلي لرام الله وجنين، فشهدت تلك الفترة موجة من أكبر التظاهرات التي شهدها الشارع المصري في تاريخه، حيث قدرت بعض المصادر حجم التظاهرات بحوالي مليون متظاهر في مناطق مختلفة من الجمهورية، أضخمها كانت تظاهرة أمام جامعة القاهرة يوم 1 أبريل 2002 والتي وصل عدد المتظاهرين بها إلى حوالي 1000 متظاهر، وهو رقم كان الشارع المصري قد نسيه لسنوات طوال، وجمعت كافة القوى السياسية الفاعلة على الساحة المصرية،إلا أنها لاقت- بطبيعة الحال- تضييقا شديدًا من جانب الأجهزة الأمنية للنظام المصري: فدخل المتظاهرون في صدام مباشر مع قوات الأمن[27].

نتيجة لحملة التضييق والاعتقالات التي تلقاها الناشطون والمتظاهرون، تراجع نشاط اللجنة الشعبية نسبيًا، ولكن في تلك المرحلة بدأ العامل الخارجي يلعب دورًا مؤثرًا في دفع أنشطة اللجنة للأمام، مع ظهور شبح الهجوم الأمريكي المحتمل على العراق. فلعبت اللجان الشعبية دورًا في تجميع القوى السياسية المصرية، بل وحتى رجل الشارع العادي الغير منتمي سياسيا ، حول القضية الفلسطينية. فتم تنظيم العديد من التظاهرات الشعبية تضامنًا مع فلسطين، وضد الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة العربية والتهديدات الموجهة للعراق. واتضح ذلك الدور البارز الذي لعبته اللجنة في تنظيم تظاهرتين: يومي 18 يناير و15 فبراير 2003 بميدان السيدة زينب، اشتراكًا مع حركة التضامن العالمي ضد الحرب على العراق، وللتضامن كذلك مع الانتفاضة الفلسطينية، بالإضافة إلى عدد من المظاهرات الأخرى (أمام معرض القاهرة الدولي للكتاب، وغيرها..)[28]. ولعل ذروة الحراك الشعبي في الشارع المصري تمثلت في  مظاهرات الجماهير المصرية الغاضبة يومي 20 و21 مارس 2003 في ميدان التحرير. فمع تحضيرات الإدارة الأمريكية السابقة لغزو العراق، بدأت حالة الحراك تزداد في الشارع المصري، وهو ما دفع نشطاء اليسار- وعلى رأسهم نشطاء اللجنة الشعبية- إلى التجمع مرة أخرى، والاتفاق على جدول للمظاهرات، وتم الدعوة عبر الهاتف المحمول للتظاهر أمام السفارة الأمريكية في تمام الساعة الثانية عشر ظهر اليوم الذي سيبدأ فيه القصف الأمريكي للعراق فكانت تظاهرة يوم 20 مارس 2003 حيث لم يتمكن المشاركون من الوصول للسفارة الأمريكية فتجمعوا في ميدان التحرير للتنديد بالقصف وتمكن المشاركون من خلال الهتافات من الربط بين الوضع الداخلي والقضية الفلسطينية وغزو العراق بعبقرية تلقائية حركت المواطن العادي الذي خرج من دور المشاهد للمظاهرات إلى المشارك المتحمس فيها.وقد قدرت قناة الجزيرة عدد المشاركين في هذا اليوم بحوالي 40 ألف مشارك على مدار اليوم. الأمر الذي أجبر قوى الأمن على التراجع، تاركتا الميدان للجماهير. انفضت التظاهرة مساءً، باتفاق المشاركين فيها على أن تُستكمل في اليوم التالي- 21 مارس- أمام الجامع الأزهر وفي ميدان التحرير مرة أخرى. ورغم التضييق الأمني الشديد على المكانين، إلى أن النشطاء تجمعوا في وسط القاهرة مرة أخرى وبشكل مكثف، وهو ما واجهته أجهزة الأمن بتضييق واشتباكات عنيفة، أفضت إلى اعتقال حوالي 800 شخص من المشاركين في التظاهرة.

أما عن التغطية الإعلامية لهذه التظاهرات، فمن الجدير بالذكر أن أجهزة الإعلام “القومية” أو”الحكومية” اتبعت إستراتيجية محددة ومعروفة سلفًا: تجاهل هذه التظاهرات بشكل شبه تام، أو نقل مشاهد لها ولكن بحساب وبجرعات محددة؛ فعلى سبيل المثال، لم تكن تنقل مشاهد الحشود الضخمة المشاركة في التظاهرات، ولا تنقل مشاهد حصار قوات الأمن المركزي  للمتظاهرين، كما لا تنقل مشاهد اللافتات المنددة بالأنظمة العربية الحاكمة وسياساتها المخزية، بل تكتفي ببث بعض المشاهد للمتظاهرين بالشعارات المتضامنة مع العراق وفلسطين فقط.

ولذلك عدة أهداف:

أولاً: محاولة إبراز صورة إيجابية عن الديمقراطية داخل مصر مضمونها أن الدولة تسمح بحرية التظاهر مثل كل دول العالم.

وثانيًا: وجد النظام في هذه التظاهرات حالة من التنفيس عن الغضب الشعبي، سواءً كان من العدوان على العراق وفلسطين أو للاحتجاج على الأوضاع الداخلية المصرية، على أن يتم حصار هذه الحالة من الغضب وحصرها في أوساط المثقفين والناشطين.

ثالثا: الخطاب القومي الذي استخدمه النظام لسنوات لتبرير المشاركة في تحرير الكويت تحت الراية الأمريكية ولعب دور الوسيط في القضية الفلسطينية، وقد وجد النظام نفسه في اختبار حقيقي لصدق مقولاته وكان من الصعب عليه التراجع عنها بشكل سريع فكانت تظاهرة الحزب الوطني باستاد القاهرة للتنديد بحرب العراق وبمشاركة الإخوان المسلمين في محاولة للمزايدة على حركة الشارع.

ثالثا:- التطور التنظيمي للحركة- نشؤ اللجان الشعبية والخروج من عباءة العمل الحزبي:

اتخذ الحراك الشعبي في تلك المرحلة شكلاَ مختلفًا عن التكتلات الحزبية التقليدية، واختلفت أيضًا عن التحركات الشعبية العفوية الخالية من التنظيم. فقد تم تطوير شكل تنظيمي مبتكر لتنظيم الدعم الشعبي المصري للانتفاضة الفلسطينية، تمثل في “اللجنة الشعبية لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني”. وبما أن المبادرة لتأسيس هذه اللجنة جاءت من مجموعة من المثقفين ونشطاء اليسار، فمن الجدير بالذكر توضيح أنه في بادئ الأمر، لم يكن يدور بخلد النشطاء المؤسسين للجنة الشعبية أي أفكار حول الهيكل التنظيمي للجنة الشعبية، بل كانت مجرد اتفاق على تقديم الدعم للانتفاضة الفلسطينية. وخلال الاجتماعات، تم التأكيد على أن دور اللجنة لا يجب أن يقتصر فقط على تقديم الدعم المادي أو العيني للشعب الفلسطيني، وإنما كذلك- والأهم- هو تقديم الدعم السياسي والمعنوي.

مع التفكير في الأشكال المختلفة الممكن تقديمها لدعم الشعب الفلسطيني في انتفاضته أمام الاحتلال، وجد النشطاء استجابة كبيرة من الشارع المصري في مختلف المناطق، ويمكن القول بأن المبادرة كانت مزدوجة من جانب اللجنة، كما كانت من جانب الشارع المصري.

 فمن ناحية بادرت اللجنة بالاتصال بالمتحمسين من المشاركين في أنشطتها، خاصةً في المحافظات المصرية المختلفة، ومن ناحية أخرى، فقد تلقت اللجنة فور إعلانها عن أرقام الهاتف الخاصة بها كمية هائلة من الاتصالات من المواطنين المصريين المهتمين بالمشاركة في أنشطة اللجنة. وجذبت عضوية قطاعات مختلفة من الشعب المصري، خاصةً في المحافظات. وعلى هذا الأساس، فقد تقرر عدم وضع هيكل تنظيمي صلب أو آلية بيروقراطية صارمة للعمل، فالمشاركة كانت هي طريقة الإدارة، والتوافق هو آلية اتخاذ القرارات، وكان هذا من أبرز العوامل التي جذبت الناس للمشاركة في أنشطة اللجنة[29].

التطور البنيوي كان محل تأثير البيئة المحيطة هو الأخر فمع تصاعد الضغوط الدولية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، حاول النظام المصري أن يبدي قدرًا من التسامح مع هذه التحركات خاصة مع تبنيه في هذه المرحلة لخطاب يتسم بالتعاطف مع القضايا الإقليمية، فترك مساحة للتحرك واسعة استغلتها هذه التحركات الناشئة في توسيع مساحتها باستخدام القضايا الإقليمية كمدخل لطرح القضايا الداخلية. إلا أن تراث جهاز الأمن المصري كان في بعض الأحيان يفقد صبره إذا ما شعر بان الأمور بدأت في الخروج من يده، مثلما حدث في المظاهرات الكبيرة نسبيا كتظاهرة الجامعة أو تظاهرة 20 مارس اللتين سبق الإشارة إليهما. كما لجأ النظام للخروج من هذا المأزق إلى اعتماد الآلية القانونية لتحجيم هذه التحركات التي قد تمثل تهديدًا مستقبليًا ومحتملاً على أمن واستقرار النظام. ومن أهم هذه الضربات قضيتا “سلسبيل”و”الاشتراكيين الثوريين”.

فأعادت السلطات طرح قضية سلسبيل بالإعلان عن اكتشف وثائق حول برنامج عمل سري للإخوان، وهو ما نفته الجماعة بشكل قاطع. وردت على هذه المزاعم بأن الهدف كان – من خلال هذا التنظيم الخاص- كان فقط  استخدام شركة سلسبيل للتكنولوجيا لجمع معلومات عن كافة أعضاء الجماعة، وعمل بطاقات خاصة بها بيانات كل فرد من أفراد الجماعة، الأمر الذي تم دون علم مكتب الإرشاد، أو حتى عمر التلمساني مرشد الجماعة في تلك الفترة. كانت الأجهزة الأمنية قد توصلت إلى أن خيرت الشاطر من خلال شركة سلسبيل التي كانت أول وأكبر شركة كمبيوتر تدخل مصر، قد استطاع أن يخترق الأجهزة الأمنية الحساسة ويحصل علي المعلومات الخاصة بها. الأمر الذي كشف – بعد التحريات- عن “خطة التمكين”، أو الخطة التي أعدها التنظيم الخاص بالجماعة للقفز على السلطة في مصر[30].

أما عن قضية الاشتراكيين الثوريين، فقد نسبت نيابة أمن الدولة إلى المتهمين الانتماء إلى جماعة أسست على خلاف أحكام الدستور والقوانين تسمى جماعة الاشتراكيين الثوريين، وتهدف إلى إسقاط نظام الحكم، وإقامة مؤسسات عمالية بدلاً منه، وحيازة منشورات تروج أفكار الجماعة، وبيانات كاذبة عن الأوضاع الداخلية للبلاد من شأنها إضعاف هيبة واعتبار الدولة[31]. وهي التهم التي لم تصمد أمام القضاء فحصل كل المتهمين فيها على البراءة في مارس 2004 لضعف الأدلة المقدمة ولقناعة هيئة المحكمة بوطنية المتهمين كما جاء في حيثيات الحكم الصادر[32].

إن التطورات التي شهدتها هذه الفترة بدت مدهشة لكثير من المتابعين حيث جاءت استجابة للقضايا الإقليمية وليس لمشكلات داخلية، مما أكد الحس القومي لدى الشعب المصري والذي اعتقد الكثيرون أنه تم محوه على مدار السنوات الثلاث والعشرين التي أعقبت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، وكانت المفاجأة الكبرى للمتابعين هي القدرة على ربط القضايا المختلفة الداخلية منها والخارجية، مما جعل هذه الفترة تمثل عودة السياسة للشارع المصري بعد فترة من الركود.

 

المرحلة الثانية: مرحلة الاحتجاج السياسي( كفاية وأخواتها)

في أعقاب الحرب الأمريكية على العراق، وتحت تأثير الضغوط الأمريكية على النظام المصري من أجل الإصلاح وتوسيع هامش الديمقراطية، تحول الزخم والحراك الشعبي الذي ساد الشارع المصري من أجل الاحتجاج على الحرب على العراق إلى المطالبة بالإصلاح الشامل على المستوى الداخلي المصري. ومما ضاعف من حالة الحراك الشعبي آنذاك إعلان الرئيس مبارك عن تعديل المادة 76 من الدستور. وقد تولدت من هذا الحراك عددًا من الحركات الشعبية المطالبة بالتغيير والتي مثلت الإرهاصات الأولى لتلك المرحلة ، ونذكر منها: “حركة 20 مارس”، التي كانت عبارة عن محاولة لتجميع نشطاء اليسار- على اختلاف مشاربهم- وخلق تيار يساري جديد ومتماسك وقادر على التواصل مع الجماهير وإحداث تأثير حقيقي في الشارع المصري؛ و”الحركة الشعبية من أجل التغيير”، والتي بادر بإنشائها أيضًا نشطاء منتمون فكريًا إلى اليسار، وكان الهدف منها أن تكون تجمعًا يضم مختلف القوى السياسية الفاعلة على الساحة المصرية من أجل المطالبة بالديمقراطية والحريات والحقوق الأساسية للمصريين[33].

أما الحركة التي استطاعت إحداث تأثير فعلي على الساحة المصرية، والتي أحدثت حالة من الحراك غير المسبوقة على الساحة المصرية، واستوعبت في طياته معظم الحركات السابقة، بل وامتد تأثيرها ليشمل أيضًا الدول العربية، كانت هي “الحركة المصرية من أجل التغيير”(كفاية).

فعقب الإعلان عن التغيير الوزاري المصري في يوليو2004، صاغ ثلاثمائة من المثقفين المصريين والشخصيات العامة، التي تمثل الطيف السياسي المصري على اختلاف ألوانه، وثيقة تأسيسية تطالب بتغيير سياسي حقيقي في مصر، وبإنهاء الظلم الاقتصادي والفساد في البلاد، وبإنهاء تبعية السياسة الخارجية المصرية.  وعقدت الحركة مؤتمرها التأسيسي في سبتمبر2004، وشهد الشارع المصري أولى مظاهراتها في ديسمبر من نفس العام. وفي غضون شهور قليلة، نمت الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) من تجمع مثقفين إلى أن انتزعت حق التظاهر السلمي ضد النظام القائم، وازداد الموقعون على بيان كفاية ليبلغ الآلاف[34].

 

أولا:- البنية التنظيمية لكفاية:

كانت “كفاية” أقرب إلى مظلة تنسيقية واسعة، تضم تحتها عددًا كبيرًا من الأحزاب والقوى السياسية المصرية التي – من المفترض- تعمل على عدم تجديد ولاية الرئيس مبارك، وعدم توريث ابنه “جمال” الحكم، تحت شعار “لا للتمديد، لا للتوريث”؛ كما تهدف أيضًا لإجراء إصلاح شامل: سياسي واقتصادي ودستوري لإزالة الاستبداد الذي لحقت آثاره بالمجتمع المصري: سواء من خلال إلغاء احتكار السلطة، إلى المطالبة بسيادة القانون والمشروعية واستقلال القضاء، إلى جانب المطالبة بإنهاء احتكار الثروة الذي أدى إلى شيوع الفساد وتفشي البطالة والغلاء[35].

ومن اللافت أن العوامل الدولية والإقليمية تركت علامات بارزة في البيان التأسيسي للحركة، وعلى رأسها الاحتلال الأمريكي للعراق، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث اتفق ناشطو الحركة على اعتبار ذلك الغزو الخارجي على الأمة العربية جزءً لا يتجزأ من النضال من أجل حقوق المواطن المصري، فالنضال الداخلي ضد الاستبداد والفساد والنضال الخارجي ضد الاحتلال اعتبرهما الناشطون عاملين مترابطين، كل منهما سبب ونتيجة للآخر، عل حد تعبير البيان التأسيسي للحركة[36].

أما عن عمل الحركة وأنشطتها داخل المجتمع المصري، وعلاقتها بالقوى السياسية الموجودة على الساحة المصرية، والمندرجة تحت مظلتها تحديدًا، فقد مرت حركتها بمرحلتين أساسيتين، أولهما مرحلة النمو والانتشار، والتي يقدر الكثير من المحللين أنها استمرت منذ نشأة “كفاية” عام 2004 ومرورًا بإقرار التعديلات الدستورية، ثم بدأت خفوتًا ملحوظًا وتراجعًا في أدائها في أعقاب انتهاء الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالتمديد للرئيس الرئيس مبارك للمرة الخامسة.

أما المرحلة الثانية من مراحل عمل الحركة، وهي مرحلة الانحسار والتراجع، فاستمرت منذ انتهاء الانتخابات الرئاسية وحتى اليوم. وبطبيعة الحال، ساد هذه الفترة، كما يحدث لدى عدد من الحركات الاحتجاج السلمي في نطاق النظم السلطوية، التخبط وعدم وضوح الرؤية الإستراتيجية للحركة. كذلك يشير هؤلاء المحللون إلى الخلافات الشديدة والانشقاقات الحادثة داخل الحركة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم حالة التخبط. ولا يجب أن نغفل ها هنا العوامل الخارجة عن سيطرة الحركة، وعلى رأسها الضغوط الأمنية القاسية التي تعرض لها قيادات وناشطو الحركة، بالإضافة إلى الثقافة السياسية ( اللامبالاة السياسية ) والموروثة عن نتاج الممارسات التضييق السياسي عليها[37].

ثانيا:- تفاعل كفاية مع القوى السياسية:

أما عن القوى المشاركة في “كفاية”، فنذكر من البداية أن الحركة المصرية من أجل التغيير كانت – منذ نشأتها- حركة منفتحة على كافة التيارات والقوى السياسية المصرية، فقد تأسست “كفاية” بمبادرة من التيار القومي الناصري، ولكن بمشاركة نشطاء من التيارات السياسية الأخرى: الماركسيين، الإسلاميين، والليبراليين. واستطاعت في أقل من عام جمع أكثر من أربعة آلاف توقيع على بيانها التأسيسي. وكانت ضمن الأحزاب المؤسسة للحركة حزب الكرامة- تحت التأسيس- وحزب الوسط – تحت التأسيس- بالإضافة إلى الحزب الناصري، والوفد، وحزب العمل الإسلامي المجمد.. وعقب نجاح الحركة في إحداث أثر كبير على الساحة المصرية، بل وفي جذب انتباه وسائل الإعلام العالمية والإقليمية إلى وجود قوى داخلية تطالب بالإصلاح السياسي في مصر، بدأت بعض القوى الأخرى تسعى إلى اللحاق بركب الحركة على استحياء، ونذكر من هذه القوى حزب التجمع اليساري، وجماعة الإخوان المسلمين. وهما التياران اللذان تسببا في عدد من المشكلات الداخلية للحركة فيما بعد. فجماعة الإخوان المسلمين، فكانت أزمتها مع “كفاية” واضحة منذ بداية انضمامهم للحركة: فقد كانت الجماعة تتحرك وفقًا لحسابات خاصة بها، فلم تشارك في معظم التظاهرات التي دعت إليها “كفاية”، أيضًا حاولت الجماعة – بشكل ما- سحب البساط من تحت أقدام “كفاية”، بالإعلان عن تأسيس حركة أخرى هي “التحالف الوطني من أجل الإصلاح والتغيير” في يونيو2005، أي في أعقاب إقرار التعديل الدستوري للمادة 76، بهدف رئيس، هو منع الرئيس مبارك من الترشح لولاية رئاسية خامسة، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي، وهو– تقريبًا- نفس ما تناضل “كفاية” من أجله، وضم هذا التحالف حزب العمل، وحركة الاشتراكيين الثوريين، وعددا من الناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وفي الوقت ذاته، حاول التحالف الجديد التودد إلى “كفاية”، بأن أعلنت عن مشاركتها في عدد من التظاهرات التي أعدتها، ودعوتها من أجل الانضمام إلى التحالف الجديد، مع التأكيد على أن التحالف يحترم التنوع السياسي، ويتمسك بأن تحتفظ كل الفصائل المشاركة بمشروعه السياسي. وفي هذا الصدد، ذهب المحللون إلى أن الإخوان يحاولون كسر العزلة الذي يحاول النظام المصري فرضها عليهم من ناحية، اكتساب المزيد من الوزن والشعبية في الشارع المصري على غرار الوزن الذي اكتسبته “كفاية”، بالإضافة إلى الحاجة إلى أن يراهم الغرب كحركة فاعلة على الساحة المصرية، ومتفاعلة مع مختلف التيارات، بما فيها الأحزاب والحركات العلمانية[38]. كذلك، اهتزت الثقة بين “كفاية” والإخوان بصورة أكبر عندما رفضت الجماعة مشاركة الحركة في التظاهرة التي تعد لها هذه الأخيرة بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيسها واعتذار قيادات الجماعة عن حضور اجتماعات “كفاية” في أواخر 2006، والتي تلاها بيوم واحد الإفراج عن القيادي بالجماعة د. عصام العريان. وهو الأمر الذي فسره عدد من المحللين وقيادات “كفاية” بوجود صفقة سرية بين النظام والجماعة.  وهو ما نفاه بشدة أعضاء الجماعة، مبررين مقاطعتهم للحركة بأن لديهم عددًا من “التحفظات” على أدائها، حيث أنها لم تنجح في بلورة أهدافها في إطار مؤسسي واضح المعالم[39].

أما عن حزب العمل الذي كان أعضاءه من نشطاء الحركة البارزين، فقد وصلت العلاقة بينه وبين “كفاية” إلى طريق مسدود على إثر أزمة الحجاب التي أثارتها تصريحات “فاروق حسني” حول الحجاب في أواخر 2006. فقد أعلن عددًا من نشطاء حزب العمل المشاركين في “كفاية” الانسحاب منها بسبب إصدار قيادات “كفاية” بيانًا تدافع فيه عن الوزير ضد مهاجميه، وهو البيان الذي اعتبره النشطاء النقطة الفاصلة التي فجرت كل خلافاتهم مع الحركة، متهمين إياها بـ”الحقد على الإسلام”، ومضيفين إلى ذلك عددا من الانتقادات على أداء الحركة ذاتها مثل إدارة الحركة بشكل غير مؤسسي، واقتصار تمثيل الحركة على وسائل الإعلام والمؤتمرات، وفقدان اتصالها بالشارع أو بالجماهير[40].

أما عن حزب التجمع، فمن الواضح أن أزمات الحزب الداخلية قد تسببت في تعطيل انضمامه لحركة “كفاية” إلى حد كبير، فقد كانت قيادته الحزبية المتمثلة في د. رفعت السعيد من معارضي حركة “كفاية” في بدايتها، على اعتبار أن نشاطها غير مجدٍ، وكذلك استحالة تعاون الحزب مع التيارات الدينية المتواجدة داخل حركة كفاية. وفي هذا الصدد اتضح أن موقف قيادة الحزب تفضل عدم الدخول في مغامرات سياسية من طراز انتقاد الرئيس أو النظام الحاكم، وتوقف عن مشاركة قوى أخرى حتى لا يتعرض للإحراج السياسي. وكان انضمامه لكفاية مبرره النزاع الداخلي في أروقة الحزب بين الجبهة القانعة بنظرية “الأسقف السياسية المنخفضة” للمطالب، والقوى الأخرى “الإصلاحية” التي تطالب بالانفتاح على الشارع المصري بما فيه من قوى سياسية وحركات احتجاجية. ولكن ثارت الخلافات مجددًا بين الحزب والحركة في الفترة ذاتها بسبب تصريحات سلبية من الطرفين تسربت إلى وسائل الإعلام، وهو ما حرصت قيادات “كفاية ” على علاجه فور حدوثه، حيث عاد قيادات “كفاية” إلى التصالح مع قيادات التجمع والتنسيق الموسع بينهما من أجل التغيير.

ثالثا:-  أنشطة كفاية:

   قامت “كفاية” خلال فترة نشاطها بعدد مؤثر من التظاهرات والوقفات الاحتجاجية، نذكر منها: تظاهرة كفاية في ديسمبر 2004 أما دار القضاء العالي بوسط القاهرة، والتي اعتبرها المراقبون التعبير الشعبي المنظم الأول من نوعه ضد النظام الحاكم، بعدما كانت التظاهرات السابقة تكتفي فقط برفع شعارات تتعلق بمناصرة قضايا فلسطين والعراق فقط. تلتها أيضًا تظاهرة أخرى في فبراير 2005 بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في أعقاب إعلان الرئيس  مبارك عن اعتزامه إجراء تعديلات دستورية تتيح للمواطنين المصريين اختيار رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح من خلال انتخابات رئاسية تعددية للمرة الأولى في التاريخ المصري. وكان الهدف الأساسي من هذه التظاهرة هو التنديد بالفساد والاستبداد، المطالبة بإجراء انتخابات رئاسية نزيهة وتعددية، وتعديل الدستور بحيث يسمح لكل رئيس بمدتين رئاسيتين فقط، ورفع المتظاهرون شعارات الحركة الشهيرة “كفاية.. لا للتمديد.. لا للتوريث”.

كما استطاعت الحركة تحقيق إنجازات ربما لم تستطع بعض الأحزاب السياسية الشرعية الموجودة على الساحة تحقيقها، حيث تمكنت “كفاية” من الخروج خارج القاهرة، والدعوة للتظاهر في ثلاث محافظات في مارس 2005، ثم في ثلاث عشرة محافظة في أبريل من العام ذاته.

وربما تركت إحدى التظاهرات التي نظمتها “كفاية” علامة بارزة في تاريخ الحياة السياسية المصرية، وهي تظاهرة يوم 25 مايو2005، يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية. وترجع شهرة تلك التظاهرة ليس فقط بسبب الحجم غير المسبوق للحراك الاجتماعي والسياسي الذي ساد الشارع المصري وقتذاك، ولا بسبب نجاح حركة “كفاية” في خرق “الخطوط الحمراء” أو رفع سقف الاحتجاج السياسي المصري بمعارضة الرئيس ومهاجمة النظام القائم، ولكن أيضًا بسبب الاعتداءات الأمنية شديدة الشرسة على المتظاهرين والصحفيين الذين يغطون التظاهرة، سواء بالضرب أو بالاعتقال، تلك الاعتداءات التي تجاوزت – هي الأخرى- الخطوط الحمراء، لتصل لحد التحرش الجنسي بالسيدات والفتيات المشاركات في التظاهرة،. ومن اللافت أنه في الوقت الذي  ضيق فيه النظام بشكل قاسٍ وخانق على المعارضة، وتحديدا حركة “كفاية”، لم يكتفِ بذلك فقط، وإنما لجأ أيضًا إلى محاولة “استعراض قوة”، أو لجأ إلى محاربة المعارضة بذات السلاح الذي تستخدمه، ففي يوم الاستفتاء خرجت تظاهرة أخرى نظمها الحزب الوطني الحاكم، رافعة شعارات مناوئة مثل “مش كفاية، إحنا معاك للنهاية” (في إشارة إلى الرئيس مبارك)، ولم تتعرض تلك التظاهرة- بالطبع- إلى التضييق الأمني مثل مظاهرات المعارضة[41].

وتلا تلك التظاهرة عدد آخر من المظاهرات، نذكر منها أيضًا الوقفة الاحتجاجية الصامتة أمام ضريح سعد زغلول، والتي أوقد المتظاهرون فيها شموعًا في يونيو2005 للتضامن مع ضحايا التظاهرات السابقة ممن اعتُدي عليهم بالضرب أو الاعتقال أو التحرش. وقد خفت نشاط “كفاية” عقب إقرار التعديلات الدستورية والتمديد للرئيس الرئيس مبارك في 2005 فقد فقدت نتاج ذلك سبب وجودها الرئيسي “raison d’être  “. ولكنها عادت للنشاط نسبيًا مرة أخرى، مع أحداث 6 أبريل2008، والدعوة للإضراب العام الموافق لإضراب عمال غزل المحلة، حيث كانت “كفاية” ضمن القوى الداعية للإضراب[42].

رابعا:- أخوات “كفاية”:

كان ميلاد وانطلاق حركة ” كفاية ” إيذانًا بإعلان متواتر لنشأة عدد كبير من الحركات ” الشقيقة “: بعضها تَخَلّقَ من رحم حــركة ” كفاية “، والبعض الآخر تم بمشاركة من نشطاء الحركة، والبعض الثالث تمتع باستقلالية نسبية – أو كاملة-عنها، لكن كلها عـملت في نفس الاتجاه: تعميق الممارسة الديمقراطية، والعمل على توسيع هامش العمل الشعبي المستقل، مما حدا بالكثيرين لإطلاق اسم “أخوات كفاية” على تلك التحركات. فعلى سبيل المثال تشكلت “حركة استقلال الجامعة – 9 مارس” من مجموعة كبــيرة من الأكاديميين المرموقين في شتى الجامعات المصرية، بهدف التحـــــرك لتحقيق الحرية الأكاديمية، وتخليص الجامعات المصرية من هيمنة الدولة وأجهزة الأمن، وكفالة حرية الفكر والاعتقاد للطلاب والأساتذة، ومحاربة الفساد في المحيط الجامعي. وأُنشئت حركة “عمّال من أجل التغيير” للدفاع عن مصالح الطبقة العاملة، ومواجهة الخطــط التي تدمر المصالح العمالية من وجهة نظرهم، ولحشد الصفوف العمالية في مواجهة السياسات النيوليبرالية الجديدة، والآثار السلبية للخصخصة، التي تتبعها الحكومة المصرية. كما تكونت أيضًا حركة “شباب من أجل التغيير” للعمل وسط الشباب المعارض لرفض حالة الطوارئ، وممارسة القمع، بالإضافة إلى حالة الإقصاء للشباب من  ممارسة العمل السياسي السلمي.

وكانت ضمن الحركات الأخرى التي نشأت حركة ” أطباء بلا حقوق”، والتي تهدف إلى التحرك دفاعًا عن حقوق الأطباء، وفى مواجهة أوضاع مهنة الطب المتدهورة،والأحوال المنهارة للخدمات الصحية المقدمة للمواطنين. وحركة “مهندسون ضد الحراسة، التي تنظم صفوف المهندسين المصريين، بهدف انتزاع نقابتــــهم من قبضة الدولة، التي فرضت عليها “الحراسة “منذ أكثر من اثني عشر عامًا. غير أن أهم الأخوات  على الإطلاق، هي حركة “نادي القضاة” وهو الهيئة التمثيلية الوحيدة للقضاة في مصر المنتخبة من قبل القضاة ذاتهم، وقد تحركت من أجل استقلال القضاء في مصر بعيدًا عن السلطة التنفيذية، كما ناضلوا من أجل توفير رقابة قضائية نزيهة على الانتخابات المصرية بجميع مستوياتها[43].

البيئة المحيطة لم تكن غائبة عن هذه التطورات فمع استمرار أزمات الاقتصاد ذاتها من المرحلة الثانية بل وتعاظمها حيث تزايد عدد العاطلين ليبلغ في بعض التقديرات 24%[44]. ومع اندفاع قطار الخصخصة وما أصاب العمال من جرائه، بدأ شعور أعمق لدى المواطن المصري بغياب أي أمكانية لتحسين الأوضاع الاقتصادية، خاصة مع بروز ظواهر تدل على أن المشكلة في الأساس تكمن في سوء توزيع الدخل، حيث بدأت مشروعات إسكانية وتجارية تتوجه للشريحة الثرية من المجتمع المصري ولاقت رواجا، مما يدل على اتساع الفجوة الطبقية في المجتمع المصري، مما حلق حالة شعور بالإجحاف، خاصة من جانب الطبقة الوسطى ودفعها فئات منها إلى اللحاق بحركة الاحتجاج، التي كان وقودها الأساسي خلال تلك الفترة الطبقة الوسطى المثقفة.

كما تميزت هذه الفترة بازدياد دور لجة السياسات داخل الحزب الوطني، وزادت معها سطوة رجال الأعمال فعين “أحمد عز” رجل العمال المعروف ومحتكر صناعة الحديد في مصر رئيسا للكتلة البرلمانية للحزب الوطني. كما تشكلت حكومة جديدة في 2004 بها 6 من رجال الأعمال. كما تم طرح قضية توريث السلطة لنجل الرئيس بشكل أكثر كثافة خاصة مع سفره أكثر من مرة للولايات المتحدة الأمريكية. واتسمت هذه المرحلة بتسامح أكبر مع حركات المعارضة عن تلك السابقة، لظروف الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2005 لاستكمال الشكل الديمقراطي لهذه الانتخابات. ولم تخرج عن هذا الإطار سوى تظاهرة التعديلات الدستورية التي سبق التحدث عنها. كما أن مساحة الحرية اتسعت على مستوى الفضائيات المصرية وبدأت برامج الحوارات في نقل وتحليل قاضيا لم تكن تتطرق إليها فيما سبق خاصة ما يتعلق بقضايا الفساد أو الديمقراطية.

وفي ذات السياق، برزت الصحف المستقلة الأكثر جرأة في كسر تلك التابوهات أو في اختراق الخطوط الحمراء،  وأصبح في مصر صحافة مستقلة وحزبية لا تتحرج من الانتقاد- الشرس في بعض الأحيان- للمسئولين، وعلى رأسهم- وللمرة الأولى منذ سنوات طوال-رئيس الجمهورية وعائلته. الأمر الذي لم تعرفه الصحافة المصرية قبلاً. وبرزت جرائد مثل العربي الناصري، والدستور المستقلة ذات النقد اللاذع للنظام، والمصري اليوم بمتابعتها لكافة القضايا بشكل حر يتسم بنقد الوضع القائم، وجريدة البديل ذات الطابع اليساري بتحقيقاتها الجريئة التي تمس النظام الحاكم . أعطت هذه الآلة الإعلامية زخما للحركة السياسية في مصر تجاوز أحيانا حجمها الحقيقي في محاولة الإعلام الجديد جذب القراء والمشاهدين من المصادر التقليدية. وهو ما عرف الشارع المصري بهذه الاحتجاجات ودفع ببعض من شرائحه للمشاركة فيها. كما أعطى المحتجين شعورا بأن صوتهم بات مسموعا وأن هناك من يدعمهم أو يقف خلفهم.

ومن الجدير بالذكر أن نقابة الصحفيين قد تحولت إلى منبر لإطلاق تظاهرات “كفاية” وغيرها من الحركات الاحتجاجية، الأمر الذي جعلها تحت حصار شبه دائم من أجهزة الأمن. وعلى جانب آخر، جرت تحركات إدارية داخل الصحف القومية – القريبة من الحكومة- حيث أطاحت تلك التغييرات أو التحركات بمعظم كبار الصحفيين المستقرين على كراسيها منذ وقت طويل، وأتت بوجوه جديدة، ربما لا يتمتع الكثير منها بالمهنية أو الكفاءة، بقدر ما يتمتعون بالقرب من الأجهزة الأمنية أو من لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم.

ويعتبر الكثير من الصحفيين المستقلين أنه إذا كانت تحركات القضاة، وحركة كفاية وغيرها من الحركات الاحتجاجية قد ساهمت في رفع سقف النقاش السياسي على الساحة المصرية، فإن الصحافة المصرية المستقلة تعد صوت هذه الحركات إلى الرأي العام والشارع المصري. ومن الجدير بالذكر أن الصحف الحزبية والمستقلة قد مارست أيضًا نوعًا من الاحتجاج الخاص بها، إلى جانب تغطية التظاهرات التي قامت بها “كفاية” وسواها من الحركات الاحتجاجية، فعلى سبيل المثال، لجأت حوالي 12 صحيفة مستقلة وحزبية إلى الاحتجاب في مايو2007 احتجاجًا على تمرير قانون بالبرلمان يبيح حبس الصحفيين[45].

أما عن الوضع الدولي والإقليمي فقد استمر في تلك الفترة خطاب الإصلاح الداخلي وضرورة “مقرطة” الشرق الأوسط، وطرح مبادرات متعددة لـ”الشراكة مع الشرق الأوسط”، سواء من جانب الولايات المتحدة أو من جانب الاتحاد الأوروبي؛ انطلاقًا من النظرية القائلة بأن النظم الاستبدادية القائمة في الشرق الأوسط مثلت “معملاً لتفريخ الإرهاب”، ومن ثم تصديره إلى الخارج، على غرار ما حدث في 11 سبتمبر. الأمر الذي يتطلب تغيير الأوضاع – أو الأنظمة- في تلك الدول، سواء بالعمليات العسكرية – كما حدث في العراق- أو عبر الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والضغوط الدولية من أجل الديمقراطية، وذلك في حالة النظم “الصديقة” للولايات المتحدة، مثل مصر والسعودية والأردن وسواهم.

أما فيما يتعلق بالقضية المركزية بالنسبة للمنطقة العربية، وهي القضية الفلسطينية، فقد كان من الواضح اختلال موازين القوى بالنسبة للاعبين الأساسيين فيها: الولايات المتحدة تشعر بمأزق تورطها في العراق، وسط معارضة دولية وداخلية لا يُستهان بها، وخاصةً من الرأي العام في الدول العربية؛ الأمر الذي دفعها إلى الخروج بمبادرات للشراكة مع الشرق الأوسط. كما حاولت إدارة “بوش” الخروج من ذلك المأزق أيضًا بدفع عملية السلام، وذلك عبر إصدار “خارطة الطريق”، التي كان من المفترض أن تُمثل خطوة أولية على طريق حل القضية بشكل نهائي.

في الوقت ذاته كانت معظم الأنظمة العربية- وعلى رأسها مصر- مشغولة بملف الإصلاح الداخلي، وبالضغوط الواقعة عليها من أجل توسيع هامش الديمقراطية. الأمر الذي أدى إلى تقديم النظام المصري لتنازلات واضحة للدول الكبرى فيما يخص الملف الفلسطيني: فعلى سبيل المثال، تم الإعلان عن توقيع مصر لاتفاقية “المناطق الصناعية المؤهلة” (الكويز QIZ) أواخر عام 2004. وهذه الاتفاقية تمنح بموجبها الولايات المتحدة ميزة تفضيلية من جانب واحد،  أي تتيح للمنتجات المصنعة داخل هذه المناطق- المحددة بواسطة الحكومة المصرية- التصدير للأسواق الأمريكية دون تعريفات جمركية أو حصص كمية أو سواها من القيود؛ وذلك بشرط احترام شروط قواعد المنشأ المتفق عليها، وهي: تصنيع 35% من قيمة المنتج محليًا، على أن تتضمن 11.7% مكونات إسرائيلية[46].

تلا توقيع اتفاقية الكويز الكشف عن  اتفاقية أخرى ذات طابع تجاري- اقتصادي، تذهب بدورها في طريق التطبيع مع إسرائيل، بحجة المصلحة الاقتصادية المصرية- التي تأتي في الأولوية الأولى-  هي اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل.  وهذه الاتفاقية التي تم توقيعها عام 2005، تقضي بتصدير  1.7 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز الطبيعي المصري إلى إسرائيل لمدة 20 عاما، بثمن يتراوح بين 70 سنتا و1.5 دولار للمتر المكعب بينما يصل سعر التكلفة 2.65 دولار، وتتراوح الأسعار العالمية بين 6 و7 دولارات، وقد أثارت هذه الاتفاقية حملة احتجاجات كبيرة دفعت عددا كبيرا من نواب مجلس الشعب المصري إلى الاحتجاج، وأثارت موجة واسعة من الانتقادات والجدل داخل وخارج البرلمان المصري[47]، وأصبحت قضية منظورة أمام القضاء المصري وأصبحت جلساتها مناسبة لتنشيط دور الحركات المناهضة للتطبيع.

بالعطف على العوامل السابقة، بدأت عدة تغيرات ملحوظة تظهر في الخطاب الرسمي المصري، ربما كان أبرزها تراجع النبرة العروبية من الخطاب الرسمي ، وظهور خطاب “مصر أولاً” بشكل مبالغ فيه أحيانًا. وارتبط ظهور هذا الخطاب أيضًا بظهور عدد من الخطابات التي تذهب في الاتجاه ذاته، ربما بشكل أكثر تطرفًا، من جانب بعض الحركات والقوى السياسية الجديدة محدودة الأثر على الساحة المصرية. ونذكر من هذه القوى “حزب مصر الأم”، أو”حزب مصر الليبرالي الفرعوني”، وهو حزب رفضت لجنة الأحزاب اعتماد تأسيسه بحجة مخالفة المبادئ التي يدعو إليها لمبادئ الدستور المصري[48]، وهو تيار سياسي ظهر على الساحة المصرية بعدما كان متواريًا في الصالونات الثقافية. ويؤكد برنامج الحزب المذكور على العلمانية، وضرورة الفصل بين الدين والدولة، كما يذهب من ناحية أخرى إلى أن الفكر العروبي وانتشاره في مصر كانت آثاره كارثية عليها، ومن ثم ينادي الحزب بإقامة وطن يؤمن بالتعددية والليبرالية، لا يسمح للدين بالتدخل في السياسة، ويكون أساس المواطنة هي القومية المصرية الفرعونية، بالابتعاد عن “مستنقع الانتماء العروبي”[49].

ويصب أيضًا في هذا التيار مجموعة أخرى هي” مصريون ضد التمييز الديني” (مارد)، وإن كانت أطروحات تلك المجموعة تركز بصورة كبيرة على تنمية “الطابع المدني الديمقراطي للدولة المصرية”، ومناهضة ممارسات التمييز الديني بين المواطنين المصريين بكافة الوسائل المتاحة، وتعتمد هذه المجموعة على “الهوية المصرية” كأساس لأطروحتها، وذلك على حساب الهوية العربية، التي تم تهميشها تمامًا؛ باعتبارها قد تسببت في تفشي الفكر الديني على الساحة السياسية المصرية، مدعومًا بأموال النفط القادمة من الخليج العربي، والسبب الرئيس في انتشار وتفشي التمييز الديني بين المواطنين المصريين البسطاء[50].

هذه الوضعية الدولية والإقليمية، دفعت بكافة الحركات الناشئة إلى الإشارة في معظم وثائقها – مثل البيان التأسيسي لحركة كفاية السابق الإشارة إليه- إلى موقفها الرافض للاحتلال الأمريكي للعراق والداعم للشعب الفلسطيني والمناهض للحركة الصهيونية. كما كانت دائمة التأكيد على استقلاليتها عن الخارج وخلافها العميق مع منهج نشر الديمقراطية الغربي، وذلك في مواجهة اتهامات وجهت لها من بعض أنصار النظام بالعمالة والخيانة[51].

خامسا:- التطور التنظيمي للحركة:- عودة النقابات وظهور  التنسيقيات:

اعتمدت تلك الحركات في معظمها شكل التنسيقيات المفتوحة التي ابتكرتها اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة في المرحلة السابقة، إلا أن توسع أعداد المنضمين لبعض هذه الحركات جعلها تشكل سكرتاريات ، مهمتها الأساسية التنسيق والإدارة وليس اتخاذ القرارات. غلب على استراتيجيات الحركات الاحتجاجية لتلك الفترة طابع التظاهر وتنظيم الوقفات الاحتجاجية من أجل المطالبة بالإصلاح والتغيير. ويتضح ذلك أيضًا من خلال أبرز الأنشطة التي قامت بها كفاية، واعتمدت في الحشد السياسي على القوى السياسية المختلفة المنضوية تحت مظلة كفاية، أومن خلال المواقع عدد من المواقع الالكترونية التي تطورت في تلك الفترة، وعلى رأسها موقع كفاية[52]، والذي كان يحوي طائفة من الأخبار المتعلقة بالحركة، بالإضافة إلى التظاهرات التي تنظمها الحركة، كما يحوي مساحة خاصة من أجل النقاش، أو منتدى حول أساليب التغيير أو إلى الموضوعات الأخرى التي يرغب الأعضاء في مناقشتها. كما تطورت أيضًا في تلك الفترة المدونات الالكترونية (blogs)، والتي تمثل مصدرًا مهمًا للمعلومات، حيث كان الناشطون يسجلون على مدوناتهم بشكل حر تمامًا – وبالصور والفيديو أحيانًا- أخبار المظاهرات والوقفات الاحتجاجية، وما يتعرضوا له من انتهاكات أمنية خلالها.

مع مساحة التسامح الأكبر من جانب النظام في تلك الفترة ظهرت عودة بعد التيارات السياسية والحزبية ذات الحسابات إذ اعتبرت ذلك بمثابة تصريح من النظام بالتحرك فعاد إلى الظهور جماعة الأخوان المسلمين وأحزاب التجمع والوفد وانخرطت في العمل مع أو بالتوازي مع الحركات المنتشرة على الساحة، كما تبلورت فكرة التواصل مع حركة مناهضة العولمة ومناهضة الحرب من خلال مؤتمر القاهرة. كانت فكرة عقد مؤتمر القاهرة قد طرحت بين تيارات سياسية مختلفة في عام 2002، أثناء الاستعداد للحرب على العراق. ففي تلك الفترة، رأت القوى المناهضة للحرب من تيارات مختلفة أهمية عقد مؤتمر يواجه احتمالات الحرب القادمة. وعقد المؤتمر في ديسمبر ،2002 وصدر عنه إعلان القاهرة الذي طالب بمنع الحرب، وأكد على ضرورة القيام بحشد عالمي في مواجهتها. وهو ما تم تنفيذه في فبراير 2003، حينما سُيرت التظاهرات التي تضم مئات الآلاف ـ والملايين في بعض الحالات كما حصل في بريطانيا ـ من مناهضي الحرب في العديد من مدن وعواصم العالم.

غير أنه عقب فشل الحركة المناهضة للعولمة في منع الحرب، عقدت مؤتمر القاهرة الثاني في ديسمبر 2003، والذي صدر عنه إعلان القاهرة الثاني. وخلاله، تم تطوير المؤتمر وتوسيع نطاق القضايا المطروحة. ونتيجة مشاورات بين أطراف سياسية وتيارات مختلفة داخل مصر وخارجها في العالم العربي وحركة ضد الحرب ومناهضة العولمة، تم الاتفاق على دورية عقد المؤتمر وتحويله إلى ما يشبه المنتدى الاجتماعي.  وعقد المؤتمر في مارس 2005، وأصبح بعد ذلك ينعقد في نهاية مارس من كل عام.

وتم تبني قضايا أكثر اتساعا تتعلق بالوضع في فلسطين والحرب على لبنان، والتهديدات ضد سوريا وإيران. إضافة إلى ذلك تناول المؤتمر قضايا الحريات بشكل عام، مثل التعذيب ومناهضة التمييز الديني والمرأة. ومنذ ذلك العام، وإزاء صعود الحركة الجماهيرية أصبح يعقد على هامش المؤتمر، منتدى القاهرة، الذي يأتيه ممثلون عن العمال والفلاحين ومن يشاركون في الاحتجاجات الاجتماعية، بهدف التفاعل ونقل الخبرات، والتفكير في سبل دفع الحركة الاحتجاجية للأمام. من ناحية أخرى، يتضمن المؤتمر معارض وعروض سينمائية وفنية تتحدث عن فكرة المقاومة بمعناها الواسع[53].

تعتبر هذه المرحلة والممتدة من بعد الحرب على العراق 2003 وحتى انتهاء الانتخابات الرئاسية نهاية 2006 ، بداية عصر الاحتجاج الجماهيري واسع النطاق الذي مثّل ظاهرة جديدة على المجتمع المصري بكل المقاييس. حيث تميزت تلك الفترة باتساع نسبي في مساحة الممارسة الديمقراطية، حيث أن “كفاية” وغيرها من حركات الاحتجاج التي ظهرت في تلك الفترة  تمكنت من كسر ثقافة “الخوف” والسلبية التي سادت طوال الفترات السابقة، ونشرت في مقابلها ثقافة “انتزاع الحقوق” والتظاهر والاحتجاج. كما تمكنت أيضا من رفع السقف السياسي للمطالب الإصلاحية، بل وكسر “التابوهات”  التقليدية. كما أتاحت فرصة ذهبية لتطوير المنهج الحقوقي، وترك مساحة واسعة لحركات حقوق الإنسان – سواء المحلية أو الدولية- للتشبيك والعمل المشترك داخل مصر. بالإضافة إلى ظهور مساحة واسعة من حرية التعبير من خلال الفضائيات، والصحف المستقلة، والمواقع الإلكترونية التفاعلية، والمدونات.

 

المرحلة الثالثة: مرحلة الاحتجاجات الاجتماعية:

تبدأ هذه المرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية في العام 2006 ، حيث تم التجديد للرئيس مبارك واعتبر الكثيرون ذلك فشلا للحركات التي نشأت لمقاومة ذلك، مما أدى على انحسار حركة كفاية وتركيز أخواتها على المطالب الفئوية الخاصة بها. ورغم خفوت وانحسار حالة الحراك السياسي المصاحب لـ”كفاية”، فقد نجحت هذه الأخيرة في خلق ما أطلق عليه بعض المحللون “ثقافة الاحتجاج”، أو”ثقافة انتزاع الحقوق”. وتمثل هذا في الارتفاع غير المسبوق للاحتجاجات والإضرابات العمالية/ المهنية التي شهدتها مصر منذ العام 2006 وحتى الآن.

تزايدت ظاهرة الاحتجاج الاجتماعي في الفترات الأخيرة، فعدد الاحتجاجات المسجلة عام  2005 حوالي 202 ؛ ارتفع عام 2006 ليصبح 266، أما عام 2007 فقد قفز هذا الرقم ليتجاوز 614 احتجاجًا، وفقًا للإحصاءات التي أجراها “مركز الأرض”[54]. أما عن عام 2008، فقد سجل في شهر فبراير أعلى معدلاته، حوالي 62 احتجاجًا  في قطاعات مختلفة[55]، وارتفع هذا الرقم على مدار العام إلى ما يقرب عن 609 احتجاجات بين فئات وقطاعات مختلفة من العمال، والتقديرات الحالية لعدد عام 2009 يتعدى الــ 650 احتجاج[56].

كانت الاحتجاجات – في مجملها- احتجاجات مطلبية أو فئوية، ذات أبعاد اقتصادية- اجتماعية في المقام الأول، وذات ارتباط مباشر بالحياة اليومية للمواطن العادي، وربما كانت بعيدة عن المطالب السياسية المباشرة التي سبق لحركات مثل “كفاية” وأخواتها طرحها. وربما انعكس ذلك أيضا على التعامل الأمني والحكومي معها، فقد كان واضحًا أن حجم التضييق الأمني – في أغلب الحالات- على المضربين أو المعتصمين من أصحاب المطالب الاقتصادية والاجتماعية يكون أخف وطأة من ذلك الواقع على ناشطي “كفاية” وأخواتها.

أولا:- من الاحتجاجات العفوية إلى الاحتجاجات الفئوية:

بدأت هذه المرحلة بأشكال من الاحتجاج الشعبية حول قضايا معينة، مثل نقص المياه أو الخبز أو حوادث الطرق السريعة، واتخذت أحيانا أشكالا عنيفة مثل قطع الطرق، إلا أنها ما لبثت أن تطورت إلى احتجاجات مطلبية وفئوية. واتسمت تلك الموجة الواسعة من الاحتجاجات بالطابع المطلبي، فقد تركزت المطالب على زيادة الرواتب والأجور، المطالبة بالتعيينات، أو بالتأمينات الاجتماعية، وأحيانًا تحسين الخدمات العامة أو مناهضة الفساد الإداري والمالي؛ ولم تكن هناك مطالب ذات طابع “سياسي” بمعنى المطالبة بالديمقراطية مثلاً أو إلغاء قانون الطوارئ … الخ

ومن الملاحظ من خلال الإحصاءات المتوافرة لدينا أن احتجاجات العاملين بالهيئات الحكومية احتلت نصيب الأسد من الحجم الإجمالي للتظاهرات، تلتها احتجاجات العاملين بقطاع الأعمال العام. بلغت احتجاجات العاملين بالهيئات الحكومية حوالي 267 احتجاجًا، فيما بلغت احتجاجات القطاع الخاص 235، وقطاع الأعمال العام حوالي 107 احتجاجات لعام 2008.

من اللافت للنظر أن جميع القوى المشاركة في الإضرابات أو الاحتجاجات العمالية كانت بعيدة كل البعد عن الأطر الحزبية التقليدية، كما كانت بعيدة عن الجماعات السياسية كالإخوان المسلمين وسواهم، وأيضًا لم تكن منضوية تحت مظلة التنظيمات النقابية الرسمية أو حتى الحركات الاحتجاجية الجديدة – من أمثال “كفاية”- بل كانت مستقلة بشكل شبه تام، وخارجة مباشرة من رحم حالة السخط العمالي والمهني على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية القائمة.

ثانيا:- انتشار الاحتجاجات بين قطاعات جديدة وغير مألوفة في المجتمع المصري:

لعل من أبرز أمثلة الحركات الاحتجاجية العمالية في مصر في الفترة الأخيرة سلسلة الإضرابات والاعتصامات التي قام بها موظفو الضرائب العقارية، والتي بدأت في أواخر عام 2007. ففي ظل الازدياد غير المسبوق لمستوى الأسعار الذي تشهده البلاد مؤخرًا، بدأ موظفو الضرائب العقارية المطالبة بمساواتهم بأقرانهم العاملين في مصلحة الضرائب العامة المصرية من التابعين مباشرةً لوزارة المالية، والذين يحصلون على رواتب ومكافآت أكبر. وهذه الحركة مثلت نموذجًا جديراَ بالدراسة: فمن ناحية، كانت قيادة الإضراب خارجة مباشرةً من العمال، تعبر عن مصالحهم. ورغم انتماء بعض قيادات الإضراب لبعض القوى السياسية أو الحزبية، إلا أنهم رفضوا تمامًا أي محاولة من الأحزاب أو القوى السياسية الموجودة على الساحة تبني الإضراب، حتى لا يتم تسييسه، وإهدار حقوق العمال المشروعة بسبب ذلك.

ومن ناحية أخرى، كشفت إضرابات الموظفين بالضرائب العقارية عن ترهل وتراخي التنظيمات النقابية الرسمية- المتمثلة في اتحاد العمال العام-، وعجزها عن تبني المطالب العمالية المشروعة، بل وانحيازها- في أغلب الأحيان- إلى الموقف الحكومي. الأمر الذي دفع موظفي الضرائب العقارية- بعد نجاح الإضراب في تحقيق أهدافه بإعادة حقوق العمال المالية المهدرة- إلى تأسيس نقابتهم المستقلة عن التنظيم النقابي الرسمي لأول مرة منذ أعوام طويلة؛ الأمر الذي اعتبره المحللون نقلة نوعية في سياق الحركات الاحتجاجية في مصر.

كما شهدت تلك الفترة أيضًا انتشار الاحتجاجات بين قطاعات جديدة وغير مألوفة في المجتمع المصري، مثل سائقي المقطورات، أو الصيادلة والأطباء، وخبراء وزارة العدل، والمعلمين، والإعلاميين. وهي قطاعات لم تشهد – تاريخيًا- سوابق في تنظيم إضرابات أو احتجاجات عمالية. وفيما يلي نعرض نماذج لأهم هذه الاحتجاجات، وأهم مطالبها.

ففي القطاع الصناعي على سبيل المثال، يذكر عدد من المحللين أن الاحتجاجات العمالية بالقطاع الصناعي كانت بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت الإضرابات في باقي القطاعات، وفي مقدمة هذه الاحتجاجات نذكر إضراب عمال غزل المحلة، الذي أحدث جدلاً واسعًا في أوساط المثقفين والناشطين المصريين والعرب، بإعلانهم إضراب 6 أبريل 2007. فقد استوحى المحتجون في مواقع العمل الصناعية تجربة عمال غزل المحلة وطالبوا عن طريق احتجاجات متلاحقة تحقيق مكاسب مثل التي حققها زملائهم في غزل المحلة، ومنهم العمال بمصنع السجاد التابع لشركة غزل المحلة، وشركة دمياط للغزل والنسيج، وشركة “النصر” للغزل والنسيج وشركة “الإسكندرية” للغزل والنسيج وغيرهم الكثير من الشركات والمصانع… والتي تنوعت احتجاجاتها بين الإضراب عن العمل والتجمهر، مطالبين رئيس الوزراء بالمساواة بينهم وبين زملائهم في شركة “غزل المحلة” من ناحية زيادة البدلات المخصصة، ورفع قيمة المكافآت المصروفة لهم، بالإضافة إلى مطالب أخرى مماثلة تصب جميعًا في مجرى زيادة الأجور.

وكان من الإضرابات البارزة أيضًا إضراب عمال المطاحن، الذين انتقلوا من المطالبة بعدم خفض حصة الطحين المدعوم من الدولة، والمخصص للمخابز في مارس وإبريل 2007 حتى لا تنخفض حوافزهم، إلى المطالبة برفع الحوافز والأرباح في أكتوبر من العام ذاته[57] .

أما عن القطاع الصحي، فقد شهد عاما 2008 و2009 أحد أنجح الاحتجاجات على الساحة المصرية، فقد وجد الأطباء والصيادلة وغيرهم من العاملين بهذا القطاع أن الاحتجاج وسيلة فعالة للحصول على مطالبهم المشروعة، رغم التحفظات التي أطلقها البعض على أي نشاط احتجاجي أو إضراب في القطاع الصحي بدعوى تأثيراته المحتملة على حياة المرضى. فقد اتسعت الاحتجاجات المطلبية في القطاع الصحي وتزايدت حتى وصلت ذروتها في الإضراب الشامل الذي نفذه الصيادلة في فبراير 2009. وهذا الأخير قد نفذه الصيادلة احتجاجًا على إلغاء قرار وزير المالية الصادر في عام 2005 بالتعامل مع الصيدليات باعتبارها مشروعات صغيرة – غير ملزمة بتسليم ملفات ضريبية تفصيلية- وقد ألغت وزارة المالية هذه الاتفاقية دون الرجوع لنقابة الصيادلة، الأمر الذي يحدث ضررًا ماليًا كبيرًا على الصيدليات. وقد أغلقت الصيدليات في جميع محافظات الجمهورية تنفيذًا لقرار الإضراب بنسبة وصلت في بعض التقديرات إلى 90%، وإن كانت قد حددت ساعات معينة للإضراب حرصًا على صحة المرضى. وكان التجاوب مع الإضراب أوسع وأشمل من التجاوب مع دعوات الاعتصام بالنقابة العامة والنقابات الفرعية[58].

وقد نجح الصيادلة في كسب تعاطف دوائر صنع القرار، حيث أبدى وزير الصحة تفهمه لمطالبهم المشروعة، كما تضامن معهم عدد من النواب وحمّلوا رئيس مصلحة الضرائب مسئولية الأزمة[59]. وقد تم تعليق الإضراب الذي كان من المقرر ترك مفتوحًا لحين استجابة وزارة المالية إلى مطالب الصيادلة بمجرد عقد المفاوضات بين النقابة ووزارة المالية، في حين انتهت الأزمة إلى موافقة الوزارة على معاملة السنوات من 2005 و2008 على ذات الأسس التي قدم بها الصيادلة إقراراتهم الضريبية، على أن يتم الاتفاق بين الصيادلة ووزارة المالية عن ضرائب السنوات القادمة[60].

أما الأطباء، فقد نظموا بدورهم سلسلة من الاحتجاجات المؤثرة للمطالبة بكادر خاص بهم، ولزيادة الحد الأدنى لأجورهم. حيث قررت الجمعية العمومية للأطباء، إغلاق العيادات يوم 9  أبريل 2009 احتجاجًا علي تدني أجور الأطباء. سجل التجاوب الأكبر في إغلاق العيادات بالمحافظات أكثر مما سجل في القاهرة الكبرى[61].

أما عن القطاع التعليمي، فقد نجح العاملون فيه في إثبات وجودهم على الساحة لتحقيق مطالبهم، فقد كانت بداية الخيط مع إضرابات معلمي المعاهد الأزهرية في صيف 2007 للمطالبة بضمهم إلى كادر المعلمين، وبعدها انفرطت مسبحة الاحتجاجات في القطاع التعليمي. ومن اللافت أن أغلب الاحتجاجات في هذا القطاع كانت متعلقة باختبارات كادر المعلمين، التي أقرتها وزارة التربية والتعليم مؤخرًا كشرط للترقيات وزيادة رواتب المعلمين، وأثارت جدلاً واسعًا ومعارضة شديدة في أوساط العاملين بالقطاع التعليمي المصري، معتبرين أنها حالة من التحايل على حق المعلم في زيادة مستحقاته المالية أسوة بالعاملين في المهن الأخرى.

وفي هذا السياق، ظهرت حركة “معلمون بلا نقابة” و”شبكة معلمي مصر”، اللتان نظمتا عدة وقفات احتجاجية ضد هذه القرارات، سواء أمام مبنى نقابة المعلمين أو أمام وزارة التربية والتعليم، طالبت خلالها باستقالة الوزير.

في السياق ذاته، ظهرت شريحة جديدة مطالبة بحقوقها الاقتصادية والاجتماعية المهدرة عبر أساليب الاحتجاج المختلفة، وهي شريحة الإداريين بوزارة التربية والتعليم. وأيضًا كانت اختبارات الكادر هي المحرك الأساسي للاحتجاج،  حيث تجمهر أكثر من 8 آلاف أمين معمل وفني [62] وهددوا بالإضراب عن العمل في حالة عدم قيام مسئولي وزارة التربية والتعليم بإدراجهم في مشروع الكادر الخاص بالمعلمين في فبراير ومارس وأبريل 2008. وعادوا لأخذ خطوة أكثر إيجابية على طريق احتجاجهم، حيث نظموا إضرابًا واسع النطاق امتد لعدة محافظات استجابة لدعوة لجنة الدفاع عن حقوق العاملين بالتعليم، وذلك للمطالبة بالاستفادة من كادر المعلمين أو صرف حافز إثابة بنسبة 50 %. حيث طالبوا بعدم التفرقة بين المدرسين والإداريين في الأمور المالية، كما هدد بعضهم بتعطيل أداء المدرسين وأعمال المدارس في الإدارات احتجاجا على عدم المساواة[63]. وجدد الإداريون نشاطهم الاحتجاجي خلال أبريل 2009، حيث أعلنوا عن مشاركتهم في إضراب 6 أبريل. كما قرروا بعد فشل كافة المفاوضات بين حركة الدفاع عن إداريي التربية والتعليم ونقابة العاملين بالتربية والتعليم والبحث العلمي وبين وزارة التربية والتعليم[64].

وفي سياق مماثل، نجح الأمن في إجهاض إضراب شامل، كان من المقرر أن يقوم به موظفو البريد في كل المحافظات، حيث عمم الأمن على كافة الإدارات بالمحافظات ما يُفيد بأن من سيتغيب أو يضرب عن العمل، سيعرض للاعتقال والمساءلة القانونية.غير أن موظفي البريد من أصحاب الدعوة إلى الإضراب نجحوا في تنفيذ إضراب جزئي، حيث أضرب بها ما يزيد على ٨٠٠ من الموظفين والعاملين، عن العمل أربع ساعات عادوا بعدها للعمل حتى لا يتأثر صرف المعاشات لكبار السن[65].

نموذج آخر مثير للانتباه هو نموذج سائقي الشاحنات أو المقطورات، فقد قام عدد من أصحاب وسائقي السيارات النقل ذات المقطورات في فبراير 2009  بتنظيم وقفات احتجاجية على الطرق السريعة. وذلك اعتراضًا على قرار إلغاء سير السيارات “المقطورة” ابتداء من يناير 2011. وكان مجلس الشعب قد أقر قانونًا في شهر يوليو2008 ينص على إلغاء المقطورات بعد أن أثبتت الدراسات والإحصائيات مسؤوليتها عن معظم الحوادث التي تقع على الطرق السريعة. وقد منح القانون أصحاب المقطورات 4 سنوات مهلة لتوفيق أوضاعهم، لكن في يناير 2009، تقدم عدد من أعضاء مجلس الشعب بطلب لتخفيض هذه المهلة مع تصاعد حوادث المقطورات، ووافق مجلس الشعب على تخفيض المهلة إلى سنتين فقط، مما أثار غضب أصحاب المقطورات وقرروا تنظيم عدة وقفات احتجاجية[66].

ثالثا:- تأثير التطورات الاقتصادية و السياسية على الحركة:

كما في المرحلتين السابقتين، كانت التطورات الاقتصادية والسياسية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي محل تأثير في حركات الاحتجاج فعلى المستوى الاقتصادي شهدت هذه الفترة في ظل ما أطلق عليه- حكومة رجال الأعمال ارتفاع مستوى النمو الاقتصادي إلى مستوى مقبول، من 3 أو4% إلى ما يزيد عن 7%، كما تحقق فائض كبير في احتياطي النقد الأجنبي، واستقر سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار، وغير ذلك هناك عدد من المؤشرات الأخرى التي تثبت “تحسن” أوضاع الاقتصاد المصري . إلا أن جانبا كبيرا من المحللين، والذي يرى أن وجود رجال الأعمال في الحكومة يمثل مشكلة حقيقية، فيذهبون إلى أن هذا التقدم في مستويات النمو الاقتصادي لم تحسن من الواضع الاقتصادي أو الاجتماعي للفئات العريضة من الشعب المصري إذا لم تكن أولاً مبنية على الإنتاج الذي يعظم هذا النمو، وظلت معدلات البطالة مرتفعة، وازدادت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إلى ما يقرب من 40%[67].  كما شهدت ذات الفترة الزيادة المطردة في معدل التضخم، ليعود للرقم 20% في منتصف العام 2008[68]. مما أدى إلى انخفاض دخل الـ 20% الأكثر فقرا بنسبة 16.4 % ليصل على 1222 جم سنويا (حوالي 102 جم شهريا) بل انخفض كذلك دخل شريحة ال20% التي  يطلق عليها “قريبو الفقر” من 1854 جم سنويا إلى 1592 جم سنويا (حوالي 133 جم شهريا)، مما يدل على أن رجال الأعمال يديرون الوزارات بنفس العقلية التي يديرون بها شركاتهم، فلا يهدفون إلا إلى تحقيق الربح فقط، دون الالتفات إلى الأبعاد الاجتماعية من وراء ذلك. الأمر الذي تسبب في زيادة الممارسات الاحتكارية داخل السوق المصرية. فأصبحت النتيجة -كما أسلفنا- هي أن الغني يزداد غنى، والفقير يزداد فقرًا[69]. ومن أهم الأمثلة التي يؤسسون عليها هذه الدعاوى، انطلاق قطار عملية الخصخصة بصورة غير مسبوقة، من خلال برنامج إدارة الأصول والاستثمارات المملوكة للدولة، والتي بدأت وزارة الاستثمار في تطبيقه عام 2004[70]. فالحكومة تعتبرها قمة الإنجاز بينما يعاني من آثارها العمال والموظفون في المصانع والهيئات الخاضعة لهذا البرنامج. وهو ما قاد طبقات جديدة للولوج إلى حركة الاحتجاج، وهي الطبقة العمالية والفئات المهمشة في المجتمع المصري.

          ويمكن أن نضيف إلى العوامل السابقة آثار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، التي أفضت إلى تزايد الغضب العمالي، بعد قيام العديد من الشركات في المدن الصناعية الجديدة إلى تقليص حجم العمال، والتعدي على أجورهم مستحقاتهم المالية، بحجة التغلب على آثار الأزمة، خاصة في القطاعات التي أثرت الأزمة عليها بالسلب مباشرة مثل الحديد أو الأسمدة. كما تعاملت الحكومة المصرية مع الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية بمنطق التجاهل، حيث صرح مسئولوها مع بداية الأزمة بعدم تأثر الاقتصاد المصري أو أوضاع العمال؛ ثم سرعان ما تغير هذا الخطاب بالاعتراف بالأزمة وبآثارها السلبية، وإن كان التعامل معها لم يتعد ردود الأفعال الجزئية والمؤقتة معها[71] .

وسط هذا المشهد، عاد إلى الأفق مشهد الصراع المحتدم داخل النخبة الحاكمة، وإن كان مكتومًا تنكره أطرافه علانيةً. تتابعت مشاهد ذلك الصراع في عدة صور، منها على سبيل المثال الهجوم المستمر في وسائل الإعلام- عبر تسريبات من داخل أروقة النظام ذاته- على رموز داخل الحزب الحاكم أبرزهم “أحمد عز”، أحد أقطاب الحزب الوطني ورئيس كتلته البرلمانية، وقبل هذا وذاك محتكر صناعة الحديد في مصر. كما كان هذا الصراع محركا لمعارك شرسة على مستوى المجتمع من أمثلتها قضية عمر أفندي وقضية مصنع أجريوم. “عمر أفندي” هو سلسلة من متاجر القطاع العام، ظلت -على مدار سنوات طوال- ملجأ للطبقات الشعبية، للحصول على احتياجاتها من ملبس وأدوات منزلية وخلافه. وفجأة، خرجت الحكومة بقرار لخصخصتها،  شكلت لجنة لتقدير قيمة هذه السلسلة الضخمة من المتاجر. إلا أن أحد أعضاء لجنة التقييم – وهو ضابط سابق في أحد أجهزة الأمن القومي- سرب معلومات بأن اللجنة تلاعبت في تقدير قيمة سلسلة المتجر لبيعها بأبخس الأسعار لصالح رجال أعمال معينين؛ الأمر الذي أكده لاحقًا خبراء اقتصاديون مستقلون، حيث أصدروا تقارير تفيد بأن القيمة التي قدرتها اللجنة الحكومية لهذه المتاجر لا تتجاوز في حقيقة الأمر قيمة مساحة الأرض التي يشغلها خمسة من فروعه التي تتجاوز السبعين فرعًا في مختلف المحافظات! أما عن “أجريوم” وهو مصنع للأسمنت تابع لشركة كندية، تقرر بناؤه في محافظة دمياط في شمال مصر، وفجر ذلك صراعًا بين مواطني المحافظة والسلطات حول الأضرار البيئية الجسيمة لهذا المصنع على المدينة والميناء الموجودة بها والتداعيات الاقتصادية لذلك. وشهدت المدينة مسيرات وتظاهرات واعتصامات بالجملة حتى تم نقل المشروع؛ وفي هذا الإطار، وجدنا أطرافًا بارزة تشارك في الحملة مع سكان المدينة، منهم المحافظ ذاته – وهو كذلك ضابط سابق-. وكل ما سبق ليس إلا أمثلة على أحداث أصبحت تشهدها مصر بشكل متكرر،  ولا يمكن تفسيرها إلا بوجود صراع حاد داخل النخبة. استفادت منه الحركات الاحتجاجية، حيث كان يصعب على أي جناح فقدان الشرعية بمعاداة تحركات مطلبية، بل ذهب الكثير من أعضاء الحزب الحاكم والحكومة إلى إعلان التعاطف مع بعض الفئات التي شاركت في هذه الموجة الاحتجاجية[72].

وإن كانت هذه الفترة قد شهدت تسامحا نسبيا مع الحركات الاحتجاجية المطلبية، إلا أنها شهدت تراجعا ملحوظا في هامش الديمقراطية الخاصة بعمل السياسي وحرية التعبير. حيث تم تصفية الحسابات مع من رشحوا أنفسهم في مواجهة الرئيس في انتخابات العام 2005. فتم سجن أيمن نور بتهمة جنائية ، وتم عبر انشقاق حزبي عزل نعمان جمعة من حزب الوفد. كما بدأت حملات على الصحفيين الذين تجاوزوا الخطوط الحمراء في المرحلة السابقة حيث قدم خلال هذه الفترة 5 رؤساء تحرير للمحاكمة بلغت حد الحكم على إبراهيم عيسى رئيس تحرير الدستور بالحبس، إلا أنه نال عفوا رئاسيا في محاولة لإثبات سعة صدر الرئيس المصري.

أما أكبر التطورات الخارجية المؤثرة على الوضع الداخلي المصري، والتي توضح تطورات السياسة الخارجية المصرية الرسمية، ومدى انفصالها عن الموقف الشعبي المصري، هي الموقف الرسمي في الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف 2006، أو”حرب تموز”، إذ جاء رد الفعل المصري معبرًا عن سياستها كدولة في محور “الاعتدال”، فهاجم المسئولون المصريون حزب الله، وحملوه مسئولية الحرب بشكل كامل، باعتبار أن ما قام به حزب الله من خطف الجنود الإسرائيليين كان “مغامرة عسكرية وسياسية غير محسوبة”[73]. وقد جاء هذا الموقف الرسمي المصري متعارضًا مع الموقف الشعبي المصري، فقد خرجت في مصر مظاهرات كبيرة منددة بالاحتلال الإسرائيلي، ومؤيدة لحزب الله ولزعيمه السيد “حسن نصر الله”[74].

وخلال فترة الحرب على غزة، كان واضحًا بشكل سافر تراجع الخطاب العروبي لدى النظام المصري، ومساهمة مصر في الحصار على غزة بإغلاق معبر رفح، رغم أن مصر ملتزمة بفتحه وفق اتفاق التهدئة، مثلما تلتزم إسرائيل بفتح معابرها هي الأخرى. وقد ضيقت الحكومة المصرية على محاولات الحملة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني التي عادت للعمل في ظل هذه الحرب لتقديم المعونة للشعب الفلسطيني[75].

فيما يتعلق بالتطور الاجتماعي للحركات الاحتجاجية في مصر، ففي تلك المرحلة، كان من الملاحظ تزايد الاهتمام بالاحتجاجات والغضب العمالي من قبل الصحف المستقلة، وبعض الفضائيات ومواقع الانترنت، ومن أهمها المدونات blogs والتي كان بعض قيادات الحركة العمالية يدونون بها بأنفسهم. وساهم أيضًا في رفع الوعي العام بقضايا الاحتجاجات ظهور مؤسسات مجتمع مدني تقوم برصد الاحتجاجات والإضرابات بشكل دوري كمثال المرصد العمالي، والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومركز الأرض، ومركز الدراسات الاشتراكية، ومركز آفاق اشتراكية، وغيرها[76]….

رابعا:-التطور التنظيمي للحركة في ظل غياب الأطر و القوى السياسية:

تميز الشكل التنظيمي في هذه الموجة الاحتجاجية المتصاعدة بتكوين تشكيلات مختلفة مصاحبة للاحتجاج، ربما تكون منظمة للإضراب أو للتحرك العمالي، أو للتفاوض مع الجهات الأمنية أو المسئولين السياسيين لحل الأزمة وتقديم المطالب. وكانت هذه التشكيلات- في معظم الأحوال- بعيدة عن التنظيمات النقابية الرسمية، بل كانت خارجة مباشرة من رحم حالة السخط العمالي.

وربما كان المثال الأبلغ على ذلك هو حالة الضرائب العقارية، التي قام موظفوها باختيار قياداتهم بأنفسهم بعيدًا عن التنظيم النقابي الرسمي، الذي أثبت فشله في الدفاع عن حقوقهم، بل على العكس كان يعرقلها، مشكلين ما أسموه بـ”اللجنة العليا للإضراب”، بالإضافة إلى تشكيل لجان لتنظيم وتنسيق الإضراب بالمحافظات المختلفة. وهي التي تولت تنظيم التحركات العمالية وتقديم مطالب العمال وعرض قضيتهم على المسئولين حتى تمكنوا من استرداد مستحقاتهم المادية وتنفيذ مطالبهم.

ومن اللافت أن فكرة خلق نقابة مستقلة لم تكن متبلورة في ذهن القيادات العمالية المنظمة للإضراب في بدايته؛ بل ما حدث هو أن الفكرة كانت موجودة في الخلفية الذهنية لدى بعضهم من خلال تجاربهم في العمل العام. وفي أول اجتماع للجنة العليا للإضراب عقب انتهائه، تم طرح قضية مستقبل اللجنة، وهل من الأفضل إلغاؤها تمامًا أم تطويرها ؟ ومن خلال المداولات بدا أن الأغلبية تميل إلى الرأي القائل بتحويل اللجنة العليا للإضراب لقيادة النقابة العامة للعاملين بالضرائب العقارية[77].

كما تشير إلى وجود حس تنظيمي لا بأس به لدى شرائح واسعة من المشتركين في الحركات الاحتجاجية في مواجهة الأزمات المشتركة، حتى وإن لم تكن لديهم سوابق في تنظيم إضرابات في فترات تاريخية سابقة. فعلى سبيل المثال، نلاحظ شريحة مثل مالكي وسائقي المقطورات، التي قامت بإضراب مؤثر رغم أنها لم تكن لها خبرة سابقة في ذلك، كما أن طبيعة عمل سائقي الشاحنات تجعل من إمكانية تنظيمهم واتفاقهم على مطالب موحدة أمرًا غير متوقع وغير مألوف.

كذلك، قطاعات مثل الموظفين والإداريين التي ليست لها تقريبًا أية سوابق تاريخية في تنظيم احتجاجات ضد قرارات حكومية. ولكن في بعض الحالات الأخرى، لعبت التنظيمات النقابية الموجودة دورًا لا بأس به في دعم الاحتجاجات، ومن أمثلتها على سبيل المثال نقابة الصيادلة أو نقابة الصحفيين، الأمر الذي يمكن تفسيره بتراخي قبضة الدولة نسبيًا عن مثل هذه النقابات، الأمر الذي يجعلها أكثر قدرة على الدفاع عن مصالح المنتمين إليها.

تراوحت الاستراتيجيات التي استخدمها العمال في الاحتجاجات بين التجمهر والاعتصام والإضراب: فعلى سبيل المثال، في عام 2008، بلغ التجمهر 253 حالة والاعتصام 174 والإضراب 122 والتظاهر 60 حالة [78]. وفي بعض الحالات كان بعض العمال المضربين- في حالة تلكؤ الحكومة في تنفيذ مطالبهم- يهددون بإجراءات تصعيديه مثل الإضراب عن الطعام[79].

  وفي العام 2009، نرى أن حالات التظاهر والوقفات الاحتجاجية بلغت نسبتها 28.1% من مجمل الحالات التي تم رصدها، تلاها الاعتصام بنسبة 26.8%، ثم الإضراب عن العمل بنسبة 20.7%، فالتهديد بالاعتصام أو الإضراب بنسبة 15.8%، و الشكاوى 5.2%، بالإضافة إلى نسب ضئيلة أخرى لإجراءات أخرى مثل الإضراب عن الطعام وجمع التوقيعات وقطع الطريق واحتجاز صاحب العمل داخل الشركة أو المصنع[80]

في أغلب الأحوال، كان مقر العمل هو المكان الرئيس لحشد الاحتجاجات. ورغم التضييق الأمني، إلا أن بعض الحركات العمالية كانت تستخدم أماكن العمل والإنتاج كأماكن للحشد والتحريض على الاحتجاج، كما حدث في حالة عمال غزل المحلة أو الضرائب العقارية. إلا أن ذلك اختلف باختلاف القطاعات المشاركة في الاحتجاج، ففي بعض الأحيان، لعبت مقرات النقابات دورًا مهمًا في توعية وحشد المشاركين في حركات الاحتجاج، كما حدث في حالة إضرابات الصيادلة.

وفي هذا الصدد، يمكننا ملاحظة أن هذه الحركات الاحتجاجية رفضت تمامًا الانضواء تحت عباءة أي من القوى السياسية الموجودة على الساحة، من أجل الحفاظ على الطابع “المطلبي” للحركة، وعلى المطالب العمالية الاقتصادية- الاجتماعية العادلة، التي يسهل أن يستجيب النظام الحاكم لها، دون تعريض الحركة الاحتجاجية للتضييق والإجهاض من ناحية. وهناك ملاحظتان في هذا الصدد:

  • يرى بعض الناشطين والقيادات العمالية، أن عدم التفاعل مع القوى السياسية الموجودة يعد نقطة إيجابية في صالح الحركة العمالية، للأسباب سابقة الذكر، ويستشهدون في ذلك على تجربة الضرائب العقارية الناجحة، لأنها نجحت في تفادي التفاعل مع الأحزاب والقوى السياسية. أما العكس، فيتمثل في تجربة عمال المحلة مع إضراب 6 أبريل 2008. فمع تلقف بعض القوى السياسية لمبادرة عمال المحلة بالإضراب، تعرضت الحركة العمالية في مدينة المحلة إلى ضربة قوية، وتضييقا أمنيًا قاسيًا[81].
  • كشفت الاحتجاجات العمالية الأخيرة عن مواطن الخلل والتدهور في الأداء الحكومي حيال العمال والموظفين. فمن ناحية، احتلت احتجاجات العاملين بالحكومة أعلى معدلات، حيث بلغت 267 احتجاجًا عام 2007 وحده،  مما يدل على تدهور أوضاع العاملين بالحكومة وتعسف الإدارات وفساد السياسات الحكومية. وفي إحصاء مماثل، بلغت الاحتجاجات العمالية أعلى معدلاتها بسبب عدم صرف المستحقات المالية، الأمر الذي يدل على مدى تدهور أوضاع المؤسسات، خاصةً الحكومية، في تعديها على أجور ومستحقات العاملين، كما يؤكد ذلك أيضًا على إهمال وتهرب الجهات الحكومية من تحمل التزاماتها ومسئوليتها في معالجة الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية خاصة بالنسبة للعمال[82].

ومن الملاحظ أن الدولة كانت – تاريخيًا- تتعامل مع الاحتجاجات العمالية على أنها ملف أمني بالكامل، فكانت تعهد لقوات الأمن – في أغلب الأحوال- بإنهاء احتجاجات العمال، خلال فترتي الثمانينيات والتسعينيات. والتدخل الأمني من قِبل الدولة لفض احتجاجات العمال، كان يصاحبه- في أغلب الأحوال- تنفيذ مطالب العمال، وإعطاؤهم إجازات مدفوعة الأجر لتهدئة الأوضاع .مما يعني أن قرارات فض الاحتجاجات العمالية لم تكن العوامل الاقتصادية المرتبطة بالإنتاج والمكسب والخسارة تتدخل فيها، بل كانت تتخذ بدوافع أمنية وسياسية فحسب، على أساس أن الدولة نفسها هي صاحب العمل، وأن احتجاجات العمال موجهة ضدها مباشرة. ويمكن ملاحظة تبدل هذه القاعدة منذ إضراب غزل المحلة في ديسمبر2006، فقد كان أول إضراب عمالي ضخم تشهده مصر منذ فترة طويلة، وكانت المفاجأة أن الأمن لم ينهِ الإضراب بالقوة هذه المرة، رغم التهديدات القوية، والضغوط التي مارسها على العمال. واعُتبر هذا استثناءً، حيث كان تدخل الأمن مقتصرًا على الضغوط النفسية والتهديد فقط، وفي حالات نادرة وخاصة فقط – عندما كان النظام يرى أن هناك تجاوزا للخطوط الحمراء- حدث تدخل مباشر. إلا أنه من المهم الإشارة إلى أن ثمة ظروفا موضوعية حالت دون استخدام القبضة الأمنية بنفس القوة في وجه العمال المضربين:

 أول هذه الظروف هي التحولات الاقتصادية التي قام بها النظام نفسه، والتي جعلت من الضروري المقارنة من جانب صاحب العمل بين تكلفة الإضراب سواء المباشرة- المتمثلة في خسائر وقف الإنتاج- أو غير المباشرة- من تقوية وضع العمال مستقبلاً- وبين تكلفة المطالب العمالية، والتي تضع في اعتبارها الفترة التي يستطيع العمال مواصلة الاحتجاج خلالها. وهذا ما قامت به الدولة إزاء الاحتجاجات العمالية. ولا ينفي ذلك وجود عوامل أخرى حالت دون استخدام الدولة للعامل الأمني في التعامل مع المضربين، مثل القلق من التشهير الدولي والنقد، خاصةً مع تطور وسائل الإعلام، وعدم قدرة الدولة على السيطرة على الإعلام، وهو ما حدث مثلاً في إضراب أبريل 2008، حيث كانت الأخبار تسري عبر الإنترنت، وخاصة المدونات[83]. ومن خلال متابعة إضراب موظفي الضرائب العقارية، يمكن ملاحظة أن الأجهزة الأمنية كانت تقوم بدور بارز في احتواء أو إنهاء الأزمة. ففي بدايتها، كان الأمن يقوم بالتضييق على العمال المعتصمين ومضايقتهم، في محاولة منه إلى فض اعتصامهم. ولكن مع الوقت وثبات العمال على مواقفهم، بدأت الأجهزة الأمنية تلعب دورًا بارزًا في التفاوض مع القيادات العمالية وتقوم بدور الوسيط الذي ينقل مطالبهم إلى وزارة المالية، وينقل استجابات المسئولين عليها إلى القيادات العمالية[84].

موجة الإضرابات الأخيرة تميزت بأنها ذات مدد طويلة نسبيًا مما سبق، وإن شهدته مصر طوال تاريخها السابق. ففي الفترات السابقة ، كانت الإضرابات العمالية عملاً عفويًا – إلى حد بعيد- وكانت لا تستغرق أكثر من عدة ساعات؛ خاصةً مع التدخلات الأمنية شديدة الشراسة ، التي كانت تصل أحيانًا إلى اقتحام المصانع وإطلاق الرصاص على العمال المعتصمين[85].

ربما كان من اللافت للانتباه أيضًا عدم ترابط تلك الإضرابات العمالية، فمع أنها كانت منظمة بين العمال القائمين بالإضراب، إلا أنها لم تمتد لتربط القطاعات المختلفة. وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته في مطالب العمال المحتجين ذاتهم، حيث جاءت مطالبهم فئوية محدودة إلى حد كبير، على اعتبار أن هذا هو الحد الأدنى من المطالب الممكن تحقيقه دون أن تتعرض الحركة للتضييق من جانب الأجهزة الأمنية إذا ما تجاوزت هذا السقف إلى المطالبة بدفع مطالب سياسية أيضاَ.

 

الخاتمة

إن المراحل التي مرت بها الاحتجاجات في مصر حتى الآن تعد تطورا ذاتيا لم يتم بفعل القوى السياسية أو حتى الحركات الاحتجاجية التي تشكلت ذاتها، على الرغم من التطور البنيوي لهذه الحركات وما يمكننا ملاحظته  من الابتكار التنظيمي الذي مكن من استيعاب فئات عدة في هذه الحركات، وزاد من القدرة على العمل في ظل التضييق الذي قد تواجهه، وتقديم معظمها لنماذج ديمقراطية منفتحة للعمل السياسي.

كما أن الأنشطة التي قامت بها هذه الحركات على المستوى المحلي أو الإقليمي – قياسًا بعمرها- يعتبر كمًا لا بأس به في ظل الحدود المتاحة والممكنة. وقد حركت مثل هذه الأنشطة العديد من القطاعات في المجتمع، وساهمت في تغيير ثقافة الخوف والسلبية التي ظلت سائدة لسنوات طوال في الشارع المصري. إلا أنه لا يمكننا كما تطرح بعض مناهج دراسة الحركات الاجتماعية النزوع إلى تفسير وفهم هذه الحركات بالتركيز على البنية أو التطور، دون التطرق للعوامل المحيطة. كما لا يمكننا أن نقتصر على البيئة المحيطة كما تطرح مناهج أخرى لتفسير هذه التطور وهذه المراحل. فالعامل الاقتصادي كما رأينا بما شهده من توقعات وتطورات أودت بهذا إلى فجوة توقعات كان عاملا مؤثرا في تطور هذه الحركات، وهو خاصية ترتبط بالوضع الخاص ببلدان العالم الثالث حيث أن فترات طويلة من الاستقرار الاقتصادي في الدول المتقدمة قد تجعل من الأزمات الاقتصادية مرحلة مؤقتة لا تؤثر في الحركات في هذه الدول التي تنصب أنشطتها على تصحيح هيكل الاقتصاد بشكل عام وإقرار حقوق بداخله. على عكس الوضع عندنا حيث أن الأزمة هي الغالبة وفترات الاستقرار هي المؤقتة وعليه تتأثر هذه التحركات بشدة بما تطرحه السياسات الاقتصادية وتأثيراتها على الحياة اليومية للناس. ويتشابك ذلك مع مساحات الديمقراطية المتاحة على الساحة والتي تمكن هذه الحركات من التطور والتبلور وانتزاع مساحات للحركة، تكون هي محل التصارع مع السلطة التي تحاول سلب هذه المكاسب في فترات بينما تحاول هذه الحركات توسيع هذه المساحة المنتزعة سواء بشكل مباشر أو بالقصور الذاتي مثلما في حالة الانتقال من المرحلة الثانية “مرحلة كفاية وأخواتها” إلى المرحلة الثالثة، مرحلة “الاحتجاجات الاجتماعية”. بل إن العامل الخارجي مثلما في حالة التفاعل مع حركة مناهضة العولمة أو تطورات مجال المجتمع المدني وتبلور مناهج العمل الخاصة به دوليا وتأثر المجتمع المدني في مصر بذلك كان له دور بارز في التطور الذي شهدته الحركات الاحتجاجية في مصر.

أما ما يميز حالتنا عن غيرها على المستوى الدولي هي تلك المتعلقة بالوضع الإقليمي حيث كان عنصرا ليس فقط مطورا أو منشطا بل في أحيانا كثيرة محركا للحركات الاحتجاجية وكما شهدنا تعتبر الانتفاضة الفلسطينية الثانية هي صاحبة الفضل في إخراج الشارع المصري  من عقال السكون والركود إلى مرحلة الحراك في المرحلة الأولى التي تناولنها في هذه الدراسة وهو عامل قد يكون غائبا في معظم الخبرات الأخرى خارج المنطقة العربية، حيث أن منطقتنا هي منطقة تفاعل دولي كثيف يؤثر في الأغلب بشكل سلبي على أوضاع مواطني هذه المنطقة من العالم ويكفي أن نشير أن حالتي الاحتلال الباقيتين في العالم هما في منطقتنا تحديدا في فلسطين والعراق.

إن هذه المراحل والتطورات خلقت حالة تراكم التي تعد أولى الشروط تشكل الحركات الاجتماعية، كما أن شرط التواتر قد تحقق في المرحلة الثانية عبر ظهور أخوات كفاية وفي المرحلة الثالثة حيث شاهدنا التحركات العمالية التي ارتبطت بحركة عمال المحلة، وتلك التحركات الخاصة بالموظفين العموميين بعد نجاح تجربة عمال الضرائب العقارية. كما أن مأسسة هذه الحركات قد تبلورت عبر المراحل الثلاث ففي المرحلة الأولى والثانية كان تكون اللجان والتنظيمات بهدف التحرك وتنظيم وقيادات الاحتجاجات إلا أن المرحلة الثالثة قد بدأت بتشكل اللجان أو التنظيمات من داخل الحركات ذاتها بهدف التفاوض أو تنظيم العمل الاحتجاجي وانتهت هذه المرحلة  إلى ضرورة تشكل تنظيمات ومؤسسات نابعة من الاحتجاجات ذاتها بهدف الحفاظ على المصالح المكتسبة والدفاع عن الفئات المحتجة مستقبلا، وتبلور ذلك في فكرة النقابات المستقلة التي طرحها موظفو الضرائب العقارية، واللجان النقابية التي شكلها بعض عمال المصانع المحتجة. وهو ما يبشر بالتحول للشرط الرابع للتشكل الحركات الاجتماعية وهو تبلور المطالب المشتركة في صورة مطالب بعيدة المدى تصحح الهياكل القائمة وليس فقط التحصل على مطالب آنية.

ويظل الربط بين السياسي والاجتماعي هو شرط اكتمال هذا الركن الخاص بتبلور المطالب، وهو ما يهدد تطور هذه التحركات، حيث فشلت القوى السياسية التقليدية حتى الآن في الاشتباك بجدية مع هذه التحركات. فإما أن تطور هذه القوى من نفسها بما يتلاءم مع هذه الأوضاع،  أو أن تفرز هذه التحركات قيادتها السياسية من رحم الواقع، لتشكل نخبة بديلة لتلك الموجودة على الساحة فتتحول بذلك هذه التحركات الاحتجاجية إلى حركات اجتماعية ذات ثقل في الواقع يؤثر فيه إيجابيا في تحقيق مطالب والحفاظ على حقوق الشرائح التي يمثلها، ويساهم في تطور المشهد السياسي المصري ، أو سيكون مآل هذه الجهود العودة لنقطة الصفر وإهدار التراكم والخبرات التي تكونت على مدار السنوات العشر الأخيرة والعودة إلى حالة ركود شبيهة بتلك التي عشناها في تسعينات القرن الماضي.


[2] المرجع السابق

[3] المعرفة، سبق ذكره

[4] .موقع حزب العمل على الإنترنت، http://el-3amal.com/news/page.php?t=2&i=1

[5] هاني لبيب، “حزب العمل في مصر: صعوبات الممارسة الديمقراطية”، موقع الجزيرة:

 http://www.aljazeera.net/NR/exeres/AC160E5C-90DD-4259-814E-14F678DD5F6F.htm

[6] محمد جمال عرفة، “الحزب الناصري.. تفاؤل بالانتخابات هل ينعكس على تمثيله؟”، موقع إسلام أون لاين،http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/qpolitic-oct-2000/qpolitic21.asp

[7] المرجع السابق

[8] . حسام تمام، “الإخوان المسلمون: هل تغيرت قواعد المواجهة؟”،  http://www.awrd.net/look/print.tpl?IdLanguage=17&IdPublication=1&NrArticle=1545&NrIssue=1&NrSection=6

[9] . كمال حبيب، “خبرة تنظيم الجهاد في المراجعات”، في المراجعات من الجماعة الإسلامية إلى الجهاد، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، القاهرة 2008

[10] . “ماذا بقى من جماعة الجهاد المصرية؟”، في دليل الحركات الإسلامية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، القاهرة 2002.

[11]  التقرير المصري للاستثمار- نحو توزيع عادل لثمار النمو، مجلس أمناء هيئة الاستثمار، القاهرة، 2008.

[12]  نفس المصدر.

[13]  . نمر على النيل، الأهرام، 24 أكتوبر 1997.

[15] . محمد أبو زيد،”الصحافة المصرية المستقلة تحت المجهر”، الشرق الأوسط، http://www.aawsat.com/details.asp?section=37&article=372226&issueno=10085

[16] التقرير المصري للاستثمار، سبق ذكره ص 7

[17] عرفة جمال محمد،”الحزب الوطني تغيير أم تجميل؟ إسلام أون لاين

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1172571454417&pagename=Zone-Arabic-News%2FNWALayout

[18] . وحيد عبد المجيد، “مؤتمر الحزب الوطني الحاكم: حدود التغيير ومعضلاته؟”، موقع الجزيرة، http://www.aljazeera.net/NR/exeres/7E8F722A-0B06-4563-93D0-836E29F472D5.htm

[19] عرفة جمال محمد، “الحزب الوطني…”، سبق ذكره.

[20] الحزب الوطني، رؤية من الداخل…،سبق ذكره.

[21] جيهان مصطفي، “قصة تحرير جنوب لبنان”، http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=126976&pg=2

[22] . المرجع السابق

[23] . المرجع السابق

[24] . موقع المجموعة المصرية لمناهضة العولمة (أجيج) على الإنترنت، http://www.ageg.net

[25]  . النشرة الإعلامية الصادرة عن المجموعة الإعلامية للجنة الشعبية للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية، العدد العاشر، يناير 2001،نسخة إلكترونية، http://www.geocities.com/solidarity_palestine/Support.htm#NewsLetter

[27]  المرجع السابق

[28]  النشرة الإعلامية للجنة- سبق ذكره

[29] مقابلات مع أعضاء باللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني، 30 أبريل 2009.

[30]  إيمان عبد المنعم، “تنظيم سري للإخوان، والجماعة تنفي”، إسلام أون لاين، http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1216207992540&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout

[31] نبيل شرف الدين، “قصة نشأة الاشتراكيين الثوريين في مصر في أول محاكمة لمجموعة يسارية منذ عقدين”، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=15760

[33] مقابلة مع عضو مؤسس في الحركتين، القاهرة، 25 أبريل 2009

[34] . د. دينا شحاتة،  في الانتخابات الرئاسية المصرية 2005،  مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، القاهرة 2005

[35] . البيان التأسيسي للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، من موقعها على الإنترنت، http://www.harakamasria.org/

[36] . المرجع السابق

[37] . د. فتحي أبو حطب، “حركة كفاية ومستقبل حركات التغيير”، http://harakamasria.org/?q=node/9764

[38] . حمدي الحسيني، “الإخوان يؤسسون تحالفًا ضد الرئيس مبارك”، إسلام أون لاين، http://www.islamonline.net/arabic/news/2005-06/30/article16.shtml

[39] . حمدي الحسيني، “العريان يهز الثقة بين كفاية والإخوان”، إسلام أون لاين، http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1165994305923

[40] . نبيل شرف الدين، “إسلاميون ينشقون عن حركة كفاية المصرية”، http://www.elaph.com/ElaphWeb/Politics/2006/12/196703.htm

[42] . موقع كفاية الرسمي، سبق ذكره

[43]. أحمد بهاء الدين شعبان، “الحركات الاحتجاجية الجديدة في مصر”  http://www.ahewar.org/m.asp?i=2090

[44] . أحمد النجار، التقرير الاقتصادي الاستراتيجي، الأهرام ، القاهرة 2004.

[45] . المرجع السابق

[46] المجموعة المصرية لمناهضة العولمة (أجيج)، فضح الكويز، سبق ذكره

[48] . ميشيل نجيب، “حزب مصر الأم”،
http://www.freecopts.net/forum/showthread.php?t=2282

[51] . راجع صحيفة الجمهورية و مجلة روزا ليوسف خلال تلك المرحلة.

[53] . نور منصور،” مؤتمر القاهرة 2008: صفحة جديدة في دعم المقاومة”، http://www.e-socialists.net/node/870

[54] . “البهجة تشرق مع انتصارات العمال: المقاومة والغضب خلال عام 2008″، سلسلة حقوق اقتصادية واجتماعية، مركز الأرض لحقوق الإنسان، القاهرة، العدد 65، مارس 2008. مع ملاحظة  أن التقرير الذي أعده قد استبعد الإضرابات المتعددة خلال العام لموقع عمالي واحد أو لطائفة بعينها من العمال، الأمر الذي قلص حجم الإضرابات الحقيقي كثيرًا

[56]  . خالد على، دراسة تخت الإعداد.

[57]  . مصطفى بسيوني وعمر سعيد، رايات الإضراب في سماء مصر: 2007 حركة عمالية جديدة، تقرير صادر عن مركز الدراسات الاشتراكية، القاهرة، ديسمبر 2007

[60] . المرجع السابق.

.[62]  الدستور 8/12/2008

[64] . المصري اليوم، 19-4- 2009

[67]  أحمد النجار، تقري الاقتصادي الاستراتيجي، الأهرام، القاهرة ، 2006.

[68]  التقرير المصري للاستثمار، سبق ذكره ص 9.

[69] . “وزراء نظيف لم ينجح أحد”، جريدة الأحرار، بتاريخ 12/7/ 2009

[70] . “صفقات سوبر مشبوهة”، جريدة الأحرار، 12:7/2009

[71] . “البهجة تشرق مع انتصارات العمال”، سبق ذكره

[72]  محمد العجاتي، مصر بين مشهدين، جريدة السفير اللبنانية، بيروت، 17-5-2009.

[75] . المرجع السابق

[76] “البهجة تشرق مع انتصارات العمال”، سبق ذكره.

[77] عزة خليل، تقرير عن حلقة نقاشية حول النقابة المستقلة للضرائب العقارية كتجربة للتعددية النقابية عقدتها مجموعة تضامن، يونيو2009، نسخة إلكترونية http://tadamonmasr.wordpress.com/2009/06/12/taxes/

[78] البهجة تشرق مع انتصارات العمال، سبق ذكره

[79] مصطفى بسيوني وعمر سعيد، سبق ذكره.

[81] القاهرة،  13 يناير 2009. مقابلة أجرتها الباحثة نادين عبد الله مع نشط عمالي ومدون وموظف بشركة غزل المحلة.

[82]  البهجة تشرق مع انتصارات العمال”، سبق ذكره.

[83] . مصطفى بسيوني وعمر سعيد، سبق ذكره

[84] . عزة مسعود وعلي زلط، ” مجلس الوزراء والداخلية وأمن الدولة.. خطوط حمراء سقطت أمام الاحتجاجات”،جريدة المصري اليوم بتاريخ 31/12/2007، http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=88310

[85] . مصطفى بسيوني وعمر سعيد، سبق ذكره

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: