شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

ظاهرة أوباما في عام

محمد العجاتي

السفير

يناير 2010

أعلن أوباما صراحة في تصريح لمجلة “تايم” الأمريكية فشل واشنطن في تحقيق الإنجاز المأمول في الشرق الأوسط، كما أكد إنه هوّل من قدرته على تحقيق إنجازات في حل مشكلة الشرق الأوسط سواء أثناء الحملة الانتخابية أو مع بداية رئاسته و لفهم هذا التصريح في سياقه الصحيح يتوجب علينا مراجعة ما أنجزه الرئيس الأمريكي في العام الأول من ولايته والذي شهد شهره الأخير – ديسمبر 2009 –  ثلاث خطابات متتالية الأول كان في قاعدة وست بوينت فى نيويورك، بمناسبة إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان؛ وبعدها كان خطابه في أوسلو بمناسبة الحصول على جائزة نوبل للسلام، والثالث في كوبنهاجن في ختام أعمال مؤتمر المناخ.

 أي منصف سيقدر التركة الثقيلة التي ورثها أوباما عند دخوله إلى البيت الأبيض، سواء على مستوى الحروب المتورطة فيها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، أو الأزمة الاقتصادية، وكذلك الانتهاكات التي تعرضت لها الحريات الشخصية خاصة للأقليات بعد 11 سبتمبر؛ مما يؤكد صعوبة قياس مدى نجاح أوباما في إحداث التغيير الذي كان شعارا لحملته الانتخابية. إلا أن ما يمكن رصده خلال هذا العام هو مدى قدرته على الثبات على برنامجه، وتهيئة الرأي العام الأمريكي لقبول التغييرات المطروحة في هذا البرنامج، فعلى أساس هذين البعدين يمكننا التعرف عن مدى إمكانية تنفيذ برنامجه للتغيير في المرحلة المقبلة.

عن البعد الأول يمكننا رصد تراجع شديد ما بين خطاب جامعة القاهرة في يونيو وبين خطابات ديسمبر، ليس فقط على مستوى السياسات، لكن كذلك على مستوى المبادئ الحاكمة لهذه السياسات: فمفهوم الشراكة الذي طرحه أوباما في جامعة القاهرة، تراجع عنه بشدة في الخطابات الأخيرة؛ فعلى مستوى العلاقة مع العالم الثالث، جاء خطاب كوبنهاجن ناسفا لهذه الشراكة، حيث تبنى في خطابه البيان الختامي للمؤتمر، والذي لاقي اعتراضات شديدة من جانب دول العالم الثالث، ولم يلتفت في خطابه لهذه الاعتراضات. أما عن الشراكة مع العالم العربي، فقد كان التراجع قبل ذلك، تحديدا عندما بارك مخطط نتنياهو بتجميد الاستيطان لمدة لا تزيد على عشرة أشهر، بعد استبعاد القدس، واستكمال وحدات تم التصريح ببنائها، يصل مجموعها في الواقع إلى ما يقرب من ضعف ما كانت تبنيه إسرائيل في السابق خلال ذات الفترة الزمنية؛ وهو ما يعتبر تحايلا واضحا على مطلب واشنطن السابق بتجميد المستوطنات؛ بل أن أوباما اعتبار هذه الخطة رد فعل إيجابي من جانب إسرائيل، وألقى الكرة في الملعب العربي، بدعوتهم لاغتنام هذه الفرصة بأن يتجاوبوا معها على الفور عن طريق استئناف المفاوضات. حتى على مستوى العلاقة مع أوروبا، نجد أن خطابه في وست بوينت جاء كنوع من التوريط لأوروبا في سياسات خارجية ترسمها الولايات المتحدة، حيث بدا إشراك أوروبا نوعا من توزيع العبء العسكري والاقتصادي للأزمات الدولية -خصوصاً في أفغانستان والشرق الأوسط- على أطراف أخرى على الساحة الدولية.

أما عن موقفه من الحروب الأمريكية -والتي تناولها خطاب جامعة القاهرة بشكل إيجابي يميل إلى الاعتذار- فخطابه في نيويورك جاء متراجعا عن ذلك، وأشبه بخطابات إدارة بوش، فقد أكد على ضرورة الحروب لحماية الأمن القومي الأمريكي. وتحدث عن دور الولايات المتحدة في نشر الديمقراطية، وأخلاقيات الحرب التي تحترمها الولايات المتحدة، متجاهلا أنه لم تخلُ حرب خاضتها الولايات المتحدة من استخدام الأسلحة المحظورة دوليا: من قنبلة هيروشيما وناجازاكي الذرية في نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى مدافع النابلم في فيتنام، وصولا إلى القنابل الفسفورية في العراق. كما جاء خطابه عن إيران وكوريا الشمالية في أوسلو أكثر عنفا وتشددا عن ذي قبل، إذ لم يشر كعادته لأهمية النهج الدبلوماسي في التعامل مع هاتين القضيتين، بل أصر على ألا تخدع دول كإيران وكوريا الشمالية النظام الدولي.

ناهيك عن قضايا كثيرة كان يمكن لأوباما أن يقوم باختراق فيها يدعم توجهه المطروح للتغيير، إلا أنه خلال هذا العام لم يحدث أي تغيير ملحوظ فيها، مثل المواقف الأمريكية من المحكمة الجنائية الدولية، أو قضايا البيئية ومشكلة الاحتباس الحراري، أو قضايا حقوق الإنسان ومدى استعداد الإدارة الأميركية للضغط على الأنظمة الشمولية في العالم.

إذا نظرنا على المستوى الداخلي، فسنجد تراجعا عن إغلاق معتقل جوانتنامو، ثم تعديل ذلك إلى نقل معتقليه إلى سجون أخرى؛ بالإضافة إلى البطء في السياسات التعامل مع الأزمة الاقتصادية، مما يجعلها لا ترقي حتى لتجارب مثيلة مرت بها الولايات المتحدة -كسياسات “العقد الجديد” التي انتهجها الرئيس روزفلت في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي لمواجهة الأزمة آن ذاك؛ بالإضافة تأخر إقرار برنامجه للرعاية الصحية وما يصاحبه من معارضه من جانب قطاع كبير من الرأي العام  بفعل ضغوط الاحتكارات الأمريكية خاصة في مجال التأمين والأدوية، رغم إقراره منذ أيام في الكونجرس.

أما عن قدرته على تهيئة الرأي العام للتغيير المتوقع، فيبدو أنه يواجه صعوبات ضخمة؛ إذ أظهر استطلاع رأي أجري لصالح شبكة “سي.إن.إن” الإخبارية الأميركية في النصف الأول من شهر نوفمبر، أن معدل تأييد المواطنين لأوباما انخفض لأول مرة تحت حاجز 50%. ووفقا لنتائج الاستطلاع وصف 48% من الأميركيين المشاركين فيه أداء الرئيس بأنه جيد بتراجع قدره 7 نقاط مئوية، مقارنة باستطلاع مماثل جرى الشهر الماضي. وعزا المراقبون هذه النتائج المخيبة للرئيس الأميركي إلى ارتفاع معدلات البطالة، والوضع الاقتصادي السيئ للبلاد. الأخطر هو أن فئات كانت داعمة له بدأت تغير من توجهاتها أمام التراجعات السياسية التي سبق أن أشرنا إليها، إذ اظهر نفس الاستطلاع أن 66% من الشباب يعارضون سياسات أوباما في أفغانستان. فالخطر ليس أنه لم ينجح في كسب رأي عام جديد لبرنامجه فحسب، وإنما كذلك بدأ يفقد من رصيده السابق، مما يجعل قدرته على التغيير أكثر صعوبة في الفترة القادمة.

لا يمكن أن ننكر أن أوباما سيظل ظاهرة مهمة، فوصول شاب من أصول افريقية إسلامية للبيت البيض رافعا شعار التغيير، يعد تتويجا لنضال الحقوق المدنية الذي دام أكثر من ثمانين عام، واستكمالا للديمقراطية الأمريكية على المستوى القانوني والسياسي. أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فسيطرة الشركات الاحتكارية الكبرى، ووضع الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية، الذين مازالوا يشكلون القسم الأكبر من المهمشين و الفقراء بلغ عددهم المائة مليون مواطن، مازالت تمثل أكبر مشكلة أمام الديمقراطية الأمريكية وأمام اكتمال ظاهرة أوباما، الذي مازال -رغم كل شيء- يحمل الكثير من النوايا الحسنة، لكن علينا أن ندرك أنه ليس فقط بالنوايا تتحقق الآمال، فكما يقال “الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة”.ش

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: