شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

صراع السلطة في مصر والسيناريوهات المستقبلية

محمد العجاتي

السفير

2009

منذ أن تولي الرئيس “مبارك” مقاليد الحكم في مصر في مطلع الثمانينيات، شهد النظام السياسي المصري قدراً كبيراً من الاستقرار في داخل نخبته لمدة تقرب من عشرين عاماً. إلا أنه ثمة تحول لا تُخطئِهُ العين في المشهد السياسي المصري حدث عندما بدأ الحديث عن التوريث في مصر؛ فمع طرح اسم “جمال مبارك” على الساحة، وتصعيده من خلال موقع جديد -هو رئاسة لجنة تم إنشائها خصيصاً له- أُطلق عليها اسم لجنة السياسات داخل الحزب الوطني، بدأ لأول مرة في مصر الحديث عن صراع داخل النخبة ما بين القديمة والجديدة. إلا أنه سرعان ما تبلورت المصالح داخل النخبة الحاكمة، وتم تقاسم السلطات والمناصب الحزبية والعامة؛ لتصبح لجنة السياسات هي صوت النيوليبرالية في مصر، التي تعبر بشكل واضح عن طبيعة الطبقة الحاكمة الجديدة المكونة من تحالف البيروقراطية ورأس المال و التي ازدادت سطوتها بشكل ملفت في تشكيل الحكومة الأخيرة  في العام 2004، حيث دخلها ستة رجال أعمال دفعة واحدة.

وسط هذا المشهد السياسي، عاد إلى الأفق مشهد الصراع المحتدم داخل النخبة الحاكمة، وإن كان مكتوماً تنكره أطرافه علانيةً. تتابعت مشاهد ذلك الصراع في عدة صور، منها على سبيل المثال الهجوم المستمر في وسائل الإعلام- عبر تسريبات من داخل أروقة النظام ذاته- على رموز داخل الحزب الحاكم أبرزهم “أحمد عز”، أحد أقطاب الحزب الوطني ورئيس كتلته البرلمانية، و قبل هذا وذاك محتكر صناعة الحديد في مصر، عبر شبكة الفساد الضاربة في جذور النظام. كما كان هذا الصراع محرك لمعارك شرسة على مستوى المجتمع من أمثلتها قضية عمر أفندي و قضية مصنع أجريوم. “عمر أفندي” هو سلسلة من متاجر القطاع العام، ظلت -على مدار سنوات طوال- ملجأً للطبقات الشعبية، للحصول على احتياجاتها من ملبس و أدوات منزلية وخلافه. وفجأة، خرجت الحكومة بقرار لخصخصتها،  شكلت لجنة لتقدير قيمة هذه السلسلة الضخمة من المتاجر. الأمر الصادم في تلك القضية، هو أن أحد أعضاء لجنة التقييم – و هو ضابط سابق في أحد أجهزة الأمن القومي- سرب معلومات عن أن اللجنة تلاعبت في تقدير قيمة سلسلة المتجر لبيعها بأبخس الأسعار لصالح رجال أعمال معينين؛ الأمر الذي أكده لاحقاً خبراء اقتصاديون مستقلون، حيث أصدروا تقارير تفيد بأن القيمة التي قدرتها اللجنة الحكومية لهذه المتاجر لا تتجاوز في حقيقة الأمر قيمة مساحة الأرض التي يشغلها خمسة من فروعه التي تتجاوز السبعين فرعاً في مختلف المحافظات! أما عن “أجريوم” وهو مصنع للأسمنت تابع لشركة كندية، تقرر بناءه في محافظة دمياط في شمال مصر، و فجر ذلك صراعاً بين مواطني المحافظة والسلطات حول الأضرار البيئية الجسيمة لهذا المصنع على المدينة والميناء الموجودة بها والتداعيات الاقتصادية لذلك. وشهدت المدينة مسيرات وتظاهرات واعتصامات بالجملة حتى تم نقل المشروع؛ و في هذا الإطار، وجدنا أطرافاً بارزة تشارك في الحملة مع سكان المدينة، منهم المحافظ ذاته –و هو كذلك ضابط سابق-. و كل ما سبق ليس إلا أمثلة على أحداث أصبحت تشهدها مصر بشكل متكرر  و لا يمكن تفسيرها إلا بوجود صراع حاد داخل النخبة.

يميل معظم المحللين إلى أن الصراع الدائر داخل النخبة الآن هو صراع بين جناحين، جناح مدني يتشكل من مجموعة لجنة السياسات، بما يحتله رجال الأعمال من موقع بارز داخلها؛ وجناح آخر ركيزته ما يطلق عليه النواة الصلبة للدولة، والمقصود به المؤسسة العسكرية بمختلف فروعها، متحالفاً معها مجموعة من الوزارات الحيوية. قد يكون هذا التقسيم صحيحاً وقت بدء هذا الصراع، إلا أن التدقيق في الأحداث الأخيرة يؤكد وجود انقسامات داخل كل كتلة، تنعكس في صراعات رجال الأعمال في جانب، وفي الجانب الآخر صراع بين المجموعة الموجودة داخل مجلس الوزراء، و تلك التي تحمل ملفات تخص الأمن القومي وتعمل من خارج الحكومة؛ ويظهر هذا الانقسام الأخير تحديداً في المواقف الخاصة بالبعد الإقليمي. ومع مرور الوقت، تتفتت كل كتلة إلى كتل أصغر، وتتعمق الخلافات بما يقلل من احتمالات توحدها من جديد في لحظة الأزمة، ويُصّعب قدرة أي منها على حسم المعركة الدائرة لصالحه. ويضعنا ذلك أمام عدة سيناريوهات للتحول، يبدو أحسنهم مراً: فالسيناريو الأول، هو شعور كافة الأطراف داخل النخبة بعدم القدرة على الحسم، وبالتالي التوجه إلى تراضي بين كافة الفرقاء داخل النخبة على استمرار الوضع القائم، مع التغير في بعض الأسماء أو الوجوه، وقد يبدو مخطط التوريث حاضراً بشدة في هذا السيناريو، أي أن تغيير الأشخاص الممسكين بزمام السلطة السياسية في مصر، على أعلى مستوياتها، لن يأتي بأي تغيير جاد في توجهات السياسة المصرية داخلياً أو خارجياً إذا تحقق هذا السيناريو. فالسياسات الحالية تستند على تركيبة معينة من علاقات القوى الاجتماعية والسياسية، ولا يُنتظر لهذه التركيبة أن تتغير في المستقبل القريب.

السيناريو الثاني هو انفتاح أحد هذه الكتل المتصارعة داخل النخبة على قوة من خارجها، لتتمكن من فرض سطوتها على الآخرين. وسيكون الشريك الأمثل في هذه الحالة هو تيار الإخوان المسلمين، بما يتمتع به من قاعدة جماهيرية واسعة. وهنا سنكون أمام أحد تحالفين: تحالف ديني رأسمالي، أو تحالف عسكري ديني على غرار الحالة الباكستانية.

 أما السيناريو الثالث، فيقوم على فكرة انتهاز أحد الأطراف حالة التوافق ليقفز على السلطة، مع خلق حالة مصطنعة من الفوضى في الشارع المصري، تجعل الأطراف التي تمتلك عناصر القوة ترتضي بالوضع القائم كبديل عن حالة الفوضى المزعومة. والمرشح للقيام بهذا السيناريو هو قوى الأمن الداخلي، التي أخذت في التضخم على المستوى البشري والمادي في الفترة الأخيرة، مع تجنبها للصدام مع أي طرف من الأطراف، و هو سيناريو شبيه بالذي حدث في تونس.

 سيناريو رابع وأخير، يقضي بتحرك فوري من جانب أحد أطراف “النواة الصلبة” في حال حدوث فراغ سياسي، والمقصود هنا الطرف الذي يمتلك القوى المادية -المتمثلة في أسلحة الجيش- وطرح مرشح له  لتولي مقاليد السلطة، وهو ما يقتضي قمع باقي أطراف الصراع داخل النخبة، و كذلك أي رد فعل جماهيري قد يصاحب ذلك. أي الدخول في دوامة ديكتاتورية عسكرية لفترة غير قصيرة، ستحاول جاهدة تجنب فتح جبهة أخرى في الخارج، فتظل محافظة على التحالفات القائمة حالياً على المستوى الخارجي، وعلى رأسها التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويظل السؤال حول ما العمل للخروج من مأزق هذه السيناريوهات؟ لا بديل عن تحرك للقوى التقدمية والإصلاحية في مصر في شكل تحالف واسع يطرح رؤية نابعة من حالة الاحتقان والاحتجاج التي يشهدها الشارع المصري، وبلورتها من خلال مشروع ووجه يعبر عن مصالح الفئات الشعبية والوسطى المتضررة من السياسات القائمة على المستويين الداخلي والخارجي.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: