شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

مصر بين خطاب الاستدعاء وخطاب الاستبعاد

محمد العجاتي

السفير

4 فبراير 2010

صدر ضمن كتاب حال مصر 2010 -عام قبل الثورة

منتدى البدائل العربي للدراسات

أصبح كثير من المصريين يشعرون بمرارة شديدة بسبب الخطاب العربي تجاه مصر، وتحديدا بسبب اختزال مصر كلها في النظام الحاكم، في الوقت ذاته الذي يعرف فيه الجميع في الوطن العربي ما يعانيه الشعب المصري تحت وطأة هذا النظام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ومرجع هذا الشعور لدي هؤلاء  نابع -من وجهة نظرهم- من أنه خلال الأزمات الأخيرة، أصبح هناك شبه اصطياد لأصوات معروفة بتبعيتها للحكومة المصرية، وإبرازها على حساب تلك المعارضة، التي تدفع ثمن مواقفها في الداخل المصري؛ وأن خطاب المنتقدين لمصر لم يعد قاصرة على النظام، بل امتدت إلى كل ما هو مصري ثقافي أو فني أو رياضي أو اقتصادي، مقابل تجاهل لكافة الأصوات الأخرى القادمة من داخل مصر، والتي تتخذ مواقف معارضة لهذا النظام سواء على مستوى السياسات الداخلية أو الخارجية، رغم أهمية هذه الأصوات على المستوى الفكري والثقافي: فيتم تجاهل بيانات تصدر عن المثقفين المصريين ضد الخطاب الشوفيني وتجاوزاته في حق العرب بعد مباراة الجزائر، ولا يتابعون معركة كالتي جرت في نقابة الصحفيين تحت شعار التغيير، كما لا يشيرون إلى الحملات والقضايا التي يقوم بها المصريون ضد الجدار الذي يتم بناءه على الحدود المصرية الفلسطينية و يتم تجاوز ذلك.

لهذه الأسباب أصبح كثير من أنصار التغيير في مصر يرون أنهم يفتقدون أي دعم لتحركاتهم في المحيط العربي. مما جعل الكثير منهم يحول وجهه إلى الداخل، مطالبين بالتركيز على العمل في الداخل دون أن يعني ذلك التخلي عن الدور الإقليمي، بل على العكس، يطرحون ذلك كوسيلة لبناء حركة أصبحت الأصوات القادمة من المنطقة العربية معيقة لها أكثر منها داعمة.  إلا أن هؤلاء يقعون في نفس أخطاء الاختزال الذي يتبناه من يدينونهم، ويغفلون الأصوات القادمة من المنطقة ضد النظام فقط، والتي تضع فوارق واضحة بين النظام والشعب في مصر، وينشرون ويتحدثون عن حركات ورموز المعارضة في مصر، على غرار الحديث عن حركة “كفاية” الذي يُطرح على أي مصري في أي زيارة لعاصمة عربية، بل يؤكدون صدى هذه الحركات على الأوضاع في بلادهم، ولا يبرئون أنظمتهم من المأساة التي تعيشها المنطقة حاليا، أو البيان الصادر عن أساتذة الجامعة الجزائريين عقب المباراة السابق الإشارة لها؛ ولعل آخرها كان خطاب الدكتور خالد حداده أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، في المظاهرة التي خرجت أمام السفارة المصرية في بيروت يوم 23 كانون الثاني ضد الجدار، والتي جاء فيها: “نحن اليوم هنا لا لنحتج ضد مصر بل لنتضامن مع مصر، مع شعبها وطاقاته، مع شهداء جيش المقاومة المصرية في العام 1956 ضد العدوان الثلاثي، لنتضامن مع شهداء جيش وشعب مصر عام 1967 ولنتضامن مع شهداء وشعب مصر عام 1973، هؤلاء الذين حملوا قضية الشعب الفلســطيني، قضية التحرر العربي في نضالهم بقـــيادة اليـــسار المصري، وأحد الرموز المنيرة في حركة التحرر العربي جمال عبد الناصر.”

وفي هذا المجال، يجب أن نفرق بين خطابان على الساحة العربية تجاه مصر: فهناك أولا خطاب الشعوب والقوى السياسية التقدمية-التي لا تدخل في دائرة النظم القائمة- بالإضافة إلى مجموعة من الحكومات التي تحاول توفير غطاء شرعي لدورها في المنطقة من خلال شراكة مع مصر، وهذه الأصوات تحاول الحفاظ على خطاب متوازن، رغم النقد الذي توجهه لسياسات النظام المصري؛ وبالطبع يكون من جانب النظم أكثر حرصا من الخطاب الشعبي، الذي قد يصل بسبب عفويته إلى قدر من التجاوز في بعض الأحيان، وهذا الخطاب -النابع من أغراض سياسية، أو إحساس بحاجة لدور مصري، أو حتى قدر من المرارة تجاه مواقف النظام المصري- إلا أنه يصل في نهايته إلى مطلب أساسي، هو أن تقوم مصر بدور أكثر ارتباطا بالمصالح العربية، وأكثر فاعلية على مستوى الحقوق العربية، خاصةً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والحصار المفروض على قطاع غزة؛ وهو خطاب يستهدف استدعاء مصر إلى الساحة العربية مرة أخرى.

إلا أنه على الجانب الآخر، هناك حكومات و نخب عربية وغير عربية في المنطقة  تسعى بشدة لاستبعاد مصر، ودفعها للانكفاء على الداخل، سواء ليتسنى لها رفع شعارات كانت مصرتتبناها لفترة طويلة، وذلك لتتمكن هذه الحكومات من كسب تعاطف شعبي عربي، أو للقيام بالدور الذي آلته مصر على نفسها في الفترة الأخيرة- وهو دور الوسيط- .وتحاول هذه الحكومات -في سبيل تحقيق مكاسب على المستوى دون الإقليمي- توفير شرعية إقليمية لها من خلال هذا الدور، مع العلم بأن استمرار مصر فيه يحول دون تحقيق ذلك. في الوقت ذاته الذي نرى فيه قوى وافدة جديدة على المنطقة تحاول لعب دور فعال، ويستوجب عليها إزاحة القوى التقليدية بقدر ما. وقد يشارك في ذلك دول تعتبرها مصر حليفة لها، حيث أن استعادة دور مصر بشكل نشط وفعال سيؤثر على توازن هذا التحالف الحالي لغير صالح هذه القوى. كما أن السياسات المصرية الحالية تبعد أسهم النقد عن هذه الحكومات، وتقصره على النظام المصري دون غيره، وهذا الخطاب هدفه الأساسي هو استبعاد مصر من الساحة العربية بشكل أو بآخر.

إلا أن الخطورة تكمن في التداخل الذي يحدث بين الخطابين، بربط موضوعات لا يستقيم ربطها: مثل موقف النظام من غزة وفريق كرة القدم المصري، والدعوة لمقاطعة الشركات المصرية بسب إقامة النظام المصري لجدار على الحدود المصرية الفلسطينية، أو اتخاذ مواقف سلبية تجاه أعمال أدبية مصرية على أرضية خلاف مع ممارسات النظام المصري. إن هذا الخلط الذي أصبح يستدرج أصحاب خطاب الاستدعاء إلى أرضية خطاب الاستبعاد، سواء عن غير عمد أو على سبيل تبرئة الذمة، هو ما جعل الكثيرين في الداخل المصري غير قادرين على التفريق ما بين الخطابين. هذا التداخل يمثل الخطر الحقيقي على علاقات الشعوب، والذي لا بد أن يدركه من يرغب في استدعاء الدور المصري في المنطقة العربية، ومن يؤمن بدور إقليمي لمصر في الداخل المصري، حتى لا يقع الطرفان ضحية الخطاب الاستبعادي. فعلى الطرفين أن يدركا أهمية كل منهما للآخر: فالمصريون في الداخل يحتاجون إلى الدعم الإقليمي، ومن يرغبون في دور مصري فعال إقليميا يحتاجون إلى من هم في الداخل المصري لإحداث تغيير حقيقي في طبيعة النظام القائم حاليا. وعلى الطرفين مواجهة الخطاب الاستبعادي، الذي يسعى لتحقيق مصالح دول أخرى على حساب علاقات إستراتيجية تربط مصر بالمنطقة العربية.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: