شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

الاحتقان الطائفي أزمة مجتمع أم أزمة دولة؟

محمد العجاتي

السفير

15 أغسطس 2009

لم يعد يمر أسبوع بمصر حتى نسمع عن حادث عنف طائفي في بقعة من بقاع مصر، حتى أصبحت أي مشاجرة عادية بين أي مسلم ومسيحي مرشحة لأن تتحول إلى معركة وجود، تستخدم فيها أعتي الأسلحة وتزهق فيها الأرواح. على الطريقة السينمائية، يمكننا تصور نفس المشهد في مصر في فترات زمنية مختلفة، المشهد لبناء كنيسة في قرية أو منطقة من المناطق العشوائية في القاهرة. في الستينيات، سيكون المشهد جزءاً من  فيلم رومانسي يشبه أفلام عبد الحليم حافظ، يسود فيه التعاون بين أبناء المنطقة في إتمام هذا البناء، مع امتعاض و كيد من بعض المسلمين ضيقي الأفق، المماثل لدور العزول في هذه الأفلام. نفس المشهد في الثمانينيات سيتأثر بأفلام النجم عادل إمام، إذ سنرى ضيقي الأفق ذاتهم يحتشدون لجمع تبرعات لبناء جامع مواجه للكنيسة، على أن تكون مئذنته أعلى من تلك المقابلة ذات الصليب. أما الآن، فعلى غرار موجة أفلام العنف التي تجتاح السينما المصرية، سيكون المشهد من نوع “الأكشن”. فستخرج جحافل الإيمان لحرق المواد التي سيتم  بها البناء أو هدم ما تم بناءه بمعاول الإيمان. هذا التطور قد يدفع البعض إلى توجيه اللوم للمجتمع الذي أصابه التعصب الديني، ويتعمق البعض ليحيل أسباب هذا التعصب إلى الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وما يتعرض له المواطن المصري من قهر على مختلف الأصعدة، مضيفين إلى ذلك تزايد الناعقين بالتطرف والتعصب في مختلف وسائل الإعلام. ومع التسليم بصحة هذه المقولات إلا أن الأمر يتطلب النظر للمسألة في سياقاتها المختلفة.

لا يستطيع أحد إدعاء أن هذا الوضع هو وضع جديد على المجتمع المصري؛ و إنما يمكن بمراجعة تاريخية سريعة أن نجد فترات زمنية أخرى شهدت احتقاناً على أساس ديني أو طائفي في مصر؛ إلا أنه منذ ثورة 1919 -والتي احتوت الشعب المصري بكافة طوائفه- ومن بعدها النضال ضد الاستعمار، وصولاً للفترة الناصرية بما حملته من مشروع قومي، توارت بل كادت هذه المشكلة أن تختفي؛ حتى العام 1972 والذي شهد أول حادث عنف على أساس ديني بعد طول غياب، وهو حادث منطقة الخانكة بالقاهرة، حيث قررت الدولة إلغاء القداس الثاني بجميع كنائس القاهرة، وتوترت الأجواء حتى وصلت على حرق أحد الكنائس. إلا أن الكثير من المحللين يرون أن هذه الحادثة كانت مدبرة لإلهاء الشعب عن قضية الحرب المؤجلة في هذا العام، ومقدمة لاستدعاء التيار الديني لمواجهة القوى اليسارية والناصرية -التي كانت تسيطر على الشارع المصري آنذاك. وقد لعب السادات وجهاز أمنه بهذه الورقة طويلاً؛ إلى أن تفجر الوضع في وجههم في أحداث الزاوية الحمراء في العام 1981 والتي أعقبتها موجة اعتقالات واسعة للمنتمين للجماعات الإسلامية، وانتهت باغتيال السادات في العام ذاته. ليبدأ النظام المصري في المواجهة الأمنية العنيفة للتيارات الدينية، مصاحباً ذلك بخطاب ديني يزايد على خطاب تلك الجماعات؛ مما قاد المجتمع كله إلى أرضية دينية يتفوق فيها أصحاب الصوت العالي والمتشنج؛ حتى وصلنا لمرحلة يتفق فيها أعضاء الحزب الحاكم والتيارات الإسلامية في الحجر على حرية التعبير، وأبرز الأمثلة قضية نصر حامد أبي زيد الذي كفره الإسلاميون و”باعته” الحكومة عند أول منعطف. بل وصل ذلك إلى حد التحالف بينهما ضد أطراف من داخل السلطة مثل ما حدث مع وزير الثقافة بعد تصريحاته التي انتقد فيها ظاهرة الحجاب.

لكن هل تعد هذه الحالة حالة فريدة في مصر دون نطاقها الإقليمي؟  بإلقاء نظرة سريعة على المنطقة العربية، سنجد قضية الأقليات موضع تفجر على امتداد الوطن: من الأكراد في شمال العراق، إلى الأمازيغ في المغرب العربي، مروراً بأقليات عرقية و دينية و ثقافية أخرى على امتداد المنطقة، تنامي تذمرها تدريجياً وسط أعمال قمع وتجاهل من قبل بعض الأنظمة العربية، التي كانت تخشى أن ترفع هذه الأقليات سقف مطالبها لحد المطالبة بالانفصال. وعلى الرغم من خصوصية الخطاب لكل إقليم في المنطقة فيما يخص طبيعة ووضع الأقليات فيه، إلا أنه على مستوى مظاهر التمييز ومطالب الأقليات، و قبل ذلك تحليل طبيعة العلاقة بين هذه الأقليات والمجتمع، سنجد تشابهاً كبيراً بين الحالات المختلفة. ومطالب الأقليات تبدأ من المساواة مع نظرائهم، لتصل إلى حد المطالبة بالانفصال، مروراً بحق تقرير المصير. في منطقتنا العربية، تتنوع كذلك المطالب، لكن المطلب الأعلى صوتاً حتى الآن هو المطلب البسيط بحق المواطنة، وهو ما ينكره عليهم كثير من السياسيين في منطقتنا، بل يدعون أنها قضايا مفتعلة، وهو رأي لا يمكن لأي باحث منصف تبنيه.

 إن الوضع الاقتصادي المتردي والأزمة الفكرية والعقائدية الحادة التي تعاني منها المنطقة، تغذي ظاهرة التعصب لدى كثير من المجتمعات، ويجعلها غير قادرة على إقامة علاقات سياسية ذات طابع قومي، يستوعب التمايز من دون أن يلغيه. كما أن البعد الإقليمي ليس غائباً عن هذه القضية، فالمسألة تزداد تعقيداً مع اشتباك هذه الأقليات بصراعات إقليمية، وأبرز الأمثلة في منطقتنا هو ما تعرض له الشيعة مع قيام الثورة الإسلامية في إيران في نهاية السبعينيات، والذي عاد للظهور مرة أخرى بانقسام المنطقة لمحوري الاعتدال والممانعة. أما عن العامل الخارجي، فقد جاء مفهوم صراع الحضارات الذي طرحه هنتجتون كمصدر أساسي لتفجير قضية الأقليات، فتم تقسيم العالم وفقاً لهذه النظرية إلى مناطق جيو- إستراتيجية، ثم تم اختزال هوية كل منطقة  في البعد الديني فقط دون غيره،  فبات كل من ينتمي إلى دين مخالف في منطقة يُنظر له كطابور خامس.

 أما الكيان الصهيوني فوجوده في المنطقة في حد ذاته يمثل تفجيراً لقضية الأقليات، خاصةً مع أطروحة الدولة اليهودية التي يركز عليها هذا الكيان حالياً. فوجود دولة لأقلية دينية في قلب المنطقة، تمارس العنف والعنصرية، يعزز ثقافة التمييز، ويكرس مفهوم السلطوية، ويفقد الأقليات مصداقيتها. أضف إلى ذلك دورها المشبوه في تأجيج  قضايا الأقليات من الأكراد إلى الأمازيغ. فهناك مشروع إسرائيلي، يرمي إلي تفكيك المنطقة عبر بوابة “الأقليات”، عبر عنه موردخاي نيسان في كتابه “الأقليات في الشرق الأوسط: تاريخ من الصراع والتعبير عن الذات”؛ ونيسان هو أستاذ جامعي إسرائيلي له تشابكاته الأمنية والسياسية، والكتاب يطرح مشروعه  للأقليات في المنطقة باستلهام روح إسرائيل في إنشاء دولهم المستقلة من خلال مفهوم جديد هو “الصهيونية الممتدة”  Ultra-Zionism وهو ما يعني إنشاء شبكة متكاملة من العلاقات تكون فيها إسرائيل هي المحور، والأقليات الأخرى هي الأطراف، بحيث يصبح هناك أكراد صهاينة، وموارنة صهاينة، ، وأقباط صهاينة إلخ…

كل العوامل السابقة تعد عوامل مفجرة لـ قضية الأقليات في المنطقة، ومن الضروري إذن العمل فوراً على إلغاء مظاهر التمييز وإصدار القوانين المناهضة له، كتعامل سريع مع أعراض هذا المرض. إلا أن المرض ذاته سيظل كامناً لحين استكمال بناء التكامل الوطني والقومي في المنطقة على أساس مبدأين الأول الديمقراطية والمواطنة، والثاني مفهوم متطور للعروبة يمكنها من أن تكون الهوية الجامعة لمختلف المكونات التي تعيش في هذه المنطقة.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: