شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

الدور الإقليمي المصري والمعادلات المقلوبة

محمد العجاتي

السفير

شهدت التوجهات الخاصة بالسياسة الخارجية المصرية عدة تغيرات على مدار الخمسة وعشرين عاما الأخيرة، وتحديدا منذ تولي الرئيس مبارك مقاليد الحكم في مصر. فقد بدأ الرئيس مبارك فور وصوله للحكم بإصلاح الكثير مما أفسدته معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية على المستوى الخارجي، دون تراجع عن نهج السلام مع إسرائيل الذي بدأه السادات. فقام بإعادة العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، بل وقام بزيارة لموسكو في منتصف الثمانينيات، تمكن خلالها من كسر الحاجز الثلجي الذي خلقه السادات بتعامله غير اللائق مع الاتحاد السوفيتي، وفقا لتعبير الدبلوماسيين السوفيت آنذاك. كما كان أهم هذه الإصلاحات هو إعادة العلاقات العربية -المصرية، وكم كانت مؤثرة تلك اللحظة التي خرجت فيها الفنانة وردة الجزائرية أمام أول اجتماع على مستوى الوزراء العرب -في حفل ساهر أقيم في ختام اجتماعاتهم بالقاهرة بعد عودة العلاقات- لتغني أغنيتها الشهيرة “وحشتوني”، في إشارة للغياب العربي عن مصر لعدة سنوات. وبلغ هذا التقارب المصري العربي أوجه بإعلان مجلس التعاون العربي في العام 1989، والذي ضم مصر والأردن والعراق واليمن، حيث بدا أن التنسيق بين الدول الأربعة يسير بشكل جيد، إلى أن جاءت التسعينيات ببدايتها الكارثية: من غزو النظام العراقي للكويت، وسقوط الاتحاد السوفيتي، ومحاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا، والتي تزعم الأجهزة المصرية تورط السودان في التخطيط لها. فكانت العودة للحضن الأمريكي هي الحل الوحيد الذي رآه النظام المصري حلا لمشكلاته على عدة مستويات: فعلى مستوى السياسة الداخلية، كان النظام يبحث عن مصدر للحفاظ على شرعيته –أو بمعنى أدق- الحفاظ على أمنه. وعلى المستوى الاقتصادي، كان إلغاء ما يقرب من نصف الديون الخارجية لمصر كمكافأة لها على المشاركة في حرب تحرير الكويت تحت المظلة الأمريكية مخرجا من الأزمة الاقتصادية. وأخيرا على المستوى الإقليمي، بلعب دور الوسيط في كافة قضايا المنطقة كطريق لدور نشط بالمنطقة يحفظ العلاقات مع الولايات المتحدة بعيدة عن التوتر. إلا أن التوتر ما لبث أن حدث مع أحداث 11 سبتمبر 2001، وإن ظل هذا التوتر هو مصدر التفاوض بين الطرفين، فعلى سبيل المثال ظلت الولايات المتحدة تضغط على مصر بحجة الديمقراطية وحقوق الإنسان، فتتجاوب مصر بلعب دور في غزة بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية، فتتراجع الولايات المتحدة عن ضغوطها، بل وتدعم النظام المصري. وفي هذا الإطار بدأت مصر في تكوين محور في المنطقة العربية هو محور الاعتدال، والذي تعتبره طبقا لهذا النهج نوع من  الوساطة المصرية بين المنطقة والولايات المتحدة.

هذه الوضعية خلقت عدة معادلات مقلوبة ترسم دور مصر الإقليمي: أولها يقوم على أن تحقيق النفوذ يتأتى من خلال تحقيق المصالح، بينما المعادلة الصحيحة تستوجب بناء نفوذ وترسيخه، سواء عن طريق القنوات الدبلوماسية أو المدنية أو من خلال ما يطلق عليه القوى الناعمة من فنون وآداب، لتتمكن من تحقيق مصالح الدولة في محيطها الإقليمي.

والمعادلة الثانية هي أن الدور يحدد بناء على إمكانية استخدامه كورقة تفاوض مع الدول الكبرى، وهو ما يجعل السياسة المصرية تركز على مصالح أطراف أخرى سواء لإرضائها أو لتهديد مصالحها لتلجأ للنظام المصري. وفي الواقع العملي، يجب أن تكون فاعلا وذا دور بارز في المنطقة، ومن هنا تكتسب قوتك التفاوضية؛ أي أن الدور الفاعل يمكن من امتلاك أوراق تفاوضية أقوى، وليس امتلاك أوراق تفاوضية هو ما يحدد فاعلية الدور.

المعادلة الثالثة أن لعب دور الوسيط في قضايا كما القضية الفلسطينية أو اللبنانية ينشط الدور المصري في المنطقة . والحقيقة أن الدور في المنطقة هو الذي يمكنك من لعب دور الوسيط فبدون نفوذ حقيقي يكون دور الوسيط مهددا دائما وعرضه للتجاوز أو التجاهل وهو ما يفسر البطء في تقدم  المصالحة الفلسطينية.

المعادلة الرابعة هي تلك التي تعتمد بناء المواقف بناء على التحالفات أو المحاور التي تعتبر مصر جزء منها وفي الواقع أن تحالفات أي نظام سياسي يجب أن تقوم على توافق الروئ وبالتالي تقارب المواقف. أي أن الموقف يحدد الحليف وليس الحليف من يحدد الموقف. وللأمانة هذه المعادلات الأخيرة هي سمة عربية إذ لا يتميز بها النظام المصري عن غيره. ولعل الموقف الفرنسي في غزو العراق أو الموقف التركي خلال حرب غزة، حيث رأيناهما بناء على الموقف يحددون من الحليف في هذا الوقت أو المرحلة ولم يؤثر ذلك على تحالفاتهم الإستراتيجية.

هذه المجموعة من المعادلات المقلوبة حولت مصر من دبلوماسية الفعل الذي يقوم على اتخاذ المبادرات والتحرك في ساحات النظم والمجتمعات العربية إلى دبلوماسية الحديث التي تقتصر على النصح والإرشاد والوساطة. هذا التحول هو ما أدى إلى تراجع الدور المصري في المنطقة العربية خاصة مع بروز قوى تمارس الفعل في المنطقة، الفعل السياسي والاقتصادي والثقافي بل وأحيانا العسكري، جاء في معظمه على حساب الدور المصري في المشرق كما في الجنوب والمتمثل في السودان، أو في منطقه المغرب والتي كانت تعتبر مصر تاريخيا هي الرابط لها بالمنطقة العربية خاصة من خلال دورها الثقافي. وفي ظل هذه الوضعية تحولت السياسة الخارجية المصرية مثل باقي الأبعاد السياسية إلى أداة للحفاظ على النظام القائم وليس أداة لتحقيق مصالح الدولة.

 

 

 

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: