شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

مصر بين مشهدين: المهادنة والاحتجاج

محمد العجاتي

السفير

2009

بدا المشهد المصري محبطاً لكثير من المتابعين خلال الحرب الأخيرة على غزة والموقف الرسمي منها. بدا المشهد لنظام مهادن للإمبريالية ومطبع مع إسرائيل، مشهد لنظام لا يقوم بعمليات خصخصة فحسب بل ينتزع حقوق العاملين والطبقات الوسطى والشعبية، نظام بوليسي وأمني يتوحش يوم بعد يوم. في المقابل بدا المجتمع في مشهد يتفاقم فيه العنف واللامبالاة خاصة على المستوى السياسي. إلا أنه من يُدقق في المشهد المصري في السنوات الأخيرة سيلاحظ حالة السخط العامة التي تتحول لموجة من الاحتجاجات التي تسود المجتمع بعد فترة طويلة من الركود في الشارع السياسي المصري. فقد شهدت فترة التسعينيات في مصر أفولاً للتنظيمات السياسية التقليدية، فتراجعت أطروحات الوفد الجديد، وتم استيعاب قوى اليسار وعلى رأسها حزب التجمع في معركة الدولة ضد التيارات الجهادية، كما تم تفجير الصراع الداخلي داخل الأحزاب، ومن ثم حل حزب العمل الذي كان في تحالف مع جماعة الإخوان المسلمين، في الوقت الذي ظهر فيه الحزب الناصري -الذي كان يعول عليه الكثيرون- منقسماً على ذاته منذ اللحظة الأولى بسبب صراعات على الزعامة، وفي ذات الفترة  ضُربت القوى الجهادية بسيف الأمن المصري. وقد اتسمت هذه الفترة بما يمكن أن نطلق عليه “فترة حيرة ما بعد حرب الخليج الثانية”، فدور مصر في هذه الحرب، وما صاحبه من إسقاط لجزء كبير من الديون الخارجية، أدى إلى انتعاش واضح في الاقتصاد، كما بدأت السلطة في تبرير موقفها بخطاب قومي تزايد به على المعارضين، مع مصاحبة ذلك لمساحة من الديمقراطية للتيارات السياسية غير العنيفة في مواجهة السلاح الجهادي في الشارع المصري. هذه الأجواء سمحت بخروج الإخوان من عباءة الأحزاب، وإعادة بناء الجماعة بشكل مستقل، كما بدأت بعض المجموعات اليسارية والقومية في التشكل خارج الأطر القائمة آنذاك.

بدأت الألفية الثالثة بحدثين إقليميين مهمين: الأول هو تحرير الجنوب في لبنان، بما مثله ذلك من إلهام للشعوب العربية والانتفاضة الثانية بما حملته من تأثير على المشاعر الشعبية. ليبدأ الحراك في مصر بمظاهرات دعم الانتفاضة، من الجامع الأزهر و من أمام الجامعة بقيادة اليسار وحزب العمل، بمن فيه من بقايا الإخوان.  وبدأت لجان المقاطعة مع إسرائيل تنشط من جديد، ودخلت النقابات المهنية على الخط، كما تشكلت اللجنة المصرية لدعم الانتفاضة، والتي كان لها دوراً بارزاً في جمع التبرعات وتوقيع العرائض وتنظيم التظاهرات. وبلغت هذه المرحلة أوجها بالمظاهرات التي خرجت في 20 مارس 2003 ضد غزو العراق، والتي بلغت في القاهرة فقط ما يقرب من أربعين ألف متظاهر، صاحبها قمع واعتقالات للنشطاء.

ثم جاء التحول مع العام 2004، باقتراب الانتخابات الرئاسية والحديث عن توريث الحكم لنجل الرئيس. ومن رحم حركة التضامن مع فلسطين والعراق نشأت كفاية ومثيلاتها من التنظيمات، التي ركزت على قضية الديمقراطية الداخلية، وبرز شعار “لا للتمديد لا للتوريث”، مما دفع البعض لتسمية هذه المرحلة بمرحلة “كفاية و أخواتها”. وقد اتسمت هذه المرحلة بالانفتاح على كل التيارات السياسية، وبروز قوى جديدة مثل حزب الغد و رئيسه أيمن نور، وعودة قوى قديمة مثل الإخوان. أما أحزاب المعارضة التقليدية، فقد حاولت هذه الأخيرة التواجد، ولكنها اكتشفت سريعاً أن الحركة تتجاوز الخطوط الحمراء التي تفرضها هذه الأحزاب على نفسها، كانتقاد رأس السلطة، وهو العامل الذي أصاب كذلك حركة الإخوان ببعض الارتباك في هذه المرحلة.

 وسرعان ما برز في هذا الإطار حركات الاستقلال النقابي، من مهندسين وصحفيين ومحامين وقضاة. وقد  أبدت الحكومة وجهاً متسامحاً مع هذه الاحتجاجات و المظاهرات، لإظهار الشكل الديمقراطي للعملية الانتخابية حتى عشية انتخابات مجلس الشعب أيار 2005، عندما عادت لسياسة القمع، التي وصلت إلى التحرش بالنساء المعارضات في شوارع القاهرة. إلا أن أهم ما خلفته هذه المرحلة، هو انتزاع حقوق كانت مسلوبة من الشارع المصري، مثل حق التظاهر، وما تبع ذلك من نشر ثقافة الاحتجاج على مستوى المجتمع. الأمر الذي أدى إلى الانتقال إلى المرحلة الثالثة، ما بعد انتخابات الرئاسة في 2006.

ارتكزت المرحلة الثالثة على احتجاجات مطلبية اجتماعية، أهم ملامحها تنوع الفئات الاجتماعية المشاركة فيها: بدءاً من الفئات التقليدية، مثل عمال الصناعة وعمال الخدمات، إلى مهنيين كالمدرسين، والأطباء، وصولاً إلى فئات جديدة مثل الموظفين، والمدونين، والعمالة غير المنتظمة كسائقي سيارات الشحن. بدأت هذه المرحلة بهبات شعبية للمطالبة بالخبز أو الماء، و تبلورت من خلال حركات تحسين الأجور وساعات العمل، ومواجهة تعديلات وقرارات حكومية تراها الفئات المعنية ضارة بها، لتصل في النهاية إلى محاولات من هذه الفئات لبناء تنظيماتها الخاصة، سواء من خلال تشكيل الروابط، مثل سائقي دراجات النقل البخارية “التوكتوك” بالإسكندرية، أو إعلان موظفي الضرائب العقارية لأول نقابة مستقلة على مستوى الجمهورية.

كما أن البعد القومي لم يكن غائباً خلال هذه المرحلة، فقد شهدت هذه الأخيرة أيضاً المظاهرات الصاخبة التي خرجت دعماً للبنان في حرب تموز. كما أعادت حرب غزة النشاط للجنة الشعبية، وبدأت قوافل الإغاثة تنطلق لغزة، كما أصبحت القاهرة غير الرسمية مركزاً للدعم اللوجستي ولمعلوماتي للأطباء والنشطاء الأجانب القادمين للتضامن. وشهدت كذلك رفع قضية لإيقاف تصدير الغاز المصري لإسرائيل، وهي القضية التي مازالت منظورة أمام القضاء الإداري، وباتت جلساتها مناسبة لمناهضي التطبيع للترويج لأفكارهم، سواء أمام المحاكم أو في الإعلام.

كما يتضح أن المرحلة الأخيرة تميزت بغياب القوة السياسية التي يمكنها الالتحام بهذه الحركات، سواء لعدم القدرة مثل اليسار، أو لعدم الرغبة مثلما في حالة الإخوان المسلمين والأحزاب التقليدية؛ مما أفقد تلك الحركات الكثير من الفاعلية،  حيث غابت الخبرات النوعية في العمل السياسي، وانعزلت تلك التحركات عن بعضها البعض. الأمر الذي لا يضمن أي مكاسب تمكنت هذه الحركات من تحقيقها في الفترة الأخيرة. إلا أن هذا الغياب له كذلك ميزاته، أهمها بناء هذه الحركات على تجارب حية، و إفرازها لكوادر مرتبطة بالمجتمع، بالإضافة لتخلصها من أمراض التنظيمات السياسية المصرية من الاستبعاد للآخر والصراعات على الزعامة. كما أن بعدها عن التنظيمات السياسية مكنها من انتزاع حقوقها من السلطة، التي كان من المنتظر أن تكون أكثر تشدداً في مواجهة التنظيمات السياسية.

 وهنا يمكن للقوة السياسية التقدمية أن تلعب دوراً -بقدراتها المحدودة- عبر دعم هذه التنظيمات مع الحفاظ على استقلاليتها، و من خلال ربطها ببعضها البعض عبر فعاليات تمكنهم من تبادل الخبرات، وأن تمارس دورها في تنمية الوعي المجتمعي بأهمية الربط بين القضايا القومية والحركات المطلبية كأساس لعملية التغيير في مصر.

 

 

 

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: