شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

اليسار والحركة السياسية المصرية: غياب أم تغير في الدور؟

محمد العجاتي

السفير

2009

أين اليسار المصري؟ سؤال يردده الكثيرون على الساحة السياسية في مصر والوطن العربي، ويطرح التساؤل في إطار إما تأكيد انتهاء دور اليسار، أو التحسر على غيابه منطلقين من غياب الأحزاب اليسارية الشرعية عن الساحة المصرية، وقلة عدد النواب والممثلين السياسيين له، بل وخفوت صوته الثقافي في وسائل الإعلام الرسمية. إلا أن من يريد أن يقيم دور وفاعلية اليسار المصري بشكل واقعي عليه الرجوع إلى دوره في الحركات الاحتجاجية التي أصبحت ظاهرة منتشرة وهامة في مصر في السنوات العشر الأخيرة، حيث انه هناك الموقع الحقيقي لليسار الذي يجب على أسسه تقييم دوره. ويمكننا هنا تحديد ثلاث حركات هامة أسسها اليسار خلال تلك الفترة وهي اللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني، والمجموعة المصرية لمناهضة العولمة والمعروفة باسم أجيج، وحركة 20 مارس للتغيير. يجمع الحركات الثلاث الكثير من السمات المشتركة، على رأسها أنها جميعاً تأسست كرد فعل على السياسات الاستعمارية تجاه المنطقة العربية، سواء بشكل مباشر كالعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني أو الحرب الأمريكية على العراق، أو بشكل غير مباشر كالسياسات الاستعمارية الجديدة للعولمة، ولكن من الجدير بالذكر أن تلك الحركات استغلت العامل الخارجي كمدخل لاحتجاج على أوضاع داخلية أو سياسات قائمة. فاللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني انطلقت مع انتفاضة الثانية للشعب الفلسطيني في العام 2000،  حيث شكلت القضية الفلسطينية دائماً هماً وجزءاً لا يتجزأ من القضية الوطنية المصرية بالنسبة لتيارات اليسار المصري، من ناحيتين: أولاً رفض اليسار المصري لوجود الكيان الصهيوني في المنطقة العربية بوصفه استعماراً استيطانياً عنصرياً يهدد الأمن القومي المصري، ومن ناحية أخرى دعم الشعب الفلسطيني، باعتبار أن ما يعانيه هو جزء من القضية الوطنية المصرية، و هم إنساني عام. فبعد أسبوع تقريباً من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في أواخر عام 2000، أعلن اليسار المصري تضامنه معها، وكان الهدف تنظيم دعم المواطن المصري للشعب الفلسطيني، من خلال التوقيع على عرائض الاحتجاج على الوجود الصهيوني، التوقيع على عرائض تساند مطالب الانتفاضة الفلسطينية محلياً وعالمياً، تنظيم قوافل الدعم المادي والإغاثة للشعب الفلسطيني تتخذ شكل المسيرات الشعبية لتصل إلى أماكن تسليمها، وإيجاد آليات لاستمرار حركة المقاطعة من أجل الضغط على الحكومة وغيرها من الأطراف الآخذة في التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل والصهاينة، كافة هذه التحركات كانت الأساس لعودة ظاهرة الاحتجاج إلى الشارع المصري بعد فترة غياب منذ حرب الخليج الثانية في مطلع التسعينات.

أما عن حركة 20 مارس من أجل التغيير فقد اتضحت فيها بصورة أكبر تلك المزاوجة بين العوامل الداخلية والخارجية. فقد انطلقت الحركة من تظاهرات الجماهير المصرية الغاضبة ضد الحرب على العراق التي منحت حالة من الثقة لدى نشطاء اليسار في ضرورة وجود لافتة مُجمِعة لليسار لتعبئة الجماهير في أنشطة تهدف للتغيير، ورغم عدم اكتمال التجربة إلا انه كانت نواة هامة في تشكل حركة كفاية لاحقا.

أما عن المجموعة المصرية لمناهضة العولمة  فهي تجمع لنشطاء أفراد تهدف للنضال ضد العولمة في مصر، وتسعى لتطوير هذا النضال وتوسيع رقعته“. بدأت أجيج بمبادرة محدودة في خريف 2001، ونجحت في فترة قصيرة  في توسيع دائرة نشاطها.  بدأت أجيج كجزء من حركات مناهضة العولمة الدولية، و هي ليست لها برنامج سياسي أو أيديولوجية بالمعنى الكلاسيكي الموجود لدى الأحزاب السياسية، فهي مجموعة ضمت كافة أطياف النشطاء على اختلاف توجهاتهم من المتعاطفين فكرياً مع اليسار. وقد ساهمت المجموعة في تطوير وسائل الاحتجاج في مصر وربطته بنضالات عالمية و إقليمية دعمت الداخل في تحركاته المختلفة.

إن الحديث عن غياب اليسار عن الحركة السياسية المصرية هو حديث به قدر كبير من التبسيط ، فعدد ممثلي التيار في المجالس التمثيلية قد يكون محدوداً، إلا أنه خلال السنوات العشر الأخيرة كان اليسار محركاً أو رافداً أو محفزاً بدرجة ما للعديد من التحركات الاحتجاجية في مصر، وهو ما يعنى عودته للساحة بعد فترة خمول وغياب.

فعلى مستوى البنية، شهدت الحركات السابقة تطوراً دائماً، مرتبطاً بواقع الأحداث والتطورات التي شهدها المجتمع المصري. بالإضافة لذلك، كان هناك قدر كبير من الابتكار التنظيمي الذي مكن من استيعاب فئات عدة في هذه الحركات، وزاد من القدرة على العمل في ظل القمع الذي قد تواجهه، وقدمت نموذجاً ديمقراطياً منفتحاً للعمل السياسي. كما أن الأنشطة التي قامت بها هذه الحركات على المستوى المحلي أو الإقليمي -قياساً بعمرها- يعتبر كماً لا بأس به في ظل الحدود المتاحة والممكنة. وقد حركت مثل هذه الأنشطة العديد من القطاعات في المجتمع، وساهمت في تغيير ثقافة الخوف والسلبية التي ظلت سائدة لسنوات طوال في الشارع المصري.

إلا أن هذه الحركات جاءت كلها كرد فعل لأحداث، ولم تأخذ شكل مبادرات عمل جادة يمكنها الاشتباك مع الواقع بشكل إجمالي، والعمل على تطويره أو تغييره. كما ظلت معظم المساهمات على المستوى الفكري نخبوية إلى حد بعيد، فهي تهتم بالمواطن ومشكلاته لكنها لا تخاطبه ولا تشركه في بلورة حلول وبدائل تغيير من واقعه. كما ظلت أنشطتها تقليدية تفتقر للابتكار، فاستخدمت الأدوات التقليدية وكان تطويرها فقط في جانب استخدام التكنولوجي، أما التحركات فظلت تقليدية من مظاهرات، ووقفات احتجاجية، ونشرات و كتيبات.

كان لانفتاح هذه الحركات حدوده أيضاً، فالعمل مع التيارات السياسية الدينية -وخاصةً الإخوان المسلمين- كانت قضية محل خلاف دائم، وكانت النقاشات والسجالات في هذا الموضوع مصدرا للتوتر واستنزاف الطاقات داخلها. أما العلاقة مع السلطة فطبيعة اليسار كانت غالبة، إذ أن الرأي الغالب كان العمل من أجل التغيير و ليس الإصلاح؛ وعلي هذا الأساس، كانت العلاقة من جانب هذه الحركات علاقة تصادمية بالسلطة معظم الأوقات، أما على الجانب الآخر –السلطة- فقد انتهجت إستراتيجية ترك الحبل لهذه الحركات على استقامته مع الضرب بقوة عندما تحاول هذه الحركات تخطي الخطوط الحمراء.

يظل العائق الرئيسي أمام حركات الاحتجاج المرتبطة باليسار في مصر هو حالة التفتت الذي يعيشها هذا التيار والخلافات التاريخية بين تنظيماته المختلفة، وغلبة مصلحة التيارات السياسية المختلفة داخله على مصلحة الحركة والعمل المشترك. ولا يجب أن نغفل أن كثيرا من قيادات هذه الحركات تعمل من خلال خبراتها التاريخية المستمدة من العمل السري، رغم علنية هذه الحركات وحاجتها لخبرات من نوع آخر. ويبقى غياب أي تراكم على مستوى التنظيم هو المعوق الأساسي أمام هذا التيار للتفاعل مع الواقع، مما يجعل الحركات الخاصة به في حالة مد وجزر بشكل دائم.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: