شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

من مباراة مصر والجزائر إلى فهم العروبة

محمد العجاتي

السفير

نوفمبر 2009

تحتل تداعيات مباراة مصر والجزائر مساحة واسعة من الجدل العام، ليس فقط في البلدين المعنيين، و إنما كذلك على  طول امتداد المنطقة من الخليج وحتى المغرب العربي. فلم أتواصل أو التفي بأي صديق أو زميل من أي بلد عربي منذ 18 نوفمبر إلا وكان الحديث حول المباراة -وما كان قبلها وما صار بعدها- محط اهتمام و تساؤل من الجميع. و على الرغم من كل الأصوات غير العاقلة -بل اسمحوا لي أن أصفها بغير المحترمة- التي سادت خلال تلك الفترة، إلا أن إشارة واضحة تأتي وسط ذلك، وهي ذلك الاهتمام في كل المنطقة بحدث لا يخص إلا دولتين، مما يؤكد من جديد خصوصية تلك المنطقة، فلا أخفيكم سرا أن الخلاف المحتدم بين صديقين لبنانيين حول ذات الموضوع أكد لي أن الخلاف المصري الجزائري بات خلافا عربيا- عربيا، مما يؤكد أننا كلنا في الهم شرقا. لن أتحدث هنا عن المباراة، سواء تلك التي جرت على أرض الملعب وكانت الأجمل والأمتع، ولا تلك المقيتة التي حدثت في شوارع مدينة نصر والهرم ضد المشجعين الجزائريين، أو تلك التي تفجرت في تلمسان أو الخرطوم ضد الجمهور المصري، ولا عن الإعلام الأحمق -إن لم يكن موجها- الذي قاد الحملات التي أدت بنا هذه الكارثة؛ ولكن عن المضامين الخاصة بمفهوم العروبة الذي حمله الخطاب حول المباراة، ويمكننا تلخيصه في عدة نقاط: أولا، أن الدور الخارجي لأي دولة في المنطقة هو منحة تقدمها لباقي العرب، ويظهر ذلك من مقولات يقدمها الإعلام متفضلا بما قدمته دولته للعرب من دعم أو مساندة، أو شخصيات بارزة تاريخيا، أو انتصارات في حروب خاضتها تلك الدولة. وعلى النقيض نرى الرأي الآخر من إعلام منافس يركز على الدور السلبي لذات الدولة.

 ثانيا، منطق أكثر شوفينية يقدم مقولات من طراز أن الدور الإقليمي في المنطقة لم يجلب إلا الخراب على صاحبه، من خلال الحديث عن الحروب التي خاضتها، ودم أولادها الذي دفعته، ونكران الجميل الذي تلاقيه. ويسارع الرأي المضاد بتفنيد ذلك، بإدعاء أن هذا الخراب لم يكن إلا على المنطقة العربية، إذ لم يكن هذا الدور -في رأيهم- إلا مشروعا توسعيا، نقل إلى باقي الدول التطرف والخراب.

هذا السجال لا يخص مصر فحسب كما يعتقد البعض، بل نجد أن نفس المنطق -مع اختلافات طفيفة-  يتكرر فيما يخص الدور الخليجي بشكل عام- و السعودية بشكل خاص- بينما يطلقه آخرون في مواجهة ليبيا أو العراق، ويستخدم البعض ذات العبارات على سوريا، حتى دول المغرب العربي لم تسلم من مثل تلك الاتهامات، خاصة فيما يتعلق بقضايا المهاجرين أو استخدام اللغة الفرنسية.

 النتيجة الحتمية لهذا المنطق هو طرح إمكانية انسحاب أي دولة من المنطقة، والانكفاء على ذاتها، أو الاندماج في مجموعة إقليمية أخرى، مثل التوجه شمالا نحو أوروبا، أو شرقا نحو آسيا، أو جنوبا نحو إفريقيا؛ وإذا كان من المتعذر إجراء هذا الفصل جغرافيا فليكن ذلك سياسيا، متناسين الدور الأساسي للجغرافيا في تشكيل سياسات الدول، ومتجاهلين كذلك دور التاريخ، الذي يعد عنصر ثابت هو الآخر.

 في الواقع، إن أية دراسة موضوعية لتاريخ المنطقة تكشف بوضوح أن كل ما قدمته دول المنطقة بعضها لبعض، في إطار التضامن العربي، لم يكن إلا دفاعا عن مصالحها أو حماية لأمنها القومي: فالحروب المصرية مع إسرائيل على سبيل المثال كانت دفاعا عن الأمن القومي المصري بقدر ما كانت من أجل القضية الفلسطينية، وهو الوضع ذاته بالنسبة لمواجهات المقاومة اللبنانية مع الكيان الصهيوني . التدخل المصري في اليمن كان لتأمين نظام التقدمي في اليمن ونصرة ثورة شعبه، بنفس قدر حفظ أمن مضيق باب المندب و السيطرة عليه، و هو ما أتى ثماره خلال حرب تشرين. نفس الأمر ينطبق على الدعم الخليجي لمصر في فترات الحروب، أو للعراق في حربها ضد إيران، وكذلك الوضع بالنسبة لسوريا في مواقفها المساندة لحزب الله. فقدر ما قدمت كل دولة للمنطقة بقدر ما استفادت هذه الدول مما قدمته.

المشكلة هنا تبرز في فهم الانتماء العربي في منطقتنا، إذ يعتبره البعض دورا إضافيا تمن به الدول على المنطقة، أو ورقة تفاوضية تستخدم في مواجهة الآخر، الغرب في الأغلب. والحقيقة أن الفهم العروبي ينبع ببساطة من إيمان بأن أقطار هذه المنطقة متفرقة، لا تملك إمكانيات النهضة الاقتصادية والثقافية وبالتالي السياسية، وأن التكامل فيما بينها هو الحل لامتلاك مقومات تلك النهضة التي تستهدف الرقي بحال المواطن العربي من المحيط إلى الخليج على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية؛ وهو ما عبر عنه الفكر القومي التقليدي بمقولة “وحدة المصير” ورغم سوء استخدام هذه العبارة من جانب بعض الأنظمة، أو المبالغة والضبابية التي تسود استخدامه من جانب مبشري القومية العربية، إلا أنها تظل في معناها السابق والبسيط ركيزة أساسية لعروبة هذه المنطقة. وهو ما يدفع معتنقي هذه الرؤية إلى الاعتقاد بأن أية خلافات تظهر هي إما خلافات نظم حاكمة تتعارض مع مصلحة أبناء هذه المنطقة، أو إنها خلافات جزئية وهامشية لابد من حلها بعقلانية وتجاوزها من أجل هدف أهم وأسمى وهو النهوض بهذه المنطقة لصالح مواطنيها لا لصالح حاكميها. ومبروك للجزائر التأهل لكأس العالم كممثل وحيد للعرب.

 

 

 

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: