شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

أزمة البشير وأزمة الفكر العربي

محمد العجاتي

البديل

2 أبريل 2009

ما إن صدرت مذكرة التوقيف لعمر البشير حتى سارعت الأنظمة العربية والأفريقية في إعلان دعمها له، مما دعى القس الجنوب أفريقي، والذي اشتهر بنضاله ضد سياسات الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، على وصف موقف هؤلاء بأنه “مخزٍ”. لم يقتصر هذا الموقف المخزي على النظم فحسب، بل شارك فيه العديد من المفكرين والمثقفين العرب، في المقابل ظهرت الأصوات التي تنتظر بشغف أي أزمة في النظم الحاكمة في المنطقة العربية لتنهال على العروبة بالاتهامات، التي تلصق بالفكر القومي كافة المآسي التي نعيشها. إن هذا الجدل الذي أصبحنا نعيشه في واقعنا العربي مع كل أزمة تمر بها المنطقة إنما يعبر عن أزمة في الفكر العربي، على المهمومين -عن جد- بهذه المنطقة من العالم أن يتعاملوا معها لتخطيها في طريقهم لطرح أي مشروع تقدمي لمستقبلها.

تتجلى هذه الأزمة في الخطاب المتعلق بقضية البشير في ثلاث مظاهر: أول هذه المظاهر متعلق بفهم معنى السياسة وممارستها، فما بين تعريفات سلطوية تكرس الوضع القائم، وتعريفات المعارضة التي تخفض سقف السياسة لتختصرها في كونها “فن الممكن”، والممكن في مجتمعاتنا قليل، فتخفي بذلك خيباتها. نجد الطرفين يفصلان بين ما هو حقوقي وما هو سياسي. فوفقاً لاعتقادهم أنه على المستوى الحقوقي يعتبر ما حدث في شأن البشير أمر محمود، لكنه على المستوى السياسي خطر حقيقي يهدد وحدة السودان، وبالتالي خطر على الكيان العربي ككل، وعلى دول عديدة في المنطقة تعاني من تصدعات في بنياتها الاجتماعية.

في الواقع إن هذا الفصل بين ما هو حقوقي وما هو سياسي إنما هو فصل تعسفي، جمعني عشاء مع مجموعة من الأصدقاء كان من بينهم عضوة في مجلس الشيوخ الفرنسي النائبة “عليمة بومدين”، وكما هو واضح من الاسم أنها من أصول عربية جزائرية، تعرفت بها من خلال مشاركتها المتعددة في حملات التضامن مع الشعب فلسطيني، وعندما طرحت هذه المسألة عرفت السيدة “عليمة” السياسة بأنها العمل من أجل تحسين أوضاع الناس، أي أنها عمل حقوقي في الأساس، يسعى إلى تكريس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية للمواطنين؛ وعليه فالفصل بين المفهومين يعد إهداراً لكليهما، وفرضاً لقانون القوة على حساب قوة القانون.

أما ثاني هذه المظاهر، هو ما نتهم به الغرب دائماً من ازدواجية في المعايير، إذ أن الخطاب القائل بأن الغرب يريد محاكمة البشير ويغفل محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين هو في حد ذاته تعبير عن ازدواجية: فالموقف الصحيح يجب أن يقوم على طلب محاكمة الطرفين، وأن سقوط أحدهما يعني الاستمرار في المطالبة بإخضاع الطرف الآخر الصهيوني لنفس القاعدة، وليس السعي لإيقاف سير العدالة لحين جمع كافة المجرمين في وقت واحد. فما حدث في دارفور لا يقل فظاعة عن ما حدث في فلسطين، بل لعلي أتجرأ على القول أنه إذا أخذنا في الاعتبار نسبة الضحايا مقارنة بعامل الزمن، وإذا نظرنا إلى الطرف المستهدف، وهو في حالة البشير الشعب الذي يحكمه ويعد مسئولاً عنه، أو حسب التعريف السابق للسياسة مسئولاً عن تعزيز حقوقه، فإن ما حدث في دارفور هو أكثر بشاعة.

أما على الجانب الآخر فنرى الازدواجية واضحة فيمن يطرحون ضرورة القطيعة مع كل ما هو عربي أو كل ما له صلة بالعروبة، سواء فكرياً أو مؤسسياً، ويذكروننا بمهرجانات الشعر والثقافة التي يشارك فيها المثقفون العرب في دول تعاني شعوبها من القهر، بينما أصحاب هذه المقولة الذين ينتقدون في أحيان أخرى الغرب -لا أعرف عن اقتناع أم للحفاظ على مصداقيتهم- نراهم يصولون في جامعاته، ويكتبون في صحفه، ويشاركون في مهرجاناته الثقافية، وكان الأولى بهم -التزاماً بمقولاتهم تجاه ما هو عربي- أن يقاطعوا كذلك ما هو غربي.

أما على المستوى الفكري فتتجلى الأزمة في حالة الكسل الذي عكسته تبسيطات مخلة تتجنب الأسئلة الصعبة المركبة، لصالح أسئلة بسيطة في مواجهة المشكلة. فبدلاً من دراسة التركيب السلطوي في المنطقة، وما خلفه من آثار سلبية وكارثية اكتفي البسطاء بإرجاع ما حدث في السودان إلى ” العنصرية القومية”، في تحليل يخلط العروبة بالنظم السلطوية والدينية، والغريب أن يأتي ذلك من أشخاص في اليسار يحتج ضدهم خصومهم بأن النظم الاشتراكية كانت شمولية وديكتاتورية. وتراهم في هذه الحالة يبدأون في التفكير أو الرد بشكل أكثر تركيباً، يفصل الأيديولوجية عن النظم السياسية. هذه القدرة على الفصل في حالات وإغفالها في حالات أخرى -إذا أضفنا له الخلط المتعمد بين القومية العربية والنظم الثيوقراطية الدينية- يؤكد ليس فقط الكسل الفكري، وإنما كذلك غرض في نفس هؤلاء. أما في حالة المدافعين عن البشير فتظهر هذه الحالة في السؤال البسيط الذي يطرحونه، وهو كيف يمكن حماية البشير للحفاظ على وحدة السودان؟ على الرغم من أن قطاع واسع يستغل هذا السؤال للحفاظ على الأنظمة القائمة وحماية عروش المنطقة، إلا أن هناك قطاع آخر مهموم عن حق بالسودان ووحدته، ولهم في ذلك خالص الاحترام، و أشاركهم رغبة الحفاظ على وحدة السودان؛ ولكن هذا الحديث يهدر حق وواقع: أما عن الحق فهو حق تقرير المصير، الذي يجب أن يكون من أولويات أي أجندة وطنية، بل وقومية تقدمية، فلا يمكن أن يُفرض على شعب أن يعيش تحت سلطة لا يرتضيها ولا يقبلها وتغيب فيها أبسط حقوق المواطنة، فهذه الوضعية أشبه بحالة الرجل الذي يرفض تطليق زوجته التي تطالبه بذلك، بحجة مصلحة الأسرة والأولاد، ففي هذا الواقع تستمر الأسرة لكن دون استقرار ويخرج الأولاد غير أصحاء نفسياً. ثانيا، هدر لواقع يؤكد أن سياسات البشير هي التي هددت وحدة السودان وعززت أوضاعا كان يمكن تداركها بعدة طرق، أهمها تكريس حق المواطنة لجميع مناطق وفئات الشعب السوداني وليس فرض معتقدات ومصالح قطاعات ومناطق على حساب أخرى، وذبحها هذه الأخيرة عند اعتراضها على هذه الوضعية، ويغفل هذا المنطق احتمال أن استمرار البشير بسياساته هو السبيل إلى تمزيق الوحدة السودانية. والسؤال الصحيح في هذه الحالة- ولكنه يحتاج إلى جهد أكبر- هو كيف يمكن الحفاظ على وحدة السودان ما بعد البشير؟ والسؤال الآخر الذي لا يقل أهمية أو حاجة للاجتهاد على المستوى الفكري والعملي، هو كيف يمكن الاستفادة من هذه السابقة لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة على جرائمهم في فلسطين ودول عربية أخرى، وكذلك محاكمة المجرمين الذين مازالوا يجلسون على عروشهم في دولنا، وأيديهم ملطخة بدماء أبناء شعبنا العربي.

 

 

 

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: