شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

الجدار ومشروع التوريث

محمد العجاتي

السفير

16 يناير 2010

صدر ضمن كتاب حال مصر 2010 -عام قبل الثورة

منتدى البدائل العربي للدراسات

بدأ النظام المصري في  نهايات العام الماضي في بناء جدار عازل على الحدود المصرية الفلسطينية، وهو جدار يدعي النظام المصري انه للحفاظ على الأمن القومي المصري، وهو ما أثار معظم أطراف المعارضة المصرية التي بادرت برفع العديد من الدعاوى القضائية ضد الجدار مستندة على عوامل مختلفة منها  تعارضه مع التزامات مصر فيما يخص مبادئ حقوق الإنسان، وكذلك فكرة الحصار على الشعب الفلسطيني في غزة، و تكلفة الجدار وكيفية تدبير المليارات اللازمة له ومصدرها.

وقد صاحب بناء الجدار العراقيل والتعقيدات التي وضعت في طريق قافلة شريان الحياة التي قادها النائب البريطاني جورج جالوي لنقل المعونات لمواطني غزة المحاصرين، كما كانت هناك مسيرة أخرى يشارك فيها حوالي ألف ناشط وسياسي أوروبي و أمريكي تحت مسمى مسيرة الحرية وهؤلاء لم يمنعوا فقط من الوصول إلى العريش بل تم التعامل معهم بمنتهى العنف في شوارع القاهرة ليعطيهم الأمن المصري درسا في الفرق بين النضال في دولهم والنضال في ظل نظم قمعية. لم تكن هذه الأحداث معزولة عما سبقها من هجوم على مفهوم العروبة في ظل التصعيد غير المبرر الذي أعقب مباراة كرة القدم مع فريق الجزائر، والتي خرج فيها نجل الرئيس في التلفزيونات ليعلن انه لا يريد أن يسمع احد يتحدث عن العروبة مره أخرى. وأي متابع للخطاب المصري منذ حرب تموز في لبنان سيجد نبرة حكومية معادية بشكل أو بأخر لمفهوم العروبة، إلا أنها منذ حرب غزة تصاعدت بشكل غير مسبوق يقارب الخطاب الساداتي في نهاية السبعينيات من القرن الماضي.

كان الخطاب المصري قد تغير برحيل السادات إلى حد بعيد في  محاولة العودة للمحيط العربي و شهد مع حرب الخليج الثانية ومشاركة القوات المصرية والسورية والسعودية تحت الراية الأمريكية في حرب تحرير الكويت، وكان على النظام إيجاد خطاب يغطي على هذه المشاركة ذات الأسباب الاقتصادية في الأساس فقد أسقطت تلك المشاركة ما يقرب من نصف الديون المصرية والتي كانت تمثل أزمة حقيقية خلال الثمانينات، فكان تبني الخطاب القومي من جانب النظام ولو كان ذاك على المستوى الظاهري هو الحل الأمثل لذلك. من يراجع مقولات خطاب النظام أثناء هذه الحرب يجده يهاجم صدام حسين من منطق انه خطر على العروبة، وقد أستمر هذا الخطاب لفترة طويلة وظهر جليا إبان الانتفاضة الثانية سواء في خطابات الرئيس مبارك أو وزير الخارجية  آن ذاك السيد عمر موسى و الذي وصل إلى إحداث أزمة دبلوماسية مع الأردن عندما هاجم المهرولين للتطبيع مع إسرائيل بعد اتفاقية وادي عربه بين الأردن و إسرائيل.

وفي ظل هذا الخطاب كان النظام المصري قد اختار أن يمارس في سياسته الإقليمية دور الوسيط على مستويات عدة: الأول هو الوسيط بين دول المنطقة و الولايات المتحدة الأمريكية والثاني بين الدول العربية بعضها وبعض وحل المشكلات العالقة بينها، وحتى على المستوى الداخلي بين الفرقاء في وطن واحد، و أخيرا دور الوسيط في عملية التسوية السلمية مع إسرائيل. وهو ما جعله لفترة طويلة محل رضاء النظم العربية التي كانت ترغب في أن تكون هذه هي حدود الدور المصري دون أن يرضي ذلك الشعوب العربية التي كانت تنتظر من مصر عودة أقوى تشبه تلك التي كانت عليها إبان الفترة الناصرية.

إلا أن هذا الخطاب صاحب تدني شديد في مستوى أداء المؤسسات المصرية تتعلق بأسباب عدة داخلية ترتبط بالوضع الاقتصادي و التعليم لكن من أهمها كذلك صراع النخب ومحاولات انتزاع كل مؤسسة للملفات التي في حوزة الأخرى، مما أدي إلى قيام أكثر من مؤسسة بنفس الدور فأصبحت أكثر من مؤسسة تلعب دور وزارة الخارجية المصرية، أو دور وزارة الاقتصاد على سبيل المثال، وفي هذا الإطار تناست تلك المؤسسات المتنازعة أدوارها الرئيسية فغابت أدوار عدة من على الساحة المصرية، مما أدى إلى  ضعف مؤسسي شامل حيث أن المؤسسات في الدول يجب أن تتكامل وليست محل تنازع، مما يؤدي بالضرورة إلى التضارب في السياسات و نقص الفاعلية بشكل كبير. أضف إلى ذلك أن كون هذا الخطاب كما سبقت الإشارة ظاهريا فقد عول كثيرا على ما يمكن أن يقدمه حلفاء الخارج لهذا الدور ونقصد هنا الطرف الإسرائيلي والأمريكي وفي الحقيقة فأنهما لم يقدما إلى مصر في هذا الإطار شيء يذكر  لتتمكن من النجاح في لعب دور الوسيط وهو ما جعلها بعد أن فقدت دور الفاعل تفقد بالتدريج القدرة والمصداقية  على لعب دور الوسيط. إلا أن ذلك لم يكن معزولا عن الوضع الداخلي فرجال الأعمال الذين يلعبون دور بارز في السياسة المصرية خاصة في السنوات الخمس الأخيرة سواء من خلال الحزب الوطني الحاكم أو من خلال تقلدهم لمناصب وزارية أو من خلال علاقاتهم الشخصية مع المسئولين في الدولة يرون أن مصلحتهم كجزء من النظام الرأسمالي العالمي هي مع الغرب وليس مع العرب وهو ما ظهر من خلال دورهم في اتفاقية المنطقة الحرة المؤهلة والتي بمقتضاها يسمح لصناعة النسيج المصرية من دخول الولايات المتحدة دون التزام بحصص بشرط أن يكون جزء من المكون قادما من إسرائيل، أو اتفاقية تصدير الغاز إلى إسرائيل. الأمر الثاني و الأكثر خطورة هو أن النظام المصري حاول خلال السنوات السابقة أن يحصل من خلال عمليات مقايضة سياسية على ضوء اخضر بتوريث الحكم من جانب الولايات المتحدة التي يعتبرها هذا النظام مصدر شرعيته الأول، إلا أن رفض الولايات المتحدة الدخول في هذا الموضوع جعل النظام المصري يقرر الخضوع لكافة الشروط الأمريكية أملا في الحصول على هذا التأييد.

هكذا يمكننا فهم الجدار في سياقه العام فالجدار ليس لحصار غزة و إنما لحصار مصر عن منطقتها العربية يبنى بشروط أمريكية لصالح مشروع التوريث وحلفائه من رجال الأعمال، في ظل مؤسسات تفتقد للكفاءة اللازمة لإدارة دولة بحجم مصر، والخطر الأكبر أنه يصادر على المستقبل ومحاولات التغيير في مصر سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى  الإقليمي. إلا أن ما يحدث على المستوى الأخر في مصر من حركات احتجاج داخلية سواء في موضوع الجدار أو غيره يؤكد أنه مازال في مصر من يؤمن بمقولة الشاعر أمل دنقل  “آه‏..‏ ما أقسي الجدار، عندما ينهض في وجه الشروق، ربما ننفق كل العمر‏..‏ كي ننقب ثغرة، ليمر النور للأجيال مرة”‏.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: