شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

المؤرخون الجدد والليبراليون الجدد

محمد العجاتي

السفير

الدعوة تتجاوز ما اعتدناه من دعوة لإعادة قراءة التاريخ أي إعادة فهم لما هو مكتوب، إلى إعادة كتابة التاريخ، أي استخدام أدوات جديدة في البحث والتحليل وبالتالي للنتائج. إلا أن هذه الدعوة تواجه تحديات حقيقية أهمها غياب الوثائق اللازمة للقيام بمثل هذا العمل وضرورة الرجوع إلي مصادر لا تعد في مناهج البحث التاريخي مصادر أساسية. إضافة إلى ضعف البحث العلمي بأدواته ومؤسساته في مصر مما لا يمكن من القيام بجهد يقوم على مفهوم التراكم العلمي الذي يبني على ما سبق ويوفر أساس لما هو قادم.

هذه الحالة لا تقف عائقا فقط أمام فكرة إعادة كتابة التاريخ إنما تشكل فرصة للعبث بالتاريخ وتكريس مقولات خاطئة تتحول مع الزمن إلى ثوابت تاريخية، ويحدث ذلك سواء عن جهل أو عن عمد، والحالة الثانية هي الأكثر خطورة، حيث يكتب التاريخ في هذه الحالة لصالح أسر أو قبائل أو تيارات سياسية و الحالة الأخيرة تظهر بوضوح في التاريخ المصري. فكتابة التاريخ في مصر غالبا ما ترتبط بالنظام السياسي القائم مثلما حدث في كتابة تاريخ الأسرة العلوية في العهد الناصري وما تعرضت له من ظلم شديد طال شخصية محمد على مؤسس الدولة الحديثة في مصر. أو ما يحدث الآن من إعادة الهجوم على الفترة الناصرية وتصوير فترة ما قبل الثورة باليوتوبية وهو مرتبط بما يروجه النظام القائم من سياسات نيوليبرالية تحاول خنق أي بدائل أو نماذج تاريخية مغايرة لها، وهو شبيه إلى حد كبير بالهجوم الضاري التي شهدته نفس الفترة التاريخية مع سياسات الانفتاح الاقتصادي في مطلع السبعينيات، وللأسف كثيرا ما ينجر قسم كبير من المثقفين من تيارات سياسية مختلفة إلى هذا الفخ.

ما بين الفترة السابقة للثورة والمرحلة الناصرية هناك كثير من الأمور يجب إعادة البحث فيها بمنهج تاريخي علمي حديث. على سبيل المثال فترة ما بعد النكسة في المرحلة الناصرية ومحولات الإصلاح السياسي والعسكري والاقتصادي والصراع حول هذه الإصلاحات. كما تغيب معالجة لهذه الفترة في ظل السياق الدولي القائم آن ذاك من حكم العسكر حتى في أعتي الدول الديمقراطية وسيادة نظام الحزب الواحد في معظم دول العالم وتغير أسس الاقتصاد العالمي في تلك الفترة وظهور نماذج جديدة مثل دول الرفاهة وأثر كل ما سبق على السياسات والأوضاع الداخلية في مصر.

أما عن فترة ما قبل الثورة فنرى البحث التاريخي العلمي غائب في الكثير من الأحداث، فثورة 19 تتناولها الأبحاث- التي أطلعت عليها- من حيث الأسباب والمظاهر والنتائج لكن لم يبحث الكثيرون كيف تكونت البؤر الثورية في كل أنحاء مصر لتنطلق في لحظة واحدة ألا يدل ذلك على وجود تنظيم ما وراء ذلك، وكذلك وراء جمع التوقيعات للوفد في المرحلة السابقة لنفي الزعيم سعد زغلول، واعتقدي في هذا الشأن أن المؤرخين لم يعطوا للزعيم الوطني محمد فريد حقه، فعمله لتكوين لجان على طول البلاد لم يضع هباء. كذلك مسألة الصراع على السلطة بين الطبقة البرجوازية (الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة) المتمثلة في الحقوقيون (خريجي الحقوق) وطبقة كبار ملاك الراضي (الإقطاعيون) والتي انتهت بسيطرة الإقطاعيون على معظم الأحزاب المصرية في فترة ما بعد الحرب العالمية وبالتالي سيطرتهم على الحكم في البلاد. وبهذه المناسبة تاريخ ملكية الأرض في مصر هو موضوع هام فمن امتلكوا الأرض لأقل من سبعين عاما طالبون بحقهم في هذه الأرض وكأنهم امتلكوها تاريخا والواقع أن ملكية الأرض في مصر ظلت تتنقل بين حكام البلاد ومن يهبهم هؤلاء الحكام الأرضي من نظام إلى آخر كلا ينزع من النظام السابق ملكيته وهو تحديدا ما حدث في قانون الإصلاح الزراعي بعد ثورة يوليو إذ كان جزء منه تعبيرا عن الصراع على السلطة، والحقيقة أنه ظل عامل واحد ثابت طوال التاريخ هو وجود الفلاح على هذه الأرض.

من التيارات السياسية التي برعت مسألة كتابة التاريخ لصالحها في مصر تيار الأخوان المسلمين الذين احتكروا لأنفسهم قيادة الحركة الوطنية في مصر، انطلاقا من العمل الفدائي ضد احتلال البريطاني في منطقة القناة قبل ثورة يوليو وصولا لمظهرة التحرير في مارس 2003 ضد غزو العراق. وهي أحداث قد يكون الأخوان قد شاركوا فيها بشكل أو بأخر إلا أنهم بالتأكيد لم يكونوا في قيادتها. فمظاهرات ضد الحرب لم يكن الأخوان المسلمون متواجدون فيها كقيادة، ولم يعتقل من قيادتهم أحد في هذا الحدث الذي شهدت ثاني أيامه حملة اعتقالات واسعة. أما في منطقة القناة في نهاية أربعينيات ومطلع خمسينيات القرن العشرين، فمن عايشوها وشاركوا في لجان العمال والطلبة التي كانت تقود هذه العمليات يتذكرون بمرارة تعنت بل وعنف أعضاء الجماعة ضدهم في مدينة الإسماعيلية وعدم تغير موقف الجماعة إلا بعد أن بدء الملك فاروق المزايدة على الحركة الوطنية المصرية. وبالطبع نرى الجماعة الآن تنفى كل تحالفاتها مع النظم السابقة سواء مع الملك فاروق أو مع أنور السادات.

 إن كل ما سبق ليس من باب التأريخ وإنما مجموعة من الملاحظات التي أحاول من خلالها إثارة موضوعات من شأنها أن تفتح الباب لموضوعات أوسع لبحث علمي تاريخي حديث يؤكد الدعوة لفكرة المؤرخين الجدد وضرورتها لمحاولة قطع الطريق على النظام النيوليبرالي الجديد في مصر لكتابة التاريخ مرة أخرى لصالحه.

 

 

 

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: