شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

الأقليات في المنطقة العربية بين أزمة دولة وأزمة الهوية

محمد العجاتي

السفير

2011

شاركت في مؤتمر بالعاصمة المغربية الرباط، تلك المدينة الهادئة التي لا يخرجها عن الهدوء سوى التحركات الاحتجاجية الدائمة في شارع البرلمان، والحديث الصاخب حول القضية الأمازيغية. يحاول الكثير طرحها كقضية أقلية تختلف عن غيرها في الوطن العربي، إلا انه مع قليل من التدقيق يمكننا تبين التشابه بين الحالات المختلفة في المنطقة العربية. فالأقلية كمصطلح في العلوم الاجتماعية يعني جماعة ثقافية أو أثنية أو عرقية متميزة متواجدة معاً، ولكنها تخضع لمجموعة مسيطرة أخرى تعيش معها. تُعتبر فكرة السيطرة أو الهيمنة على السلطة هي العنصر الحاكم في هذا التعريف عند استخدامه في العلوم الاجتماعية. وعلى هذا الأساس،  فإن مفهوم الأقلية لا يرتبط بالضرورة بالتعداد السكاني: ففي بعض الحالات قد تكون هذه الأقليات أكبر عدداً من المجموعة المهيمنة، كما كان الحال في جنوب إفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري. وبهذا المعنى، يمكننا أن نصنف الأمازيغ في المغرب العربي، والشيعة في البحرين كأقليات، فضلاً عن أقليات أخرى يتقاطع فيها عنصر التمايز مع التركز الجغرافي، مثلما في حالة الأكراد في العراق، أو الأفارقة في السودان، أو حتى النوبيين في مصر. كما أن هناك أقليات فعلية من حيث العدد، تعيش وسط المجتمع دون أي تمايز ظاهري من حيث مناطق العيش أو اللغة أو الشكل، لكنها تعاني أشكالاً من التمييز، مثل الأقليات الدينية المنتشرة على امتداد المنطقة، كحال الأقباط في مصر على سبيل المثال. ومظاهر التمييز للأقليات يمكن ملاحظتها على مستويين الأول هو إهدار للحقوق بمنع حقوق عنهم ليحصل عليها الآخرون في ذات المجتمع، و الثاني بالتشكيك في وطنيتهم أو ثقافتهم أو معتقداتهم،  سواء من خلال الإعلام أو مناهج التعليم، بشكل مستمر أو مع بروز أي مشكلة تتعلق بمطالب هذه الأقليات.

مطالب هذه الأقليات في المنطقة العربية بالحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية ليست حديثة العهد ، وإنما هي قديمة ترجع إلى مطلع القرن الماضي. وقد تنامت تدريجياً وسط أعمال قمع والتجاهل. فمطالب الأقليات تبدأ من المساواة مع نظرائهم، لتصل إلى حد المطالبة بالانفصال، مروراً بحق تقرير المصير. في منطقتنا العربية تتنوع كذلك المطالب، لكن المطلب الأعلى صوتاً حتى الآن هو المطلب البسيط بالمساواة، أي بحق المواطنة. وهو للأسف ما ينكره عليهم كثير من السياسيين في منطقتنا، فمشكلة الأقليات لها علاقة وثيقة بمشكلة الحكم في الدول العربية، وهو أحد مظاهر وجود هذه المشكلة؛ إذ ترى كثير من الحكومات العربية أن الاعتراف السياسي بالأقليات -وما يترتب عليه من حقوق وواجبات- يهدد مصالحها ومصالح الفئات المتحالفة معها أو كصدر شرعيتها.

أن الوضع الاقتصادي المتردي والأزمة الفكرية والعقائدية الحادة التي تعاني منها المنطقة، تغذي ظاهرة التعصب لدى كثير من المجتمعات، ويجعلها غير قادرة على إقامة علاقات سياسية ذات طابع قومي، يستوعب التمايز من دون أن يلغيه لمصلحة الفئات المستفيدة. كما أن البعد الإقليمي والدولي ليس غائباً عن هذه القضية، فالمسألة تزداد تعقيداً مع اشتباك هذه الأقليات بشكل أو بآخر بصراعات إقليمية. وأبرز الأمثلة في منطقتنا هو ما تعرض له الشيعة مع قيام الثورة الإسلامية في إيران في نهاية السبعينيات، والذي عاد للظهور مرة أخرى بانقسام المنطقة لمحوري الاعتدال والممانعة. أما عن العامل الخارجي، فقد جاء مفهوم صراع الحضارات الذي طرحه هنتجتون كمصدر أساسي لتفجير قضية الأقليات، فقد قسم العالم وفقاً لهذه النظرية إلى مناطق جيوستراتيجية، ثم قام باختزال هوية كل منطقة منها في البعد الديني فقط، وعليه أصبح كل من ينتمي إلى دين مخالف في منطقة ما يُنظر له كطابور خامس.هنا تجدر الإشارة لتأثير وجود الكيان الصهيوني في المنطقة، خاصة مع أطروحة الدولة اليهودية التي يركز عليها  حالياً، فوجود دولة لأقلية دينية في قلب المنطقة، تمارس العنف والعنصرية بشكل فج ومباشر، يعزز ثقافة التمييز لدى الفئات المستفيدة بالوضع القائم، ويكرس مفهوم السلطوية لدى السلطات القائمة، ويفقد الأقليات مصداقيتهم في الدفاع عن حقوقهم. أضف غلى ذلك دورها المشبوه في التلاعب بهذه القضية من الأكراد شرقا حتى الأمازيغ غربا. هذا لا يعني أن القوى الإمبريالية خلقت هذه الوضعية، فهي موجود على أرض الواقع، قد تستغله أحيانا إلا أن ذلك لا يحملها المسئولية بقدر ما يحملنا نحن مسئولية تجاهل هذه الأوضاع وعدم معالجتها. والأسلوب الوحيد الفعال في قطع الطريق على كل من يرغب في استغلالها هو العمل الجاد لحل القضية، وليس تجاهلها أو تعميقها بمزيد من الممارسات الإقصائية والتمييزية. كما يتوجب على الأقليات أن تعي أنها بالنسبة لهذه القوى ليست إلا ورقة تفاوض، سيتم تجاهلها -أو ربما الخلاص منها- حالما تتمكن هذه القوى الخارجية من تحقيق مصالحها.

 كل العوامل السابقة تعد معوقات أمام حل قضية الأقليات في المنطقة، بل تساعد أيضاً على تشكيل أقليات جديدة. وعليه فإنه إذا لم تحل الدول العربية قضية الحكم والمواطنة، فإنه سيغدو من الصعب إيجاد حلول لمشكلة الأقليات، حيث يتوجب إرساء مبادئ الديمقراطية والمواطنة كأساس لكافة الحقوق ومناحي الحياة. وتطوير مفهوم العروبة لتعود كهوية جامعة لمختلف المكونات التي تعيش في هذه المنطقة بعيدا عن الهويات الدينية والشوفينية التي من شأنها تأجيج مشكلة الأقليات. إلا أن ذلك لا يعني تأجيل القضية بشكل كامل إلى حين حدوث ذلك، بل يتوجب فوراً العمل على إلغاء مظاهر التمييز وإصدار القوانين المناهضة له، كتعامل سريع مع الأعراض، في الوقت الذي يظل المرض موجوداً لحين حل قضية الحكم والمواطنة وترسيخ مفهوم العروبة بشكل تقدمي ومنفتح في منطقتنا.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: