شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

الحراك السياسي في مصر: من صراع الشعارات إلى صراع البرامج

محمد العجاتي

السفير

2010

عاد الدكتور محمد البرادعي -الرئيس السابقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية- إلى مصر حاملا مبادرة لجمع التوقيعات بهدف تعديل الدستور، حتى يتمكن من ترشيح نفسه للرئاسة من خارج الأحزاب القائمة؛ وعاد معه الحراك السياسي مرة أخرى إلى مصر بعد أن كان قد أفسح المجال للحراك الاجتماعي والحركات الاحتجاجية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، دون ربط بين السياسي والاجتماعي إلا على استحياء. وقد اختارت المجموعة المحيطة بالدكتور البرادعي مصطلح “التغيير”، للتعبير عن طبيعة التكتل الذي قرروا تشكيله تحت مسمى “الجبهة الوطنية للتغيير”.

مع عودة الحراك السياسي للشارع المصري مرة أخرى باقتراب الانتخابات النيابية ومن بعدها الرئاسية، عاد الحديث مجددا عن قضية الإصلاح والتغيير في مصر، وهو جدل كان قد صاحب الحراك الذي شهدته مصر في العام 2005 مع الانتخابات الرئاسية السابقة. و تتمثل طبيعة هذا الجدل حول ما تحتاجه مصر في هذه المرحلة: هل هو إصلاح فيما هو قائم، أم تغييره. يتهم أنصار الإصلاح الداعون إلى التغيير بأنهم حالمون أو واهمون، و أحيانا بأنهم دعاة فوضى؛ بينما يرى من يرفعون لواء التغيير أن من يطالبون بالإصلاح مهادنون، ولا يرون الواقع المر الذي يعيشه غالبية المصريين، بل ويصفونهم أحيانا بأنهم مستفيدون من الوضع القائم، ولذلك لا يرغبون في تغييره، وإنما مجرد تجميله. والمشكلة الأساسية في هذا الجدل أن كلا الطرفين لا يوضح ماذا يعني بالإصلاح أو التغيير، لدرجة يتداخل فيها المفهومين، بل أحيانا يتم استخدامهما كمترادفين، دون أن يعي مستخدميهما أنهم يطرحون نفس الرؤية لكن بمسمى مختلف. وأذكر أنه في إحدى الندوات طرح مفكران مصريان رؤيتيهما لما يجب أن يحدث في مصر بشكل شبه متطابق، ولكن استخدم أحدهما مصطلح الإصلاح، بينما استخدم الآخر مصطلح التغيير، وانبرى كلاهما في كيل الاتهامات للآخر خلال النقاش، دون أن يستطيع الحاضرون أن يلاحظوا فارقا بين أطروحتيهما من حيث الجوهر.

وهو ما يستوجب أن نلقي نظرة على كيف يستخدم المفهومين والعلاقة القائمة بينهما على المستوى العملي وليس على المستوى اللفظي، بما يحمله ذلك من دلالات أيديولوجية: ففيما يخص الإصلاح، يطرح البعض المفهوم بمعناه المؤسسي؛ بمعنى التعامل مع المشكلات القائمة في المؤسسات المصرية من أجل تحسين أدائها. ويرجع أصحاب هذه النظرة الأوضاع الحالية في مصر إلى مشكلة أساسية تتمثل في تدني كفاءة الأداء داخل مؤسسات الدولة وأن مجرد تفعيل هذه المؤسسات وضمان كفاءتها سيؤدي بالضرورة لتغير في التوجهات السياسية. بينما يطرح آخرون المفهوم باعتباره إصلاحا سياسيا، وترتكز هذه النظرة على أن مجموعة السياسات المتخذة من جانب الحزب الحاكم في مصر تحتاج إلى إصلاح، و أن الإصلاح يعني أن تستمر مصر في سياسات السوق على المستوى الاقتصادي لكن بشكل أكثر رشادة، أن تستمر سياسات الإقليمية والدولية لمصر كدولة اعتدال، لكن بشكل يحقق المصالح المصرية بشكل أفضل مع استخدام لأوراق الضغط من أجل تسوية أكثر عدالة فيما يخص قضايا الشرق الأوسط وفي قلبها القضية الفلسطينية، على غرار الدور الذي تقوم به تركيا حاليا.

أما عن رافعي لواء التغيير فيظن الكثيرون أنهم أكثر راديكالية، إلا أننا يجب هنا أن نلفت النظر إلى أن جانب ممن يدعون إلى التغيير يطرحونه على مستوى الوجوه وطبيعة قيادات النظام، بل ويدعون إلى تغيير في هياكل الدولة ليتناسب أكثر مع طبيعة العالم الذي نعيشه. وهؤلاء رغم إنهم يرفعون لواء التغيير، إلا أنهم  أصحاب سياسات أكثر يمينية من تلك القائمة، وأن منهم من هم  داخل النظام لكنهم يجدون معوقات في البيئة المحيطة تحول بين الانطلاق في السياسات النيوليبرالية داخليا وسياسات التحالف التام مع الولايات المتحدة في الخارج، بما يتطلبه ذلك من تطبيع مع إسرائيل، بخلاف أن بعضهم من دعاة التوريث بحجة التحول من نظام عسكري إلى نظام حكم مدني. وعلى الجانب الآخر، نجد أن رافعي هذا اللواء منهم بالفعل من يدعون إلى تغيير شامل في الوجوه والتوجهات السياسية ومنظومة الحكم القائمة ككل، بما يتطلبه ذلك من تعديلات دستورية وتعديلات في هياكل والقوانين الحاكمة للمؤسسات القائمة في مصر، قائلين بأن هذا هو السبيل لتطوير السياسات وتفعيل المؤسسات.

الإشكالية الأساسية الذي يؤدي إليها هذا الخلط هو عملية الاصطفاف التي يقوم بها المثقفون والنشطاء في المجتمع المصري وراء هذه المفاهيم دون البحث فيما تعنيه، لتحولها إلى شعارات دون مضمون، فرأينا من المعارضين من يقف وراء أصحاب نظرية الدولة المدنية ولو عن طريق التوريث، ورأينا بعض الثوريين يقفون خلف من يرفع شعار التغيير ولو كان على مستوى الوجوه. على الجانب الآخر هناك من يتبنون الإصلاح لمجرد لكونه من وجهة نظرهم شعار أكثر عقلانية، على الرغم من أن توجهاتهم السياسية تخالف إجمال السياسات القائمة. فتبني المفاهيم ممن يعدون من النخبة -سواء السياسية أو الثقافية- يجب أن تقوم على رؤيتهم، وأن تكون اختياراتهم وتحالفاتهم منطلقة من برامجهم، وليس بناء على تكتيكات محدودة المدة والأثر، والالتفاف حول وجوه وشخصيات ترفع شعارات على الساحة السياسية. وهو ما يعني- بالضرورة- تغليب أولويات الحركة ومتطلبات تطورها السياسي والاجتماعي على المصالح الذاتية  للتنظيمات والأحزاب، والتي تتمثل في صفقات سياسية للحصول على مكاسب من هذا الحراك أو التركيز على النمو التنظيمي لها. وكذلك يجب على هذه النخبة الربط بين السياسي والاجتماعي: سواء على المستوى النظري من خلال برامجهم، أو عمليا باشتباك هذه النخب مع الحركات الاحتجاجية التي نمت في السنوات الثلاث الأخيرة، والاستعداد لدفع ثمن ذلك. وهو للأمانة ما بدأ يحدث، عندما رأينا المثقفين ونواب المعارضة والنشطاء أمام مجلس الشعب المصري، جنبا إلى جنب مع المحتجين، يفتحون صدورهم أمام دعوى أحد نواب الحزب الوطني بإطلاق الرصاص على المتظاهرين؛ إلا أن هذا الاشتباك مازال محدودا، ويحتاج إلى مزيد من العملل تكريسه و بلورته، ليكون رافدا للأفكار والقيادات للحركة السياسية وداعما ومحفزا للمحتجين للمطالبة بحقوقهم. قد يبدو هذا الحديث نظريا، إلا أن تداعياته العملية يمكنها أن تحول الحراك الجاري في مصر من صراع وجوه وشعارات إلى صراع  برامج ومفاهيم سياسية، ترتبط بمصالح وقواعد اجتماعية حقيقية.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: