شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

عملية التحول في مصر.. السمات والمواقف الإقليمية

محمد العجاتي

فبراير 2014

الناشر/ مؤسسة فريدريش إيبرت

بعد الحادي عشر من فبراير و”تخلي” مبارك[1] عن منصبه وتكليفه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، استمر المجلس العسكري في الحكم في الفترة التي امتدت من الحادي عشر من فبراير 2011 حتى نهاية يونيه 2012، على الرغم من تعهده في بداية حكمة بالالتزام بفترة ستة أشهر فقط. وقد جاء هذا التسليم للسلطة تحت ضغوط من الحركة الثورية كان أبرزها أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء. ليبدأ الرئيس محمد مرسي (مرشح الإخوان المسلمين) حكمه في يونيه 2012 حتى يونيه 2013، بعد فوزه بـ51% على مرشح ينتمي لنظام مبارك وآخر رئيس وزراء في عهده “الفريق/ أحمد شفيق”، وذلك بعد أن فشل كل ممثلي الثورة في التوحد ليخرجوا من الجولة الأولى رغم حصولهم على ما يقرب من 41% مجتمعين من أصوات الناخبين[2] إلا ان أكثرهم حمدين صباحي ممثل التيار القومي لم يحصل إلا على 21% مما لم يؤهله لجولة الإعادة.

وقد تمكن مرسي من زيادة الأصوات التي حصل عليها في الجولة الثانية ليتمكن من الفوز عبر وعود للتيارات الثورية بإصلاحات جذرية وتحقيق مطالب الثورة وكذلك التزامه بحقوق المصابين والشهداء منذ عهد مبارك إلى حين توليه السلطة، وكان أبرز تعهداته ما أطلق عليه تعهدات “فيرمونت”[3]، لكن حالة الاستئثار بالسلطة من جانب جماعة الإخوان وتخليهم عن كل تعهداتهم واستمرارهم على ذات السياسات والنهج المؤسسي لدولة مبارك مع توظيف هذه المؤسسات لصالحهم إضافة لظهور حالة من عدم الكفاءة في إدارة الملفات الهامة، كل ذلك أدى إلى حالة من الاحتقان الواسع التقتها شباب من الصف الثاني من شبابا الثورة ليبدأوا حملة تمرد التي سرعان ما وجدت التفاف شعبي واسع، وكذلك دعم من أجهزة في الدولة رأت أنه افضل من التفاوض مع مرسي للحفاظ على مصالحها أن تطيح به وتستعيد زمام الأمور مرة أخرى منفردة. وبالفعل نجحت هذه الحركة في جمع اكثر من عشرين مليون توقيع وإخراج ملايين للشارع في 30 يونيه للمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وبعد عدة مهل قدمتها قيادة القوات المسلحة للقوى السياسية للتوافق قبل 30 يونيه، وخرج الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع في الثالث من يوليو ليعلن عن خارطة الطريق والتي تم بواسطتها إزاحة الرئيس مرسي وتعطيل الدستور وحل مجلس الشورى وكلها كانت مطالب شعبية عن حق[4]. وانتقلت السلطة بناء على هذه الخارطة إلى “سلطة انتقالية” تكونت من رئيس المحكمة الدستورية العليا “المستشار/ عدلي منصور” رئيسا مؤقتا ود. “حازم الببلاوي” الاقتصادي البارز وعضو الجناح اليميني في الحزب الديمقراطي الاجتماعي[5].

أولا: تغير النظم وتطور المؤسسات والسياسات

ربما تكون المؤسسة العسكرية هي أهم الفاعلين في الساحة على مدار الفترة من ثورة يناير 2011 وحتى الآن، خاصة أننا نستعرض دورها بشكل أساسي في إطار العملية السياسية والعمل السياسي، وهنا نميز داخل هذه الفئة بين المجلس العسكري الأول والذي تولى القيادة في مصر في أعقاب تنحي مبارك. ونجد أن هذا المجلس كان مسئولا في أعقاب ثورة يناير 2011 عن خارطة الطريق وتطبيقها وكذلك الإشراف على ترتيبات المرحلة الانتقالية الأولى بداية من الاستفتاء الدستوري (مارس 2011). إلا أن العلاقة بين المجلس العسكري والسياسيين وخاصة القوى الثورية قد طالها قدر كبير من التوتر، أسفرت عن احتكاكات عنيفة نتج عنها عدد كبير من القتلى والمعتقلين في بعض الحالات. إلا أن أحداث اشتباكات كل من محمد محمود ومجلس الوزراء كانتا نقطتين فارقتين في علاقة المجلس العسكري بالجماهير من ناحية، ومن ناحية أخرى كانتا نقطتين في المسار السياسي نحو الدفع بتسريع تسليم السلطة للمدنيين والمضي قدما نحو إقرار الانتخابات البرلمانية والرئاسية على التوالي، وحتى جاءت انتخابات الرئاسة معلنة فوز الرئيس محمد مرسي. أعقب ذلك خروج المشير حسين طنطاوي، ورئيس الأركان سامي عنان للتقاعد وتكريمهما، ليتولى رئاسة وزارة الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي، وهى مرحلة توارى فيها المجلس العسكري في إدارة البلاد (على الأقل في المشهد العام)، والتي عاد ليتصدره مرة أخرى في أعقاب مظاهرات 30 يونيه والتي أسفرت عن مسار 3 يوليو، وهو المسار الذي تصدرته المؤسسة العسكرية ممثلة في شخص وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، دون تركيز يُذكر من جانب الجماهير أو المحللين للمجلس الأعلى للقوات المسلحة كما كان الحال في المرحلة الانتقالية الأولى.

على الرغم من المطالبة بإصلاح العديد من مؤسسات الدولة وعلى رأسها الداخلية والإعلام. إلا ان الأنظمة المتوالية على مدار ما يقرب من ثلاثة أعوام لم تسع لأي إصلاح لهذه المؤسسات، بل حافظت عليها ودعمتها بوضعيتها الحالية في محاولة لاستخدامها لصالحها. على سبيل المثال مع وصول حزب الحرية والعدالة للسلطة، لم يقم بتغيير القواعد التي تحكم وتنظم عمل قوات الأمن، ووصف الرئيس السابق محمد مرسي الشرطة في مقر الأمن المركزي بأنها كانت في القلب من ثورة يناير. كما قبلت النظم المتتالية مطلب الشرطة بزيادة رواتبها، وقد كانت المرة الأولى في ظل حكم المجلس العسكري.[6] وبعد موجة 30 يونيه والتي أطاحت بحكم الإخوان، تم الاحتفاظ بنفس وزير داخلية حكومة هشام قنديل.

أما الإعلام فلا يقل في أهميته أو حجم الدور الذي يؤديه عن أي فاعل سياسي آخر، ففي مرحلة ما بعد الثورة، انتزع الإعلام مساحة الحرية والتفاعل في المناخ العام، استفادت وسائل الإعلام على تعددها من هذه المساحة، إلى جانب تزايد عدد القنوات التي تم إطلاقها في هذه الفترة، وكذلك عدد من الصحف المستقلة والخاصة وكذلك الحزبية منها أو المحسوبة على أي فريق سياسي. إلى جانب اتضاح الميل السياسي الحقيقي لعدد آخر من القنوات. أما بالنسبة للإعلام الرسمي او المملوك للدولة فقد سيطرت عليه كل السلطات التي تعاقبت بعد الثورة وكان أداة من أدواتها. ومع تصاعد الحشد ضد الإخوان من القنوات “الليبرالية” وزيادة نغمة التحريض على العنف من القنوات “الدينية” قامت السلطات بإغلاق القنوات الدينية عشية إعلان 3 يوليو كما ظهر جليا التوجيه الإعلامي في مختلف القنوات في دعمها لما يحدث على الأرض من جانب السلطة الحالية والهجوم على الإخوان المسلمين واستبعاد أي صوت محايد[7].

رغم تغيير الوجوه على رأس النظام والاحزاب والتيارات التي ينتموا إليها، يمكننا القول ان السياسات والقوى المسيطرة في مصر لم تشهد تغيرا يتواكب مع مطالب الثورة المصرية والتي تلخصت في شعرها الأساسي: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية”.

على مستوى السياسات، نجد أن السياسات الاقتصادية ما زالت هي ذاتها التي كانت تقدمها لجنة السياسات بقيادة نجل الرئيس المخلوع “جمال مبارك” حتى وصلنا بعد عدة موجات ثورية إلى وزير مالية “أحمد جلال” المدير السابق للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، بيت الخبرة المسئول عن تجهيز أوراق السياسات للجنة السياسات ذاتها. وفي الأساس تركز هذه السياسة على مفهوم النمو وspill over كوسيلة لتوزيع نتاج هذه التنمية على الفئات الأخرى من المجتمع. وفي هذا المجال تركز الحكومات منذ الثورة وحتى الآن على انتظار الخارج سواء في شكل قرض صندوق النقد الدولي، زيادة الاستثمارات الأجنبية رغم أن الظروف غير مواتية، قروض من دول أخرى خاصة دول الخليج (السعودية والإمارات في ظل المجلس العسكري، وقطر في عهد الإخوان المسلمين). مع تجاهل أي استراتيجيات لتنمية وتفعيل الموارد المحلية سواء الصناعة، أو الثروة المحجرية، ومع إهمال تام لسياسات تسمح بإعادة توزيع الثورة سواء على مستوى الضرائب أو اتاحة وجودة الخدمات الأساسية أو إعادة هيكلة الدعم.[8]

كما أن تركيبة مجتمع الأعمال المرتبط بالسلطة والتي عانت منها مصر في سنوات حكم مبارك الأخيرة لم تتغير هي الأخرى، وهو ما أعاق بشدة أي تغيير في التوجه الاقتصادي للدولة في ظل المجلس العسكري أو الحرية والعدالة، حيث يسيطر نظام السوق على التوجه الاقتصادي، ويمكن القول أن أحد أسباب دعم الغرب هو ضمانهم استمرار هذه السياسات للإخوان هو توجههم لاقتصاد السوق[9]. في المجال الاقتصادي كان هناك تقارب بين حزب الحرية والعدالة ورجال أعمال الحزب الوطني، فنجد أنه في رحلة مرسي للصين في أغسطس 2012 ضم الوفد المرافق له رجال أعمال من الحزب الوطني مطعمين برجال أعمال ينتمون للإخوان[10]، كما التقى الرئيس مرسي بـ80 رجل أعمال، قام حسن مالك رجل الأعمال والقيادي الإخواني البارز بتنسيق هذا اللقاء، وحضره عدد من القيادات السابقة بالحزب الوطني الديمقراطي المنحل[11]. كما ترأس حسن مالك، جمعية “تصالح” من أجل إتمام المصالحة مع رجال أعمال النظام السابق[12].

كما لم تتغير السياسات الداخلية أيضا، فهي ذات المنظومة التشريعية، فنجد أن كل من قانون الأحزاب، وقانون المجتمع المدني كنموذجين يحملان ذات السمات لتشريعات ما قبل الثورة التي تقوم على كيفية سيطرة الدولة على هذه التنظيمات وليس تنظيم علاقتها. إلى جانب تعطيل تشريعات أخرى مثل الحريات النقابية وحرية تداول المعلومات، والعمل على تفريغهم من المضمون. ويمكن في هذا المجال رصد مجموعة من السياسات المستمرة:

– التضييق على حرية الرأي والتعبير: فقد تجاوزت عدد البلاغات المقدمة ضد صحفيين وإعلاميين ما يزيد عن 600 بلاغ يتضمنوا الشكاوى في حق أكثر من ألف إعلامي، وهو رقم يتجاوز ما قدم خلال الثلاثين عاما من حكم مبارك، بعضها مقدمة من مؤسسة الرئاسة ذاتها. كما أن الحاجز تجاوز هذه المرحلة إذ أصبح الصحفيون وخاصة المصورين منهم تحت النيران المباشرة والمتعمدة خلال تغطيتهم الأحداث في مصر[13].

قيود على حرية الاعتقاد الديني وممارسة الشعائر الدينية: فما زالت مستمرة بذات المنهجية التي كانت سائدة قبل الثورة، وإن كان قد زاد عليها الخطاب المتطرف الذي أصبح يطل من أجهزة الإعلام، ليطول فكرة المساواة بين المواطنين من الديانات المختلفة. كما برز الاستخدام السياسي للورقة الطائفية والتي كان نظام مبارك يستخدمها كثيرا، حيث لم تختف بعد ثورة 25 يناير بل استخدم العامل الديني في السياسة وقد بدأ هذا الأمر مع الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس 2011، كما شهدت العديد من القرى نزاعات على أساس ديني مثل (إمبابة، وصول، والماريناب، والعامرية، والخصوص). كما ظهرت الطائفية (سني/شيعي) كبعد جديد كان محدودا للغاية فيما سبق حتى وصلت لمذبحة في قرية أبو مسلم، قالت هيومن رايتس ووتش إن قتل أربعة من الشيعة على أيدي حشود يقودها فيما يبدو شيوخ سلفيون في يوم 23 يونيه 2013.[14]

التضييق القانوني على حرية التنظيم: مثل إصدار قانون رقم 34 سنة 2011 باسم “قانون حماية المنشآت وحرية العمل” والذي صدر في عهد المجلس العسكري، تجريم الإضراب بعقوبتي الحبس والغرامة، في محاولة منه لوقف موجة الإضرابات العمالية المطالبة بتطهير المؤسسات الاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية. أو قانون أحزاب جديد في 28 مارس 2011 بهدف تنظيم تكوين وعمل الأحزاب خلال الفترة الانتقالية. وأهم الانتقادات الموجهة لهذا القانون هي اشتراط عدد الأعضاء المؤسسين بـ(خمسة آلاف عضو) وهو رقم مبالغ فيه، منح هذا القانون اختصاصات موسعه للجنة الأحزاب، رغم بعض التعديلات الإيجابية حول طريقة تكوينها، كما لم يخرج بنا هذا القانون من نموذج الترخيص إلى أبعد من ذلك إلى نموذج أكثر تقدما هو نموذج “تحديد القواعد” أو نموذج “التعزيز”[15].

 قمع حق التظاهر وانتهاكات حقوق الإنسان: شهدت فترة المجلس العسكري مجموعة من الانتهاكات، فمثلا في يوم 31 مايو 2011 خضع خمسة من الصحفيين والإعلاميين لتحقيقات عسكرية على خلفية آرائهم، حيث تم استدعاء المدون والمصور الصحفي “حسام الحملاوي” والإعلامية “ريم الماجد” للتحقيق على خلفية تصريحات “الحملاوي” في حلقة يوم الخميس 26 مايو من برنامج بلدنا بالمصري الذي تقوم “ريم” بتقديمه، والتي طالب فيها بالتحقيق مع المسئولين عن الانتهاكات التي ارتكبتها الشرطة العسكرية ضد المواطنين، وقد تقرر إطلاق سراحهما بعد الحملة الاعلامية التي قام بها النشطاء، وهو ما يعكس غلبة الأمن السياسي على الأمن العام في رؤية الدولة المصرية واستمرار الانتهاكات بعد الثورة واستمرار المقاومة على الأرض لتلك الرؤية والممارسات. وفي فترة حكم الرئيس السابق مرسي، رصدت شبكة حقوق الإخبارية عشرة انتهاكات رئيسية ممنهجة لنظام الرئيس المعزول في مقدمتها استهداف الصحفيين والإعلاميين، تعذيب المواطنين، حبس النشطاء واختطافهم، قتل النشطاء، عودة زوار الفجر، استمرار المحاكمات العسكرية، اعتقال الأطفال، محاولات فض الاعتصامات بالقوة من قبل مؤيدي النظام، سحل المواطنين في الشوارع[16] وبعد 30 يونيه لم تتوقف هذه الانتهاكات وكان من أبرزها فض اعتصام مؤيدي “محمد مرسي” حيث ذكرت منظمة هيومان رايتس ووتش أن “الاستخدام السريع والمكثف للقوة المفرطة من جانب قوات الأمن لفض الاعتصامات المؤيدة للرئيس المعزول محمد مرسي تجعله أسوأ عملية قتل جماعي في التاريخ المصري الحديث”.[17]

هنا يبدو أن هناك نية واضحة لقمع الحريات في محاولة لإعادة انتاج النظام السلطوي الذي كان قبل الثورة، والذي يعتبر الخطر الأكبر عليه هو أن تكون هناك تنظيمات مستقلة وحرة في المجتمع تستطيع أن تعبر بمصداقية وفاعلية عن أعضائها.

ثانيا: المسار السياسي في مصر بين الانتخابات والدستور

هناك علاقة جدلية واضحة بين عدم تطور المؤسسات والسياسات بعد ثورة يناير وحتى الآن والمسار السياسي والدستوري التي سارت فيه البلاد خلال تلك الفترة، حيث بدأت عمليات التصويت في مصر مع استفتاء مارس 2011 والذي تضمن تعديل سبعة مواد من دستور 1971، إلا أن المسار الدستوري اتخذ اتجاها مغايرا لنتيجة الاستفتاء على تلك المواد والتي كانت بنسبة 77% لصالح إقرار التعديلات، وهو ما تجسد في إصدار المجلس العسكري لإعلان مارس الدستوري. وقد شهدت معركة التعديلات الدستورية تلك استقطابا حقيقيا بين القوى المدنية التي دعت للتصويت بـ”لا” وبين القوى الإسلامية التي حشدت للتصويت بـ”نعم” وقد استخدمت القوى الإسلامية أساليب دعائية تخلط بين الدين والسياسة.[18] وقد نصت المادة 60 منه على انتخاب لجنة صياغة الدستور بشكل غير مباشر أي من خلال البرلمان المنتخب[19] وهو ما يعني انتخاب برلمان قبل وضع الدستور وتسليمه هذه المهمة. ورغم اعتراض الكثيرين على دخول اللعبة السياسية قبل وضع قواعدها مما يجعلنا رهينة القوى الحاضرة من العهد السابق (الإخوان والحزب الوطني) وقاد د. محمد البرادعي هذا التيار تحت شعار: الدستور أولا. إلا إنه بناء على الاستفتاء المشار إليه تشكلت اللجنة التأسيسية الأولى بعد الانتخابات البرلمانية، والتي حلتها محكمة القضاء الإداري في الثلاثاء، 23 أكتوبر 2012 (نظرا لأن المادة 60 لم تنص صراحة على مشاركة أعضاء البرلمان بمجلسيه الشعب والشورى في عضوية الجمعية التأسيسية وبالتالي أصدرت حكمها بإلغاء قراري مجلسي الشعب والشورى القاضي باختيار نصف أعضاء الجمعية التأسيسية للدستور من المجلسين.[20]

أعقب ذلك تشكيل اللجنة الثانية لصياغة الدستور متحاشية السبب المباشر لحل اللجنة الأولى لكن دون مراعاة الاعتراضات الأخرى المتعلقة بالتوازن السياسي والاجتماعي في اللجنة وكذلك مستوى الكفاءة والخبرة والتخصص المطلوبين بها. وتعامل التيار الغالب في البرلمان باستخفاف مع هذه الاعتراضات وتحايل عليها بادعاء تقسيمها أعضاءها بنسبة 50% للتيار الإسلامى و50% للتيار المدني، مع اعتبار ممثلي الأزهر والكنيسة ومؤسسات الدولة بل وبعض الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية مثل حزب الوسط ضمن الـ50% المخصصة للتيار المدني. وتوالت الانسحابات من اللجنة من اليوم الأول حتى ما قبل الجلسة الأخيرة التي عقدت بـ84 عضوا بعد ضم الاحتياطيين، فأصبحت اللجنة مكونة فقط من تيار الإسلام السياسي وحلفائه، والعدد إذا كان يوضح العدد الكبير للمنسحبين من الأعضاء الأصليين والاحتياطيين إلا أنه يوضح كذلك كيف تم تشكيل اللجنة بما يضمن سيطرة فصيل محدد عليها.

وبالرغم من الوعود من الرئيس بعدم طرح الدستور للاستفتاء إلا بعد حدوث توافق مجتمعي حوله، عمد رئيس الجمهورية “محمد مرسي” بعد وصوله للحكم إلى تحصين اللجنة التأسيسية بإصدار إعلان دستوري في نوفمبر 2012[21] ضمن سلسة أخرى من النقاط الأخرى التي تضمن له السيطرة على الحكم بالكامل[22]. وفي نفس ليلة تسليم المشروع له أعلن طرحه للاستفتاء ليمر بـ63.8%[23] بنسبة مشاركة لم تصل إلى ثلث الهيئة الناخبة، أي انه حصل على موافقة فعلية لحوالي 21% من الهيئة الناخبة[24].

 وفي هذا المسار يمكننا إيراد بعض الملاحظات على الوثائق الدستورية الصادرة من الاعلان الدستوري في مارس 2011 وحتى المسودة الصادرة في أغسطس 2013 والمحالة للجنة من 50 عضو لمناقشتها كتعديل لدستور 2012:

– دساتير من الجيل القديم: من حيث البنية والهيكل، الدساتير التي طرحت أو حتى الدستور الذي تم إقراره هو دستور من طراز دساتير ما بعد الحرب العالمية الثانية (فصول محددة ومنفصلة ومواد قصيرة ومرجعيتها تاريخية وليس عالمية) وليس دساتير التحول الديمقراطي التي ظهرت مع الدستور الإسباني وبعده البرتغالي وصولا لدساتير البرازيل والهند وجنوب أفريقيا[25].

 نظام سياسي مختلط أقرب للرئاسي: فنجد أن دستور 2012 فيما يخص النظام السياسي ركز على تنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث، وما زالت الأولوية فيه للسلطة التنفيذية على حساب الهيئات المنتخبة، كذلك هناك عبر لنصوص توسع من الهيئات المنتخبة بدلا من المعينة (العمد- المشايخ- عمداء الجامعات… إلخ). كما أن سلطات الرئيس التي تبدو محدودة في الفصل الخاص برئيس الجمهورية تتضخم إذا أضفنا لها صلاحيات فيما يخص عمل مجلس النواب والقضاء والمجالس المستقلة وهو ما يجعله أشبه بشخص فوق كل السلطات. وهي ذات الوضعية في مسودة دستور 2014.

 إصرار على الجدل على هوية من مرجعية دينية: الخلاف حول المادة 219 من دستور2012 والجدل حول المادة (2) في المسودة الحالية هو انعكاس لحالة الاستقطاب الديني/المدني الذي في إطاره تختصر هوية الدولة على عامل واحد فرعي في مكونات الهوية وهو الدين الذي يعد جزءا من العامل الثقافي في تكون الهوية ويستبعد باقي العوامل السياسية والتاريخية والاجتماعية… الخ التي تشكل هوية المجتمعات.

محدودية في النظرة الحقوقية: حيث أن الوثائق الدستورية التي ظهرت منذ الثورة وحتى الآن تبتعد كثيرا عن المعايير الدولية في الحقوق سواء السياسية والمدنية أو الاقتصادية والاجتماعية وتعتمد مرجعية تطوير الدساتير القديمة وليس الاعتراف بالمواثيق الدولية، فهي لا تنص عليها كمرجعية في الحقوق بل وتتجنب استخدام مصطلحاتها على قدر ما تستطيع.

منح استقلالية وصلاحيات واسعة للمؤسسات العسكرية: مثل المادة 198 التي تنص على أن وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة ويعين من ضباطها بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فقد تم إضافة بعد موافقة المجلس الأعلى في مسودة الدستور الجديد مادة (171)، لم ينص أي من الدستور 2012 ولا مسودة التعديلات الحالية على إخضاع ميزانية الجيش لمراقبة البرلمان. كما أقر كلاهما بمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية.

واكب هذا المسار الدستوري مسار انتخابي حيث أعادت ثورة 25 يناير الشعب المصري للمشاركة السياسية، بعد أن كان قد عزف عنها بسبب ما كان يشوب عملية الانتخاب والاستفتاء من تزوير وشراء أصوات، علاوة على القبضة الأمنية، وخلال عامي 2011 و2012 قام المصريون بالتصويت 6 مرات علاوة على جولات الإعادة بين المرشحين على المقعد الفردي ببعض الدوائر في انتخابات مجلسي الشعب والشورى. فقد استهل المصريون التصويت بعد الثورة بأسابيع قليلة وتحديدا في 19 مارس 2011 على الإعلان الدستوري الذي أعلنه المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي كان يدير البلاد في الفترة الانتقالية التي امتدت لـ16 شهرا، وبصرف النظر عن نتيجة التصويت التي حسمت لصالح “نعم” أي الموافقة على الإعلان، وبصرف النظر أيضا عن ضم مواد إضافية أضعاف ما تم التصويت عليه من دستور عام 1971 الملغي للإعلان الدستوري في صورته المعلنة، فالمشاركة التي فاقت نسبة الـ60% ممن لهم حق التصويت أثبتت أن العزوف السابق في طريقه للماضي مقارنة بنسب لم تكن تتخطى الـ15% في انتخابات واستفتاءات سابقة في عهد النظام السابق. وجاءت انتخابات مجلسي الشعب والشورى نهاية عام 2011 لتعلن بدء الجولات بين الأحزاب والتحالفات السياسية لكسب أصوات الناخبين وجاءت نسبة المشاركة مرتفعة أيضا، لندخل الانتخابات الرئاسية الأكثر استقطابا بين قوى سياسية ومن بعدها الاستفتاء على مشروع الدستور السابق الإشارة لهما[26].

فيما يخص انتخابات مجلس الشعب فقد جاءت بعد أحداث محمد محمود التي مارست فيها الداخلية عنفا مفرطا تجاه المتظاهرين مما دفع بعض الأحزاب لتعليق حملاتها الانتخابية، وهو ما أثر على فعالية تواصل قوى الثورة مع المواطنين بشكل فعال[27]. وجاءت لتعكس حقيقة لم يكن الكثيرون راغبين في الاعتراف بها وهي قوة التيار الديني بشقيه الإخواني والسلفي وذلك بسبب الفراغ السياسي الذي عاشته مصر خلال عهد مبارك، وتركه المجال لهاتين القوتين للتحرك في المجتمع الإخوان عن طريق العمل الخيري والسلفيون من خلال العمل الدعوي.

فجاء حزب الحرية والعدالة (حزب الإخوان المسلمين) في المقدمة بحصوله على 127 مقعدا، تلاه حزب النور بـ96 مقعدا، وحصل حزب الوفد الجديد على 36 مقعدا، ثم تحالف الكتلة المصرية 33 مقعدا، وحزب الوسط الجديد 10 مقاعد، وائتلاف الثورة مستمرة 7 مقاعد. وهكذا شكل التيار الإسلامي أغلبية تتجاوز 69.3% من المجلس[28]. وقد شهدت هذه الانتخابات ثلاث ظواهر ملفتة:

1-  ظاهرة رعاة الأحزاب: وهي ظاهرة اشتركت فیها الأحزاب الإسلامية والمدنیة على حد سواء، والمقصود هنا برعاة الأحزاب دعم بعض الشخصیات العامة من التيارين الدیني والمدني لتحالفات حزبية بعينها. المؤكد أن العمل المؤسسي وتقاليد أي نظام ديمقراطي لا يوجد فيهما هذا النوع من الدعم الفردي، لكن في مجتمع مثل مصر يعيش مرحلة انتقالية، وما زالت معظم أحزابه بعيدة عن العمل المؤسسي، وثقافة القوائم لم تترسخ فيه، يصبح دور الشخصيات العامة مهما ومؤثرا، [29]مثل محمد غنيم المفكر السياسي والمنسق للجمعية الوطنية للتغيير بالدقهلية، وما ترتب عليه ممن حصول قائمة الثورة مستمرة على 3 مقاعد في المنصورة بسبب دعمه لها، أيضا نموذج حزب النور ودعم الشيخ محمد حسان السلفي له أستاذ مادة العقيدة بمعهد إعداد الدعاة بجماعة أنصار السنة بالمنصورة ورئيس مجلس إدارة مجمع أهل السنة للحزب الذي حل في المركز الثاني بعد حزب الحرية والعدالة.

2-  ظاهرة صعود السلفيين:فقد شهدت أول تجربة انتخابية للشعب المصري بعد ثورة ٢٥ ینایر ٢٠١١، والتي اتسمت بالنزاهة والشفافية إلى حد بعید، صعودا غیر مسبوق لتيارات الإسلام السياسي، وتحديدا التيار السلفي -ممثلا في حزب النور وتحالفه الانتخابي الذي عرف باسم “التحالف الإسلامي”، والذي نجح رغم حداثة عهده بالعمل السیاسي، في حصد حوالي ربع مقاعد مجلس الشعب المصري، ليصبح ثاني أكبر كتلة برلمانية بعد حزب الحرية والعدالة، في مقابل خسارة فادحة لتيارات يُفترض أنها أكثر خبرة بالعمل السیاسي والانتخابي. وقد تباينت التفسيرات التي قدمها المحللون لهذا الصعود الكبير للتيارات الإسلامية، وخاصة السلفية منها، في الانتخابات البرلمانية لعام ٢٠١١، فمع الإقرار بأن هذه التيارات كانت هي الأقرب للشارع المصري، والأكثر التصاقا بمشاكله، خاصة خلال الحملات الانتخابية، وأنها كانت الأقدر على إدارة حملاتها في الدعاية الانتخابية بكفاءة؛ إلا أنها لم تبدو كافية لتفسير حجم هذا الصعود للتيار السلفي تحديدا في الانتخابات، على الرغم من تشدده الظاهر، وحداثة عهده بالممارسة السياسية، فعلى سبيل المثال، يرى بعض المحللين أن التوتر الذي كان سائدا في المجتمع في أعقاب الأحداث الطائفية المتكررة، والتي كانت آخرها وأعنفها أحداث “ماسبیرو”، إضافة إلى ما وُصف بأنه “توجيه” من جانب الكنيسة المصریة لأبنائها بالتصويت لصالح مرشحي “الكتلة المصریة”، وهو الهجوم الحاد الذي كانت تشنه بعض وسائل الإعلام على التيار السلفي قبیل الانتخابات البرلمانية، وهو ما دفع قطاعات واسعة من المواطنين إلى التعاطف معهم والتصويت لصالحهم[30].

3-  ظاهرة العزل الشعبي لعناصر الحزب الوطني: ما أن بدأت المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2011، حتى بدا جليا الأداء المتواضع لعناصر الحزب الوطني على خلاف الكثير من التوقعات. تكرر الأمر ذاته في الجولتين الثانية والثالثة، وجاءت النتيجة النهائية للانتخابات دون أن تستطيع الأحزاب المنبثقة عن الحزب الوطني أن تحقق سوى 3% من مقاعد البرلمان حيث حصلت الأحزاب المنبثقة عن الحزب الوطني المنحل، مثل “مصر القومي” و”الحرية” على 5 مقاعد منها مقعد فردي لكل منهما، فيما فاز حزب “المواطن المصري” بـ4 مقاعد، وبهذا وصل إجمالي المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب التي تضم على قوائمها “فلول” الحزب الوطني المنحل إلى 14 مقعدا، حوالي 3% من مقاعد البرلمان[31]. وقد شارك في هذا العزل الكثير من الحملات والمبادرات الشبابية مثل حملة “امسك فلول”، وهي حملة شبابية تكونت في 14 يوليو 2011، لتعريف المواطنين بهذه العناصر ودعوتهم لعدم التصويت لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنشورات والملصقات.[32]

ثالثا: القوى المجتمعية الفاعلة بين المسار السياسي والمسار الثوري

لم تستطع الأحزاب الوليدة تحقيق أهداف الثورة إذ استنزفت في معارك متتالية سواء على المسار الثوري أو المسار السياسي اللذان تم تناولهما، كذلك تم احتوائهم في معركة استقطاب حاد بين التيارات الإسلامية والتيارات المدنية. بل يمكن القول أن كل تيار قد شهد نوعا من عدم التنسيق والاستقطاب بداخله خاصة في معركة الانتخابات. وعلى الرغم من استشعار الأحزاب الموجودة على الساحة المصرية بخطر “الثورة المضادة”، إلا أنها لم تنجح في تكوين تحالف يضم قوى الثورة. فقد شهد التحالف الديمقراطي، والذي بدأ بمبادرة من حزب الحرية والعدالة لخلق تحالف موحد يضم كافة القوى التي لا تنتمي للنظام السابق والذي ضم حوالي 33 حزبا وحركة سياسية) تصدعا بعد انسحاب العديد من الأحزاب والتحالفات منه والتي بدأت بحزب النور السلفي كما أثر انسحاب حزب الوفد على تماسك هذا التحالف[33]. لم تستطع القوى المدنية تكوين تحالف انتخابي قوي يواجه التيار الإسلامي، فخاض حزب المصريين الأحرار الانتخابات مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي والتجمع (تحالف الكتلة المصرية) الانتخابات في مواجهة ائتلاف الثورة مستمرة. كما خاض حزب الوفد خوض الانتخابات منفردا.

نتاج لهذه الوضعية من ضعف في المجال سياسي وعدم تطور حق التنظيم الذي يسمح للمواطنين بالتعبير عن ذاتهم بشكل منظم، زادة الحركات الاحتجاجية حتى بلغت3817 والتي كانت على مدى الفترة بين2000 و2010 والتي كان عددها 3313، بينها 1969 احتجاجا عماليا وشكلت %51.6 من اجمالي الاحتجاجات[34]. كما أنه رغم عدم اقرار قانون الحريات النقابية برزت ظاهرة نشوء النقابات المستقلة وتوسعها، حيث زادت من 4 نقابات قبل الثورة إلى ما يزيد عن 2000 وناهزت عضويتها 3 مليون عامل وتمثلت في اتحادين “الاتحاد المصري للنقابات المستقلة” و”مؤتمر عمال مصر”[35]

كما تشكلت حملات شبابية عديدة عملت بنشاط واعطت زخما واسعا للحراك على الأرض في فترة ما بعد الثورة ولكن على الرغم من تنوع الحركات والائتلافات الشبابية إلا أنها لم تستطع ترجمة أهدافها بشكل فعال خلال العمل السياسي المؤسسي أي من خلال البرلمان، فكانت مشاركة ائتلافات شباب الثورة ضعيفة فعلى سبيل المثال في الانتخابات البرلمانية 2011 بلغت نسبة الشباب البالغ من العمر أقل من 35 عاما 2% فقط من إجمالي عدد النواب داخل البرلمان كما أن نسبة تمثيل الائتلافات الشبابية داخل مجلس الشعب بلغت 0.8% (9 مقاعد) من إجمالي مقاعد البرلمان[36]. ويعود ذلك إلى عزوف العديد من هذه الحركات عن المسار السياسي وعدم قناعتهم في جدواه من جانب، ومحاولات الإقصاء التي تمارسها النخبة القديمة ضد البارزين منهم خوفا على مواقعها ومصالحها.

رابعا: المواقف من الثورة المصرية (إيران ودول الخليج)

تختلف مواقف الدول الخليجية وإيران من الأحداث في مصر، فلا يمكن التعامل مع دول المنطقة ككتلة واحدة من حيث رؤيتها لثورة يناير2011 حتى أحداث 30 يونيه، بل يمكن القول أن هذه الدول لم تنتهج مسارا واحدا في تعاملها مع هذه الثورات.

فإيران التي رحبت بالربيع العربي ككل وخاصة الثورة المصرية، سعت إعلاميا لتدعيم الثورة المصرية لحد دفع المرشد الأعلى في إيران على خامنئي إلى توجيه خطبة للشعب المصري وباللغة العربية من منبر صلاة الجمعة في طهران مشددا على أن ما يحدث في العالم العربي عموما ومصر تحديدا هو صحوة إسلامية مستلهمة من الثورة الإسلامية في إيران.[37] كما أعربت عن استعدادها لدعم الاقتصاد المصري من خلال بيع بعض السلع بأسعار مخفضة أو تسيير أفواج من السياح الإيرانيين إلى هناك.[38] وهو الأمر الذي وجه بشراسة من الحرس القديم في السياسة الخارجية المصرية واستعمل فيها الورقة الطائفية بشدة مستعينا في ذلك بالسلفيين، وهو ما انعكس على علاقة حب وكراهية بين مصر وإيران في فترة حكم محمد مرسي، حيث ظهر ذلك جليا في التوترات التي ظهرت في زيارة مرسي لإيران أو زيارة نجاد لمصر، وهذه العلاقة المعقدة هي نتاج انتماء النظامين لمشروع واحد هو المشروع الديني إلا أن كلاهما تسيطر عليه رؤية طائفية ضيقة ويقف خلفها جهاز دولة جزء من عقيدته هي حالة العداء بين الدولتين، إضافة إلى تنازع ولاءات إقليمية برز في حالة حركة حماس.[39] ويمكن أن نلاحظ أن هناك خفوتا للصوت الإيراني بعد 30 يونيه وابتعاده عن المشهد، حيث استراحت إيران من طائفية الإخوان والسلفيين لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تبدوا كمن يسعد بسقوط التيار الإسلامي لما في ذلك من خطر على المشروع الديني الذي تقوم عليه الدولة الإيرانية. ومن المتوقع بعد استقرار الأمور أن تحاول احتواء النظام الجديد وإقامة علاقات طيبة معه، حيث أن وصول جناح إصلاحي للسلطة في إيران قد يفتح مجالا جديدا لكسب حلفاء في المنطقة، وإن كان الملف النووي الإيراني سيمثل عائقا في ذلك بسبب الموقف المصري الثابت بخصوص خلو المنطقة من السلاح النووي.

أما دول الخليج فقد أدى اندلاع ثورات الربيع العربي إلى تخوف عام من امتداد هذه الموجه الثورية إليها خاصة بعد أن اقتربت بشدة بوصولها للبحرين واليمن، وزاد من هذا التخوف خاصة ما أبدته إيران من مساندة لثورات الربيع العربي. اتخذت السعودية موقفا متحفظا من البداية تجاه الأحداث الجارية في مصر، إلا أنها في مراحل لاحقة حاولت الضغط لعدم محاكمة مبارك[40] بسبب عمق العلاقة بين النظامين، كما أن سقوط نظام مبارك سوف يُحمل السعودية -ولو مؤقتا- بأعباء عدد من الملفات التي كانت تديرها مصر في عهد مبارك، ويطرح احتمالات توتر علاقات المملكة بواشنطن وإسرائيل أو انخراطها في علاقات متوتره مع المجموعات الفلسطينية المختلفة. وعلى جانب آخر، سوف يتعين على دول الخليج إدارة علاقاتها مع إيران في ظل غياب الظهير العربي الرئيسي المتمثل في النظام المصري السابق الذي وقف سدا منيعا ضد إيران ورفض بناء علاقات مع الجمهورية الإسلامية لثلاثين عاما.[41] مع ذلك، تداركت السعودية موقفها سريعا، ورحبت بعد سقوط النظام بالانتقال السلمي للسلطة في مصر، وأبلغت الجانب المصري رغبتها في تقديم دعم مالي لحكومة تسيير الأعمال لمواجهة التداعيات السلبية التي يعانى منها الاقتصاد المصري، وأعادت صياغة موقفها بتقديم هذه المساعدات دون ارتباط بموقفها من الرئيس حسني مبارك، وذلك إدراكا من المملكة السعودية أنها لا تستطيع أن تعادي النظام القادم في مصر والذي لم تظهر ملامحه بعد، حيث أنها سوف تركز على محاولة تدعيم موقفها الداخلي والسعي إلى تجنب ثورات مماثلة لثورة مصر، في المدى المنظور على الأقل، كما أنه سيكون على السعودية تقديم بديل للقيادة المصرية في عملية التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، التي سوف ينعكس استمرارها على وضعها الراهن بشكل سلبي على الأوضاع الداخلية على المملكة السعودية خصوصا ومنطقة الخليج بشكل عام. وسعى نظام الإخوان لبناء علاقات قوية مع النظام السعودي فتجاوز عن انتهاكات سعودية تجاه العمالة المصرية، وسعى لاحتواء التوتر حول قضية “الجيزاوي”[42] والاعتذار عن المظاهرات التي حدثت بسببها أمام السفارة السعودية، وقد كانت أول زيارة خارجية لمرسي للسعودية ليعلن من هناك أن مصر والسعودية حاميتان للإسلام السني، إلا أن الدور القطري خلال فترة حكم مرسي جعل العلاقات فاترة بين الدولتين.

بعد الموجة الثورية في 30 يونيه، لعبت السعودية دورا هاما في دعم خارطة الطريق، وأعلنت عن سلة من المساعدات المالية والاقتصادية بقيمة 5 بلايين دولار، بل عملت كوسيط بين مصر والاتحاد الأوروبي من خلال زيارة لفرنسا. حيث مثلت هذه الموجة فرصة جديدة أمام البلدين لإقامة علاقات تقوم على عودة المحور القديم.[43]

أما الموقف الأكثر عنفا فكان من الإمارات العربية المتحدة، حيث تشابه موقفها بشكل كبير مع الموقف السعودي في مرحلة ما قبل مرسي وما بعده حيث أعربت عن تأييدها ودعمها الكامل لتصريح الملك السعودي حول الأحداث الجارية في مصر. كما أعلنت عن مساعدات بقيمة 3 بلايين دولار. إلا أنها الدولة التي كانت أكثر عداء لنظام الإخوان حيث استضافت معارضيه والهاربين منه وعلى رأسهم مرشح الرئاسة السابق “أحمد شفيق” وكانت مركزا لتحركهم، كما تتبعت عناصرهم العاملة في دولتهم وقدمتهم لمحاكمات، وقاد وزير داخليتهم “ضاحي خلفان” حملة إعلامية ضد الإخوان المسلمين وقيادتهم.

أما الدور العكسي في الخليج فكان الدور القطري الذي برز في عهد الإخوان، حيث جاءت الثورة في ظل علاقات متوترة مع نظام مبارك “حيث إن العلاقات لم تكن بين قطر ومصر في وجود نظام مبارك تتميز بالقوة ذاتها التي كانت بين مصر ودول خليجية أخرى، خاصة في السنوات الأخيرة، على خلفية ما أثارته فضائية “الجزيرة” بشكل أساسي من مشاكل في العلاقات بين الجانبين أسهمت أحيانا في وصولها لدرجات عالية من التوتر في أوقات مختلفة”.[44]

لعبت قطر دورا هاما في ثورات الربيع العربي، كانت مركزا لدعم الإسلاميين. وقد منحت “ودائع” بقيمة 8 مليارات دولار لمصر ما بعد مبارك،[45] ولعبت دورا وظيفيا في بلورة التوجهات الأمريكية الجديدة القائمة على إشراك التيارات الإسلامية المعتدلة في الحكم وفقا للسيناريوهات التي يتيحها الربيع العربي اليوم في عدد من الدول: تونس، ومصر، والمغرب، وليبيا.. هكذا يمكن رصد البصمات الواضحة للدعم القطري المالي والإعلامي في ليبيا ومصر وتونس.[46]

بينما تدعم قطر الأحزاب المنبثقة من رحم الإخوان المسلمين والتي تدور في فلكهم، تدعم السعودية التيارات السلفية التي تركز غالبيتها على السلوكيات والالتزام بقواعد الإسلام، مثل فرض الحجاب ومنع الاختلاط بين الجنسين.[47] حاولت قطر التي كانت تعتبر، في عهد الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الداعمة الرئيسية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وخارجها، لعب دور الوسيط بين السلطة الانتقالية وجماعة الإخوان، إلا أن انحيازها الواضح للإخوان أفشل هذا الدور، إذ عبرت عن القلق من استمرار احتجاز الرئيس المصري المعزول محمد مرسي. كما أن قناة الجزيرة القطرية واصلت دعم الإخوان المسلمين بشكل واضح، وأعادت استقبال رجل الدين المصري الإخواني يوسف القرضاوي وفتحت له منبر قناة الجزيرة، وقد اعتبر مراقبون أن عودته هذه موحية ومعبرة عن موقف قطري، حيث هاجم بشكل صريح وواضح، قيادة الجيش المصري واتهمها بتنفيذ انقلاب على مرسي. [48]

التحليل التقليدي يطرح أن ما تقوم به هذه الدول هو محاولة لإيقاف هذه الثورات بعيدا عن حدودها، وقد تكون هذه المقولة صحيحة في المرحلة الأولى، وإن اختلفت هذه الاستراتيجيات من دولة إلى أخرى في البداية. كان هناك خلاف خليجي حول كيف يمكن التعامل مع هذه الثورات وإن كان هدفه واحد هو إبعاد هذه الثورات عن دولهم. لكن مع وصول الثورة إلى البحرين وتحديدا مع دخول قوات درع الجزيرة لقمع الثورة هناك، أيقنت هذه الدول أنه لن يمكنها إبعاد الثورات عن حدودها سواء بدعمها كما الجزيرة ومن ورائها أو مواجهتها مثل العربية ومن يملكها. وهنا بدأ التوحد الخليجي باستراتيجية جديدة بدلا من إيقاف الثورات إنما دعمها ومساندتها لحصاد ثمارها من خلال مجموعة من الاستراتيجيات، تكتل للملكيات العربية عبر الدعوة للأردن والمغرب للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، دعم الربيع العربي إعلاميا مع التركيز وإبراز تيار تابع لهم فكريا على الساحة، وتحويل الدعم المادي والوعود بالمساندة المادية من الدول إلى هذه التيارات ليصلوا إلى الحكم، مما يضمن أن تكون التوجهات الفكرية في هذه الدول محافظة على غرار الخليج مما يضمن ألا يظهر في الساحة خطاب ثوري يضج مضاجعهم. وبذلك تبدأ عملية توليد لنظم في دولة بعد الأخرى يتبنى المنهج الفكري الرجعي السائد في الخليج واعتباره نموذجا يحتذى به، وبالتالي تستطيع هذه النظم الرجعية توجيهه وتتحول هذه الدول إلى مناطق نفوذ لها[49].

وهنا نلاحظ أن محاولات دول الخليج بناء العلاقات مع النظام الجديد في مصر بعد 30 يونيه على أربعة ركائز أساسية:

1-    دور مصري في أمن الخليج لكن بشروط تضعها دول الخليج، فكما نعرف أنه رغم وجود علاقات دبلوماسية بين دول الخليج وإيران فان الضغوط الخليجية مستمرة على مصر لعدم إقامة علاقات مماثلة.

2-    الحفاظ على محور الاعتدال والممانعة وعدم تحويله لمحور سني- شيعي، حيث أن بوادره أدت إلى اضطرابات شديدة في منطقة الخليج خاصة البحرين ووصلت إلى السعودية في المنطقة الجنوبية.

3-    عدم تحقيق الثورات لتغيير جذري في مصر، إذ أن نجاح ذلك قد يؤدي لامتداد أثر الثورات لهذه الدول.

4-    الاستمرار في دعم التوجه المحافظ والديني ضمان لاستمرار التأثير الثقافي والسياسي في المستقبل.

خامسا: الثورة المصرية والتمويل

يعرف المال السياسي؛ بأنه “كافة الجوانب المتعلقة بتمويل الأحزاب السياسية ومرشحيها وإنفاقها للموارد في إطار الحملات الانتخابية والأوقات الأخرى غير أوقات الانتخابات”،[50] ومن ثم فقد استتبع فقدان الشفافية فيما يتعلق بالتمويل السياسي حالة من الجدل العام تطفو بين الحين والآخر، لا سيما مع بروز فضائح التمويل لبعض السياسيين والأحزاب في دول عدة، الأمر الذي أفضى إلى ظهور منهجيات متطرفة تنظر لأي تمويل سياسي بعين الريبة وتضعه في بداية تفسير أي ظاهرة سياسية.

وفي دراسة أجراها منتدى البدائل العربي للدراسات،[51] رغم عدم وجود مؤشرات دقيقة يرى معظم من تم لقاءهم أن هناك تمويل سياسي في مصر 70%. وبما أننا نتحدث عن العاملين في المجال فهذا يعد مؤشرا على وجود مال يعمل لتمويل أحزاب أو حملات سياسية في مصر خاصة رأى 63% منهم أن هذا التمويل قد زاد بعد الثورة. وأن الغالبية العظمى بنسبة 76% قالت أن هذا التمويل يأتي من الولايات المتحدة ودول الخليج بينما يرى 36% أنه قادم من الاتحاد الأوروبي. ويرى معظم من تم لقاءهم أن السلفيين هم الأكثر استفادة من هذا التمويل 80% يليهم الإخوان 73% ثم الليبراليون 63% وجاء اليسار كأقل التيارات المستفيدة بنسبة 16%. قد رأت الغالبية 66% سلبية مثل هذا النوع من التمويل، وهو بالتأكيد مرتبط بحالة من الخوف من تدخل وتوجيه السياسة المصرية في ظل حالة السيولة التي تعيشها الحياة السياسية في مصر حاليا.

كما تناولت صحيفة “الإيكونوميست” البريطانية تجربة السلفيين في مصر واختلافها عن تجربة السلفيين في مناطق أخرى، تحدثت فيه عن أن الخليج يقدم أموالا للوعاظ السلفيين تذهب إلى تمويل المواقع الإلكترونية وحوالى 20 قناة تليفزيونية، إلى جانب تمويل الجمعيات الخيرية التي تنافس الجمعيات الخاصة بالإخوان المسلمين[52]. ووفقا لمعلومات “لمارا رافكين” الباحث في مركز “الحريري”، فإن حزب “النور” الذي جاء في المركز الثاني بعد حزب الحرية والعدالة، وحصل على 24.3%، من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تلقى بصورة منتظمة تمويلا خارجيا مصدره الأساسي دول الخليج، والسعودية تحديدا، ما أعطى المرشحين السلفيين ميزة مالية كبيرة على منافسيهم. ويضيف رافكين إن الدعم لم يقتصر على المال، مستشهدا بزيارة رجل الدين السلفي السعودي عدنان الخاطري لمصر قبل الانتخابات بفترة وجيزة، حيث ألقى خطبة حث فيها المسلمين المصريين على الاستفادة من “الفرصة العظيمة” لإقامة دولة إسلامية، وألا يخرجوا من الانتخابات خاليي الوفاض، حتى لا يتركوا الساحة للأحزاب البعيدة عن “دين الله”.[53] وتطول ذات الاتهامات جماعة الإخوان المسلمين وإن كان هنا الوضع أصعب في إثباته حيث أن الجماعة غير المسجلة بأي شكل، لا تخضع لأي نوع من الرقابة وتعتبر جزءا من تنظيم دولي واسع له مشروعات في دول عدة في العالم، وبالتالي يسهل نقل الأموال أيا كان مصدرها عبر معاملات تجارية أو شخصية. وقد تحدث العديد من منافسيهم السياسييين عن تمويلات خليجية وأمريكية للجماعة[54]. لكن ككافة الاتهامات السابقة دون دليل خاصة مع رد الجماعة الدائم بأن عدد عضويتها الكبير يسمح لها عبر اشتراكات أعضائها وتبرعات رجال أعمالها من التمويل الذاتي لأنشطتها السياسية وغير السياسية، وهو ما يدفع لإشكالية أخرى وهي طبيعة العلاقة بين الجماعة وحزب الحرية والعدالة، والتداخل السياسي والمالي بين الجانبين. كما أن هذه الاتهامات لم تقتصر على التيارات الإسلامية، إذ تشكوا هذه التيارات من تمويل وصفته بأنه “مشبوه” للأحزاب الليبرالية التي تأسست في أعقاب الثورة المصرية التي أطاحت بنظام الرئيس حسني مبارك. ورغم انفتاح جماعة الإخوان المسلمين أبرز القوى الإسلامية على الإدارة الأمريكية وترحيبها بزيارة مسئولين أمريكيين، تتهم قيادات الجماعة الولايات المتحدة بتمويل أحزاب مصرية ليبرالية، وهو أمر يؤثمه القانون في البلاد. إلا أنها (هذه التيارات) لم تقدم وثائق أو أدلة على اتهاماتها، لكنها دائما ما تلجأ إلى تصريحات سابقة للسفيرة الأمريكية في القاهرة قالت فيها إن بلادها أنفقت منذ اندلاع ثورة 25 يناير 40 مليون دولار لدعم الديمقراطية في مصر.[55] كما اعتمدت على كلام مرسل ليس له أي سند كان من أبرزه اتهام عصام العريان القائم بأعمال رئيس حزب الحرية والعدالة -حين إطلاق هذا التصريح- بأن تيار اليسار في مصر ممول من الخارج.[56] وهو ما اضطر إلى التراجع عنه سريعا تحت الضغط الإعلامي عليه بضرورة كشف الوثائق التي يمتلكها في هذا الشأن. وهو ما يؤكد أن هذه التهم الموجهة لمختلف التيارات هي انعكاس لحالة الاستقطاب التي يعيشها المجتمع المصري، وأنها إن كانت تؤكد على وجود تمويل خارجي في الساحة المصري إلا أنه لا يمكن أثباته، أو التأكد سواء من مصدره أو الجهة المتلقية له.

كما يتضح وجود تداخل واضح في التمويل بين ما هو أهلي وما هو سياسي فما يصل للجمعيات الدينية بالذات الخيرية منها لا يمكن ضبطه أو مراقبته إذ انه يدخل في مشروعات خدمية وبعضها يدخل في مجال المقاولات “مثل بناء المساجد أو العيادات الطبية” وهو ما يمكن عبر شبكة العلاقات أن يتم ببساطة تسويته على الورق وتوجيهه عبر أشخاص بعينهم لدعم العمل السياسي لتيارات بعينها. وهو مالا يختلف كثيرا عن العلاقة بين مؤسسات مجتمع مدني مسجلة (أنصار السنة المحمدية) أو غير مسجلة (جماعة الإخوان المسلمين) والأحزاب السياسية الممثلة لهذه التيارات (حزب النور) و(حزب الحرية والعدالة). كما أن نفس الدول التي تدور حولها هذه الأخبار (الخليج والولايات المتحدة) هي ذاتها التي نراها تظهر عندما يدور الحديث حول ملكية وسائل الإعلام.[57]

الخاتمة:

إن العلاقة بين السياسة وإصلاح المؤسسات والمسار السياسي هي علاقة جدلية. فعدم إصلاح القوانين والمؤسسات سيؤدي إلى عملية سياسية يهيمن عليها من قبل نفس اللاعبين القدامى الذين سيعملون على تكريس منافعهم ومصالحهم، ومجابهة أي محاولات للتغيير، وفي نفس الوقت فإن الإصلاحات المطلوبة ستحتاج للتحقيق من هذا المسار. هذه المعضلة تضعنا في مواجهة سيناريوهين اثنين؛ أولهما الاستمرار في نفس العملية المتجاهلة لمطالب التغيير، والتي تسؤدي في هذه البيئة الثورية لموجة أخرى من التظاهرات العارمة. وثاني هذه السيناريوهات هو تحقيق اختراق من خلال نخبة جديدة تؤمن بهذه المطالب في البرلمان القادم. وهو الأمر الذي لن يحدث بدون دعم ومساندة القوى الثورية في المجتمع. أيضا ستتأثر الأوضاع الإقليمية بأي سيناريو سوف يتم اتباعه على الأرض، حيث ستقوم القوة البازغة من السيناريو المطبق بتحديد مستقبل العلاقة مع القوى الإقليمية.

إن الأوضاع الراهنة تتأسس على حقيقة موجودة على الأرض، لا تؤخذ في الاعتبار من قبل العديد من المحللين. فهؤلاء يحللون الوضع على أنه صراع بين قوتين هما الإسلاميين من جهة والمدنيين أو الجيش من جهة أخرى، وهو تحليل غير دقيق إلى حد كبير. فالانقسام الحقيقي في المجتمع هو انقسام بين النظام القديم (جماعة الإخوان المسلمين)، والنظام الأقدم (نظام مبارك) من جهة، وبين إرادة التغيير من جهة أخرى. ومن هنا فإن اصطفاف مواقف هذه القوى الإقليمية يتوقف على الوضع على الأرض، وتغير المواقع هو أمر سريع للغاية وغير متوقع، نظرا لارتباط التغير بحدث معين، كما وقع في مجزرة محمد محمود 2011، وبعد الإعلان الدستوري 2012. إن الحقيقة القائلة بأن القوى الإقليمية تدعم أحد النظامين كما نرى هو أمر دقيق، لكن الحركة في المنطقة ما تزال تسير سائلة بموازاة الوضع في مصر. إن التحركات الأخيرة في السودان لهي مؤشر من المؤشرات بما نعنيه ونقصده من أن تأثير الدومينو في المنطقة سيتواصل لفترة. كما ستلعب الفواعل من غير الدول دورا أخر مهما في التغيرات الحادثة الآن.

لسوء الحظ، فإن الأحزاب السياسية هي الحلقة الأضعف اليوم في هذا المضمار. لكن هذا الضعف لا يرجع فقط إلى افتقار هذه الأحزاب للبرامج ولا لضعف علاقتها بالمنظمات القاعدية، فهذه هي الأعراض فقط. أما الأسباب الحقيقية فتكمن في بنية هذه الأحزاب التي لا تستطيع لعب دور، نظرا لأن كوادرها وبرامجها ما زلت في طور البناء بعد. إن الحقيقة المتمثلة في عدم قدرة الأحزاب على الاستجابة للتوقعات يرجع للتغير السريع في الوضع السياسي، والذي يجعلهم يهرولون من مهمة لأخرى في المسارين السياسي والثوري، بالإضافة للحملات التي تقودها الشبكات القديمة للمنافع ضد هذه الأحزاب في إطار سعي هذه الشبكات لجعل الجماهير محبطة، وعازفة عن المشاركة السياسية كما كانت قبل ثورة 25 يناير، مما يمكن هذه الشبكة في النهاية من وقف أي محاولة تغيير قد تؤثر على مصالحها نتيجة مطالب الجماهير.

نستطيع أن نرى بسهولة ان الاستراتيجية تنبنى على تغيير أي نقاش سياسي إلى استقطاب حاد بين الإسلام والقيم المدنية، وخلق حالة من الاستقطاب المصطنع التي تؤدي بالحزب بعيدا عن المطالب الحقيقية، وتحل نقاشات الجماهير حول الهوية محل احتياجتهم ومطالبهم الحقيقية. إن هذا الاستقطاب ينتقل أيضا غلى الفواعل الإقليميين، مما يؤكد على أن المنطقة تتأثر بالتفاعلات الداخلية المصرية أكثر مما تؤثر هي في مصر. إن هذا الاستقطاب هو اللاحل السحري للقوة المضادة للتغيير محليا، وإقليميا ودوليا، لكي تكبح فورة التغيير في المنطقة. إن الحركات الحالية في المنطقة، وعودة القمع، والإصرار من الأنظمة المتعاقبة على نفس السياسيات الاقتصادية سوف يؤدي لأحد السيناريوهين المذكورين بالأعلى، وهو ما سيجعل التغيير ليس فقط محليا، بل إقليميا أيضا.


[1] لفظ به قدر من تصور مبارك لسلطته باعتبارها ملك يتخلى عنه.
[2] ست مرشحين للثورة يمثلون تيارات مختلفة داخلها.
[3] اتفاق فندق فيرمونت، والتقي فيه محمد مرسي مع عدد من الشخصيات العامة وتعهد لهم بالنقاط التالية: أولا: المضي في الشراكة الوطنية والمشروع الوطني الجامع الذي يعبر عن أهداف الثورة وعن جميع أطياف ومكونات المجتمع المصري، ويمثل فيها المرأة والأقباط والشباب. ثانيا: أن يضم الفريق الرئاسي وحكومة الإنقاذ الوطني جميع التيارات الوطنية، ويكون رئيس هذه الحكومة شخصية وطنية مستقلة. ثالثا: تكوين فريق إدارة أزمة يشمل رموز وطنية للتعامل مع الوضع الحالي وضمان استكمال إجراءات تسليم السلطة للرئيس المنتخب وفريقه الرئاسي وحكومته بشكل كامل. رابعا: رفض الإعلان الدستوري المكمل والذي يؤسس لدولة عسكرية، ويسلب الرئيس صلاحياته ويستحوذ على السلطة التشريعية، ورفض القرار الذي اتخذه المجلس العسكري بحل البرلمان الممثل للإرادة الشعبية، وكذلك رفض قرار تشكيل مجلس الدفاع الوطني. خامسا: السعي لتحقيق التوازن في تشكيل الجمعية التأسيسية بما يضمن صياغة مشروع دستور لكل المصريين. سادسا: الشفافية والوضوح مع الشعب في كل ما يستجد من متغيرات تشهدها الساحة السياسيةاقرأ المزيد هنا: http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?id=a87dcc81-d96c-42f1-afe4-d2b5db538938
[4] تفاصيل خارطة الطريق تنص على: تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شئون البلاد خلال المرحلة الانتقالية لحين انتخاب رئيس جديد”. كما تنص على أن “لرئيس المحكمة الدستورية العليا سلطة إصدار إعلانات دستورية خلال المرحلة الانتقالية” و”تشكيل حكومة كفاءات وطنية قوية وقادرة تتمتع بجميع الصلاحيات لإدارة المرحلة الحالية”. كما تضم “تشكيل لجنة تضم كافة الأطياف والخبرات لمراجعة التعديلات الدستورية المقترحة على الدستور الذي تم تعطيله مؤقتا” و”مناشدة المحكمة الدستورية العليا لسرعة إقرار مشروع قانون انتخابات مجلس النواب والبدء في إجراءات الإعداد للانتخابات البرلمانية.
[5] حزب يسار وسط يضم فصيلين أحدهم يمثل اليسار “المعتدل” والآخر اليمين صاحب البعد الاجتماعي.
[6] 4 قرارات بزيادة رواتب الشرطة والجيش خلال 3 سنوات.. والمصريون يزدادون فقراhttp://www.hoqook.com/node/96088#.Ujg7p_0VDmI
 [7] يولاندي نيل، تحديات المشهد الإعلامي في مصر بعد 30 يونيه، http://is.gd/UZEKgF
[8] نظيف وحكومته والوطني.. وإينشتاين.. وائل جمال، الشروق، http://is.gd/ZqDC7L
[9] جريدة الوفد “حسن مالك” هو أحمد عز في الثوب الإخواني، http://is.gd/JXWwPY
[10] جريدة الوطن 27-8-2012http://www.elwatannews.com/news/details/41964
[11] بوابة الأهرام، 11-7-2012،http://gate.ahram.org.eg/News/230045.aspx
[12] جريدة الوفد، مرجع سابق
[13] مرسي يتفوّق على مبارك في قمع الحريات الإعلامية، الشبكة العربية لحقوق الإنسان: الاستهداف القضائي حاليا أكثر من الرئيس المخلوع، العربية نت، 3 أبريل 2013، موجود على الرابط التالي: http://is.gd/vDZln4
[15] محمد العجاتي، قانون الأحزاب، وخطوة جديدة نحو الديمقراطية، منتدى البدائل العربي، روافد للنشر والتوزيع، 2012.
[16] 10 انتهاكات ممنهجة لنظام “المعزول” أبرزها خطف النشطاء وتعذيبهم واستهداف الصحفيين، http://is.gd/qUzRMs
 [17] جريدة المصري اليوم20 أغسطس2013 http://www.almasryalyoum.com/node/2048126
[18] عامان على استفتاء 19 مارس.. “غزوة الصناديق” انتكاسة الثورة http://is.gd/9hNway
[19] نص الإعلان الدستوري: http://downloadzme.blogspot.com/2011/03/30-3-2011.htmlنص مادة ٦٠: يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى في اجتماع مشترك، بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، خلال ستة أشهر من انتخابهم، لانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو، تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويُعرض المشروع، خلال خمسة عشر يوما من إعداده، على الشعب لاستفتائه في شأنه، ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه في الاستفتاء.
[20] اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية الوفد – حيثيات حكم حل اللجنة التأسيسية http://is.gd/LSVS4t
[21] الإعلان الدستوري: http://is.gd/28k0Ki
[22] جريدة الشروق،الأحد 15 يوليو 2012، http://is.gd/La4bb1
[23] المصري اليوم، الثلاثاء 25 ديسمبر2012، http://www.almasryalyoum.com/node/1338891
[24] محمد العجاتي، كيف صوت المصريون في المرحلة الانتقالية، روافد للنشر والتوزيع، 2012
[25] محمد العجاتي، قراءة نقدية في الدستور الجديد، جريدة الشروق، ديسمبر2012، http://is.gd/KBemfk
[26] محمد العجاتي، كيف صوت المصريون، مرجع سابق، ص3.
[27] رعاة الأحزاب في الانتخابات البرلمانية المصرية، رانيا زادة، منتدى البدائل العربي، 2013، ص2.
[28] نتائج الانتخابات البرلمانية: http://gate.ahram.org.eg/News/162896.aspx
[29] عمرو الشوبكي، رعاة الأحزاب، المصري اليوم، 15 يناير 2012، http://www.almasryalyoum.com/node/601131
[30] السلفيون في مصر: أسباب الصعود في الانتخابات البرلمانية، حبيبة محسن وعمر سمير، منتدى البدائل العربي، 2013
[31] جورج فهمي وخلود خالد، “العزل الشعبي للفلول”، منتدى البدائل العربي، تحت النشر.
[32] حركة أمسك فلول: https://www.facebook.com/Emsek.Folol
[33] الحملات الانتخابية: الاستراتيجيات والتحديات، حبيبة محسن، منتدى البدائل العربي، يناير 2013، ص 9.
[34] المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الاحتجاجات العمالية في مصر، 2012 http://arabi.ahram.org.eg/NewsQ/20953.aspx
[35] مركز الدراسات الاشتراكية، مصر http://www.e-socialists.net/node/6573
[36] بوابة الأهرام، مرجع سابق.
[37] محمد بن صقر السلمي، ماذا تريد طهران من مصر بعد الثورة؟، مجلة المجلة، يونيه 2012 http://www.majalla.com/arb/2012/06/article55236046
[38] نفس المرجع.
[39] سعي «الإخوان» لصداقة إيران يزعج «السلفيين»، المصري اليوم، مايو 2013، http://www.almasryalyoum.com/node/1708841
[40] التأرجح: موقف دول الخليج العربي من ثورة 25 يناير في مصر، السفير د. عزمي خليفة، السياسة الدولية، http://is.gd/ILvxMc
[41] هاني رسلان، الموقف الدولي والعربي من ثورة 25 يناير في مصر، أفريقيا اليوم، http://www.africaalyom.com/web/Articals/214-19/artical.htm
[42] شاب مصري رفع قضية على الملك السعودي بسبب أحوال العمالة المصرية، فتم القبض عليه بتهمة حيازة أدوية مخدرة عند وصوله للسعودية لأداء مناسك العمرة.
[43] معتز سلامة، مستقبل العلاقات المصرية الخليجية.. فرص جديدة،مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية،http://acpss.ahramdigital.org.eg/News.aspx?Serial=133
[44] الأنصاري: دول الخليج لم تعد خائفة من الثورة.. ولن تساند الميدان ضد العسكر حال المواجهة، المصري اليوم، يناير 2012،http://www.almasryalyoum.com/node/578066
[46] سياسة الأبواب المفتوحة والمغلقة، كيف أصبح الإخوان الحليف الأول لقطر والخصم الأكبر للسعودية والإمارات؟ مأرب برس – سفيان فجري،http://marebpress.net/news_details.php?sid=52241
[47] دور قطر يتراجع لصالح السعودية في الشرق الأوسط، http://www.almasryalyoum.com/node/1939326
[48] موقف الدوحة يزداد التباسا http://www.alarab.co.uk/?id=221
[49] محمد العجاتي، الملكيات العربية والربيع العربي، من إيقاف الثورات إلى حصد نتائجها، http://is.gd/X4Szp2
[50] كيفين كاساس زامورا، التمويل السياسي وأنظمة التمويل بالدولة، مؤسسة بروكينجز، جامعة كوستاريكا، مايو 2008، ص 3.
[51] محمد العجاتي، التمويل الأجنبي للمجتمع المدني في مصر بعد ثورة 25 يناير: الواقع والتحديات والمعايير، منتدى البدائل العربي، 2013.
[52] Economist, Egypt’s Salafists-Dogma and purity v worldly politics- Will Egypt’s Salafists manage to evolve into a party of practical politics? Maybe, http://www.economist.com/news/middle-east-and-africa/21564911-will-egypt%E2%80%99s-salafists-manage-evolve-party-practical-politics, ,20 0ctober 2012

[53] Giorgio Cafiero, Saudi Arabia and Qatar: Dueling Monarchies, http://www.fpif.org/articles/saudi_arabia_and_qatar_dueling_monarchies, September 26, 2012

 [54] التمويل الأجنبي للإخوان المسلمين.. ذاكرة قديمة تتجدد الآن،http://elw3yalarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12603
 [55] التمويل.. اتهام يؤجج الانتخابات البرلمانية في مصر،http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=647666&issueno=12025
Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: