شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

تشريعات المرحلة الانتقالية ومعايير وشروط التحول الديمقراطى

محمد العجاتي

باحث والمدير التنفيذي لمنتدى البدائل العربي[1]

مجلة الديمقراطية

العدد 57 يناير 2015

نعيش في مصر منذ ثورة 25 يناير مرحلة انتقالية يحلوا للكثيرين وصفها بانها مرحلة التحول الديمقراطي أو المرحلة الانتقالية من السلطوية إلى الديمقراطية رغم أن عملية التحول الديمقراطي هي عملية معقدة ومركبة، ومن ثم فإن معظم التحليلات المقدمة بصددها يجب أن تكون أقرب إلى النماذج المثالية المعيارية كما استخدمها ماكس فيبر في تحليلاته، ومن ثم فإن التطوير المطلوب من جانب علماء السياسة في هذا الشأن يدور حول تطوير معايير موضوعية لقياس مدي الاقتراب أو الابتعاد عن النموذج الديمقراطي الملائم للعصر وعدم اقتصار المصطلح على حالة عامة[2]. يمكن القول إن النظم التي تمر بمرحلة التحول انتقال إلى الديمقراطية تنتشر على خط متصل يقع على طرفه الأول النظام غير الديمقراطي في صورته الفجة، ويقع على طرفه الآخر النظام الديمقراطي في نمطه المثالي[3]. وفي هذا الإطار تحاول هذه الورقة تقييم العملية التشريعية في مصر خلال السنوات الاربع الماضية من خلال نموذج متعلق بعناصر التحول الديمقراطي لتبين المدى الذي قطعناه خلال هذه الفترة في طريق الديمقراطية. ولكن قبل ذلك يجب ان نتطرق للمراحل الخاصة بعملية التحول الديمقراطي، والمبادئ التي يمكن من خلالها الحكم على التشريعات من خلال معيار الديمقراطية.

أولا: -مراحل عملية التحول الديمقراطي وسمات التشريعات المرتبطة بها:

للانتقال من المرحلة السلطوية إلى النظام الديمقراطي لابد من المرور في عدة مراحل تسمي بمراحل التحول الديمقراطي وهي أربع[4]: مرحلة انهيار النظام السلطوي، وهي فترة سقوط النظام السلطوي وسيطرة نظام أخر يحل محله سيطرة تامة على السلطة، وتعتبر هذه المرحلة من المراحل الصعبة لما يتخللها من عدم استقرار وتذبذب الأوضاع الأمنية كما تشير الدراسات على أن هذه المرحلة تتسم بعدم اليقين السياسي. مرحلة قيام النظام الديمقراطي، وتمثل المرحلة الثانية تدعيم وترسيخ الديمقراطية وتشمل ثبات مستوي سلوك القادة السياسيين والتفسير العلمي والتنفيذ الفعلي للمؤسسات والقبول الحقيق للديمقراطية من جانب المحكومين ومن جانب النخبة وإقامة آلية سياسية جديدة تحمي المصالح وتضمن الوساطة بين المجتمع والدولة وبين قطاعات المجتمع المختلفة. مرحلة التماسك الديمقراطي، وهي المرحلة التي يسود فيها الاعتقاد من جانب الفاعلين السياسيين الرئيسيين والأحزاب وجماعات المصالح أو أي قوي أخري بعدم وجود بديل عن العمليات الديمقراطية لممارسة السياسة أو الوصول إلى السلطة. مرحلة نضج النظام الديمقراطي الجديد، هي مرحلة استقرار الديمقراطية وتجذر مؤسساتها في المجتمع وتتشكل ثقافة المجتمع السياسي على أساس ومبادئ وقيم الديمقراطية، ورفض ما يتعارض معها من أفكار ونبذ التيارات المخالفة لها.

وبناء على هذه المراحل يمكننا تبين أن عملية التحول الديمقراطي ليست حدثة يقع فجأة في الدول والمجتمعات، إنما هي عملية منظمة لها مجموعة من المحددات تقوم على دعم ثقافة ومؤسسات التعددية السياسية وتفعيل مشاركة المواطنين عبر هذه المؤسسات وفتح المساحات أمام حرية الرأي والتعبير، وضمان حرية التنظيم باعتبارها الوسيلة والأداة اللازمة لذلك. فالثورات التي شهدت إطاحة عنيفة بأفراد النظام السابق لم تجلب في معظمها سوى نظم سلطوية بديلة لتلك التي كانت موجودة (أنظمة البعث في العراق وسوريا خير مثال)، بينما تجارب التحول الديمقراطي الناجحة في معظمها قامت على مجموعة من الإجراءات والتشريعات والسياسات التي تدعم الشفافية والمحاسبة مثل قوانين إتاحة المعلومات والعدالة الانتقالية، وفتح الباب لتكوين وحرية عمل الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، ومراعاة دعمها وتمكينها في مختلف مراحل عملية التحول (على غرار تجارب التحول في أوروبا الشرقة). ولأن هذه الأحزاب والكيانات في مثل هذه الحالات تولد مبتسرة وليس نتاج تتطور طبيعي كالذي شهدته أحزاب الديمقراطيات العريقة، فمن الواجب أن توفر لها بيئة التحول الحاضنة التي تمكنها من القيام بدورها.[5] إذ ان الديمقراطيات في اي دولة خصوصا الدولة حديثة العهد أو التي لاتزال في مرحلة التحول الديمقراطي تواجه خطرا يتمثل في الانزلاق مرة أخرى للحكم الاستبدادي، ولكن الضمانات الدستورية والتشريعية يمكن أن تساعد على منع تركيز السلطات في يد القوى المعادية للديمقراطية، وخاصة من جانب السلطة التنفيذية[6]. من هنا تأتي أهمية التشريعات في عملية التحول الديمقراطي إذ انها تلعب أكثر من دور أولهم دور الفاعل في عملية التحول من خلال إقرار قوانين وتشريعات محفزه للمشاركة المنظمة ودور الحامي للمجتمع من هيمنة وسيطرة فصيل بديلا عن ذلك الذي كان مسيطرا قبل عملية التحول، ودور المحفز عبر تمكين الأقليات والفئات والكيانات التي كانت مهمشة في ظل النظام السلطوي من الحصول على حقوقها ودور الضامن في عدم العودة الي السلطوية فيما يطلق عليه الانقضاض على الديمقراطية “” back clash against democracy[7]. وبناء على دراسة للمركز الدولي للقوانين غير الربحية[8] التي طرحت أنواع القيود التي تفرض من خلال في القوانين غير الربحية يمكننا تحديد السمات الأساسية التي يمكن على أساسها الحكم على التشريعات من خلال منظور الديمقراطية:

  • أن تكون الحرية مفهوما حاكما في هذا القانون (والحظر أو المنع يكون الاستثناء).
  • وضع عقوبات تتناسب مع حجم المسؤوليات وطبيعة العمل.
  • تحديد واضح للمفاهيم والمصطلحات والإجراءات الواجب إتباعها دون ترك عبارات مبهمة وعبارات مطاطة.
  • دعم الشفافية بمنطق إتاحة المعلومات لتبادل المنفعة والتمكين من المحاسبية وليس كأداة للرقابة والحجر على الحريات.
  • وضع القضاء بهيئاته الطبيعية وسيط بين السلطة التنفيذية والإدارية والمخاطبين بهذا التشريع، إذ لا يجوز لأي طرف اتخاذ إجراءات قانونية ضد الآخر إلى من خلال اللجوء للسلطة القضائية.
  • إدخال المجتمع كطرف رئيسي في المعادلة.
  • توحيد جهة الرقابة في جهة واحدة محددة ومعلنة الصلاحيات.

ثانيا: -التشريعات المصرية ومحددات التحول الديمقراطي:

وبناء على السمات الخاصة بالتشريعات الديمقراطية سنحاول هنا تحليل تشريع متعلق بكل محدد من المحددات الثلاث وهم “دعم التعددية-إطلاق حرية الرأي والتعبير-ضمان حرية التنظيم” صدر في هذه المرحلة الانتقالية، باعتبار أن المنظومة التشريعية هي بناء متكامل ومن المفترض أنها تبني على بعضها البعض، وباعتبار أن القوانين التي سيتم الإشارة لها متعلقة بجوهر عملية التحول الديمقراطي.

  • قانون مجلس النواب نموذج للقوانين التي يجب عليها دعم التعددية: –

صدر في 5 يونيو 2014 تشريع قانون مجلس النواب لتنظيم العملية الانتخابية التي ستجري لاختيار مجلس النواب[9]. وأهم الملامح الجديدة في هذا القانون تتمثل في[10]: –

  • اعتماد القانون في مادته الأولى عدد أعضاء مجلس النواب إلى 540 عضو للبرلمان، ويعين الرئيس 5% من أعضاء مجلس الشعب ليصبح العدد 567عضوا.
  • في المادة الثالثة اعتمد القانون النظام المختلط للانتخابات وأعطي مساحة كبيرة لنظام الفردي، فالنظام الفردي 78% أي 420 مقعد في مقابل أن النظام القائمة له 22% فقط أي 120 عضوا.
  • تقسيم الجمهورية إلى أربع دوائر في المادة الرابعة منه لنظام القوائم تنظم بموجب قانون يصدر فيما بعد، وتراعي التمثيل العادل للكثافة السكانية وتشمل فئات العمال والفلاحين وفقا للمادة 243 والشباب والمسحيين والاشخاص ذو الاعاقة والمقيمين في الخارج وفقا للمادة 244 من الدستور المصري[11].
  • في المادة الخامسة اعتمد القانون أن يستمر العضو طوال مدة المجلس على الصفة التي ترشح بها –مستقل أو ينتمي لحزب معين-وألا فقد عضويته بثلثي مجلس النواب.
  • أعتمد نظام القوائم المطلقة في المادة 23 منه ويعني أن القائمة التي تحوز على الأغلبية المطلقة من الأصوات تحصل على كل مقاعد الدائرة في المجلس.

هناك العديد من المميزات التي يتضمنها القانون أهمها تمثيل التنوع المجتمعي-رغم ضعف النسب الخاصة بهذه الفئات-وهي النساء، والمسحيين، والشباب، وذو الإعاقة والمصريين في الخارج والعمال والفلاحين. كما وضع محدد واضح للدوائر وهو عدد السكان والناخبين ولم تغفل المادة النص على مراعاة التمثيل العادل للسكان والمحافظات، والمتكافئ لكل الناخبين. إضافة على أنه أعطي القضاء الإداري الصلاحيات اللازمة للفصل في الطعون وجعلها ملزمة.

أما أهم عيوب قانون مجلس النواب الجديد أنه أعطى النسبة المبالغ فيها للنظام الفردي (78%) وهو ما من شأنه التأثير بشكل كبير على النظام السياسي حيث يؤدي هذا النظام إلى سيطرة حزب واحد أو حزبين مهيمنين، ويرسخ ثقافة الدور الخدمي للبرلمان لدى المواطنين، هذا بالإضافة إلى سيطرة رجال الأعمال والعرقية والقبلية على المجلس[12] حيث يغيب الصراع السياسي الذي يعد احد لبنات الديمقراطية وتتحول المسألة لاختيار بين اشخاص على أساس الولاءات الأولية أو القدرات المالية، وهو ما يضعف بالضرورة الأحزاب ويفقدها احد ساحات الهامة لبناء ذاتها، إذ تعتبر في الديمقراطيات الراسخة الانتخابات المدرسة التي تتعلم فيها الأحزاب وتقييم نفسها وتطور من أدائها بناء على احتكاك واختبار فعلي على ارض الواقع ووسط المجتمع. وهذا القانون يكشف عدم القدرة على الابتكار والخروج من أنماط التفكير السابقة. فنحن نتحدث عن نظام الفردي والقائمة، ثم ننطلق في جدل حول النسب وطبيعة احتساب الأصوات وكيفية تمثيل الفئات التي نص عليها الدستور في ظل هذا النظام؛ فنصل لنظام احتساب أصوات شبه مهجور لأنه جائر ولا يؤسس إلا لسلطوية جديدة من خلال سيطرة فصيل واحد على البرلمان وهو نظام القائمة المطلقة[13]، التي يمكن ان تهدر أصوات الناخبين فلو تصورنا وجود 5 قوائم توزعت بينهم الأصوات بنسب متقاربة، تدخل القائمتين الأعلى الإعادة لتنجح احدهم مهدرين نسبة قد تفوق 75% من الأصوات التي صوتت لقوائم أخرى في الجولة الأولى، وبدلا من ان نجد تمثيل لخمسة تيارات او أحزاب او تكتلات سياسية داخل البرلمان، يصل اتجاه واحد او كتلة واحدة وتغيب باقي الأصوات عن البرلمان. وبالتالي هذا القانون رغم ما تم ذكره من مزايا إلا انه غير داعم لفكرة التعددية السياسية واقتصرها على التمثيل النسبي للفئات (بنسب ضعيفة) التي لا تمثل بالضرورة التنوع السياسي، بينما مراحل التحول الديمقراطي الأصل هو اختيار النظام الذي يعبر عن التعددية ويدعم الأحزاب ودورها، باعتباره إجراء أساسي كما أوضحنا من إجراءات التحول، وبالتالي الغلبة يجب أن تكون للقوائم. أي ان ما حمله القانون من مزايا تنظيمية لا علاقة له بالتعددية السياسية التي يجب ان تدعمها التشريعات التي تصدر في مراحل التحول الديمقراطي بل على العكس يعد هذا القانون معيق للتعددية السياسية.

  • قانون التظاهر كتشريع مرتبط بحرية التعبير:

صدر في 24 نوفمبر 2013 تشريع رقم 107 بشأن تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية[14].

تتمثل حرية التعبير في حرية التظاهر وإبداء الرأي للمواطنين وتمثل مؤشر من مؤشرات الديمقراطية وانتشار الوعي والتنمية الثقافية، ولابد في أي قانون للتظاهر أن یستحضر فلسفة قانونية قائمة على أن الأصل في الممارسة الحرة وأن أي قيود هي الاستثناء، وإن القضاء على المظاهرات وظاهرة التظاهر أو الحد منها بقانون أو بغيره لا تفید، فالمظاهرات من أهم عوامل الديمقراطية وإبداء الرأي والذي تسعي لها الكثير من شعوب العالم. ولذلك لابد أن يتضمن القانون حماية المظاهرات وتنظيمها وليس الحد منها وتجريمها، والابتعاد تدریجیا عن الحلول الأمنية لهذه الفعاليات وهو ما یضمن تفرغ الأمن لمهامه الرئيسية[15]. وأهم عيوب ومشكلات قانون التظاهر هو أنه وضع قيودًا عديدة على حرية المواطنين في الاجتماع العام حيث أنه سمح لقوات الأمن بحضورها تحت دعوى تأمينها، وأيضا ألزم المنظمين بإخطار وزارة الداخلية قبلها ثلاثة أيام حتى وإن تم تنظيمها في أماكن خاصة، وأعطى الحق لقوات الأمن بفض الندوات لأسباب مطاطة يمكن تفسيرها على هوي السلطة التنفيذية. هذا بالإضافة إلى أن القانون جرم الحق في الإضراب ويعاقب عليه بعقوبة تصل إلى خمس سنوات فضلاً عن الغرامة ووضع قيود صارمة على المنظمين للاجتماع أو للمظاهرة. على الرغم من أن مشروع القانون الجديد نص على تنظيم المظاهرة بالإخطار، إلا أنه أفرغ مضمون الإخطار من معناه حيث منح وزارة الداخلية حق الاعتراض على الإخطار. كما أفرد القانون عقوبات سالبة للحرية وغرامات قاسية على من يخالفه، وضع مشروع القانون قيودًا على أماكن الاجتماعات والتظاهرات[16]. ورغم العديد من الأصوات التي اعترضت على هذا القانون من داخل مجلس الوزراء حين صدوره، ومطالبات المجلس القومي لحقوق الانسان بإجراء تعديلات جوهرية في بعض مواده، وشبهات عدم الدستورية التي تحيط به، فان القانون صدر بشكله المعادي لحرية التعبير، حتى لو اقتضت الظروف وجوده مثلما يقول البعض، فإن ذلك لا ينفي انه قانون معوق لحرية الرأي والتعبير على عكس ما يتوجب إصداره من تشريعات في مراحل التحول الديمقراطي.

  • قانون الاحزاب كأساس لحرية التنظيم: –

تمثل الأحزاب الباب الأول للاطلاع على الحياة السياسية، إذ أصبحت الأحزاب السياسية مكونا أصيلا وفاعلا أساسيا في المجتمعات الديمقراطية؛ ويصعب الحديث عن وجود نظام ديمقراطي حقيقي بدون وجود نظام حزبي حقيقي، والأحزاب السياسية هي المؤشر الأول في عملية حرية التنظيم، لتطلعات وآمال مختلف فئات المجتمع وترجماتها إلى مجموعة من البرامج والسياسات العملية القابلة للتطبيق. اعتبر بعض الباحثين التعديلات في مارس 2011 على قانون الأحزاب تعديلات ايجابية إلى حد كبير بسبب تحول اللجنة المسئولة عنها من لجنة تحت وطئت الحزب الحاكم إلى لجنة قضائية بالكامل[17]، ووضع محددات تدعم مبادئ الديمقراطية مثل عدم تأسيس أي حزب على أساس ديني أو طبقي أو طائفي. وألا تتعارض مبادئه أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه في ممارسة نشاطه مع المبادئ الأساسية للدستور، عدم إقامة أي نوع من أنوع من التشكيلات العسكرية التابعة للحزب، وعلانية مبادئ الحزب وتنظيماته ومصادر تمويله وعدم جواز حل الأحزاب إلا بحكم قضائي[18].

إلا ان هذا التشريع الذي صدر في أوج الزخم الثوري لم يخلوا من نفس النوعية من العيوب التي تعبر عن ذهنية تشريعية التي تربت على أن التشريع هدفه الرئيسي التضييق والسيطرة وليس الاتاحة والتنظيم، حيث أن القانون لم يخرج من نموذج الترخيص الحزبي إلى نموذج أخر متقدم فلم تنشأ الأحزاب عن طريق الإخطار-كما نص القانون-إنما أشارت المادة 8 على أحقية اللجنة المختصة بالاعتراض خلال 30 يوم مما يفقد الإخطار مضمونه الحقيقي. كما ضيق بشدة تأسيس الأحزاب منذ البداية برقم لا مثيل له فأي نظام ديمقراطي حيث اشتراط ألا يقل عدد مؤسسي الحزب عن 5000 مؤسس من 10 محافظات بحد أدنى 300 مؤسس من كل محافظة، كما وضع امامها عائق مالي وهو نشر خبر التأسيس وأسماء المؤسسين في جريدتين يوميتين واسعتي الانتشار، وأن تكون التوكيلات موثقة رسميا، ما قد يكلف مؤسسو الحزب ما يقرب من مليون جنيه وفقاً لبعض التقديرات[19]. كما انه قيد تمويل الحزب ومنع عنه دعم الدولة تحت حجة منع “الأحزاب الكارتونية” التي تتشكل فقط من اجل الحصول على هذا الدعم، بدلا من أن يحدد معايير واضحة لهذا الدعم تحفز الأحزاب على العمل وفي نفس الوقت تمنحهم قدر من المساندة سواء على المستوي المادي المباشر (دعم مالي) او غير المباشر (مساحات في الاعلام الرسمي، او استخدام منشأت الدولة في العمل مثل قاعات المؤتمرات أو الحدائق العامة). أي أن القانون قد حمي الأحزاب ولكن قيدها من حيث النشأة، أي أنه قيد الحق الأصلي الذي يعد مقوم أساسي لعملية التحول الديمقراطي.

الخاتمة:

الواقع المصري لم يشهد منذ ثورة يناير 2011 وحني الآن سوي هجوم وتضييق إعلامي وتشريعي على الكيانات التي تعبر عن التعددية، ويكتفي بمراجعة القوانين الثلاث السابقة التأكد اننا مازلنا لم نعبر حتى الآن من المرحلة الاولي من مراحل التحول، وأننا منذ يناير وحتى تاريخه مرورا بمختلف من تولوا السلطة أمام ذهنية لا ترغب في التعددية والديمقراطية ولا تعترف بها، وتتعدد الأسباب فمرة بحجة الخصوصية، ومرة أخري بحجة الأمن القومي، ومرات بحجة الشرعية، وكأن الشرعية الانتخابية تسمح بالإطاحة بأصوات الآخرين أو بالعملية الديمقراطية التي وصل من خلالها برمتها. وهذه الوضعية هي نتاج لكثير من العوامل منها أشخاص تدافع عن مكتسبات ومصالح تراكمات لصالحها خلال سنوات الفساد التي سبقت الثورة وايضا عقلية نمت وتربت على منهج سلطوي تحول بالنسبة لها إلى أسلوب عمل وهو بالنسبة لها الممكن الوحيد والخروج خارج صندوقه امر غير سليم أو لا يمكن تحقيقه في أقل تقدير. أي أن جزء أساسي من عدم القدرة على التحول هو عجز الخيال الذي يعاني منه القائمون على السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية والنخب السياسية التي تشكلت خلال السنوات الثلاثين الأخيرة. حتى نستطيع أن نصل إلى قوانين تساهم في تحول ديمقراطي وعدم الانزلاق إلى نظام سلطوي جديد، ولابد لنا الخروج من هذه الذهنية السلطوية والابتعاد عن رموزها عند صياغة القوانين والالتزام بالمبادئ الديمقراطية في صياغة التشريعات ووضع محددات التحول الديمقراطي من دعم التعددية السياسية والمجتمعية، وإطلاق حرية الرأي والتعبير، وتحفيز حق التنظيم، موضع التنفيذ من خلال هذه التشريعات، و”الدعم والاطلاق والتحفيز” لا يعني فقط وضع ضمانات لهذه المحددات إنما وضع آليات من شأنها أن تشجع المواطن على ممارسة هذه الحقوق من خلال المشاركة الفعالة في الحياة العامة، فبدون المشاركة القائمة على المحددات المذكورة من غير الممكن إنجاز عملية التحول الديمقراطي، بل انه لا جدوى منها.

————————————————————–

[1] مساعد باحث: شروق الحريري.

[2] محمد سعد أبو عامود، “التحول الديمقراطي وإشكالياته في البلاد العربية”، مجلة الديمقراطية 2009، متاح على http://is.gd/hy5dC6

[3] حسنين توفيق إبراهيم، ” الانتقال الديمقراطي: إطار نظري”، مركز الجزيرة للدراسات 2013، متاح على http://is.gd/8maeE7

[4] محمد سعد أبو عامود، مرجع سابق.

[5] محمد العجاتي، ” عجز خيال… وخيال العجز”، الشروق، متاح علي: http://is.gd/iySq1L

[6] تقرير الديمقراطية العالمة، “منع الديكتاتورية: الضمانات الدستورية ضد إعادة إنتاج السلطوية”، متاح علي: http://is.gd/cz2WeB

[7] Thomas Carothers, The Backlash against Democracy Promotion, Foreign affairs journal, March/April 2006 Issue, http://is.gd/rUnkf1

[8] ICNL, Constraints on the civil society, Washington, 15/1/06, p.2

[9] نص قانون مجلس النواب، متاح على: http://is.gd/bZxfJu

[10] أحمد عبد ربه، “قانون مجلس النواب: أي مستقبل ينتظر الاحزاب في مصر”، متاح علي: http://is.gd/sH3MLr

[11] الدستور المصري، متاح علي: http://is.gd/hTXKSy

[12] المرجع السابق.

[13] للمزيد راجع مقالي “عجز الخيال،”، هامش 4.

[14] نص قانون تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، جريدة الوفد متاح علي: http://is.gd/68bl2F

[15] عمر سمير، “قانون التظاهر رؤية لقانون منظم للحقوق”، منتدى البدائل العربي متاح علي: http://is.gd/8z9xcV

[16] بيان منظمات المجتمع المدني، متاح علي: http://www.cihrs.org/?p=7399

[17] تتشكل هذه اللجنة وفقا نص تعديلات قانون الأحزاب 2011 من النائب الأول لرئيس محكمة النقض وعضوية نائبين لرئيس مجلس الدولة ونائبين لرئيس محمة النقض واثنين من رؤساء محاكم الاستئناف.

[18]  يسرى العزباوى -مازن حسن، ” الخريطة الحزبية في مصر بعد الثورة من التعددية المقيدة إلى التفتت الحزبي”، كراسة استراتيجيات فبراير 2013، متاح على http://is.gd/tIGeyd

[19] محمد العجاتي، “قانون الاحزاب وخطوة جديدة نحو الديمقراطية”، القاهرة، منتدى البدائل العربي، 2012.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: