شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

التنظيمات اليسارية بعد ثورة يناير (قراءة نقدية) ثورة الفرص وارتباك الأداء

محمد العجاتي
الملف المصري
دورية شهرية عن السياسة والمجتمع في مصر
العدد 14
أكتوبر 2015
التنظيمات اليسارية بعد ثورة يناير- قراءة نقدية.. ثورة الفرص وارتباك الأداء PDF

عشية ثورة 25 يناير كانت التنظيمات اليسارية في وضعية استثنائية، فكرة الثلج التي صنعتها مظاهرات دعم الانتفاضة وكبرت مع حركة كفاية، وكان التيار اليساري جزءا أساسيا منها، كانت قد أودت في السنوات الخمس السابقة على الثورة إلى موجة من الحراك الاجتماعي، ما بين احتجاجات للعاملين وطالت قطاعات عدة مثل الفلاحيين والمهنيين. بدأ زخم الحراك الاجتماعي الرافض للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية، في أعقاب انتخابات الرئاسة في 2006، وكانت الاحتجاجات في مجملها مطلبية أو فئوية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية بعيدة عن المطالب السياسية المباشرة التي سبق لحركات مثل كفاية طرحها، ففي عام 2009 بلغت نسبة الاحتجاجات 28% من مجمل الحالات التي تم رصدها، تلاها الاعتصام بنسبة 26% ثم الإضراب عن العمل بنسبة 20%.[1]

كان إضراب المحلة في ديسمبر 2006 أول إضراب للحركة العمالية منذ 1994، ونقطة تحول كبيرة، استمر لثلاثة أيام، واضطرت الحكومة للتفاوض مع العمال وتنفيذ مطالبهم، وأسس لقاعدة تعامل الدولة ورجال الأعمال مع الإضرابات، وفي سبتمبر 2007 حيث أضرب موظفو الضرائب العقارية في سبتمبر 2007، وشكلوا لجنة لقيادة الإضراب منتخبة من المحافظات المختلفة، ونجح إضرابهم في نهاية ديسمبر 2007 في تحقيق معظم المطالب، وهنا قد انتهج المضربون نهجا أكثر تنظيما، حيث اجتمع العمال ليقرروا مصير لجنة قيادة الإضراب، وكان القرار هو تحويلها لنقابة مستقلة والانسحاب بشكل جماعي من النقابة الرسمية الموالية للدولة، وبهذا انطلقت حركة النقابات المستقلة في مصر والتي اتسعت اليوم لتشمل أكثر من مائتي نقابة[2]، ثم كان الإضراب الأكثر قوة، إضراب 6 أبريل 2008 كان أعنف إضراب للعمال، فقد تحول من دعوة إضراب عمالي لعمال شركة المحلة إلى إضراب عام بعد تبني بعض المدونين والشباب المصري الفكرة الذين عرفوا بعد ذلك بحركة شباب 6 أبريل وعدد أخر من الحركات الشبابية. كما شهدت تلك الفترة أيضًا انتشار الاحتجاجات بين قطاعات جديدة وغير مألوفة في المجتمع المصري، مثل سائقي المقطورات، أو الصيادلة والأطباء، وخبراء وزارة العدل، والمعلمين، والإعلاميين.[3]

رغم ما سبق، لم نجد تطورا على مستوى التنظيم اليساري في هذه المرحلة، والتي من المفترض أن يمثل هذا الحراك لها فرصة للتجنيد وطرح الرؤى بل والظهور للمجتمع بشكل قوي. بل كان هناك أصوات عديدة تنادي بعد استخدام هذا الحراك لذلك وفصله عن أي تنظيم أو عمل سياسي. فظلت خريطة اليسار على ما هي عليه الممثل الرسمي لليسار حزب التجمع الذي نشاء ليضم في داخله تيارات يسارية متعددة تمثل معارضة واضحة للنظام السياسي الاقتصادي الذي تشكل في عهد السادات مبنيا على سياسات الانفتاح الاقتصادي واتفاقية كامب ديفيد، كان قد وصل الي بداية الألفية وهو لا يقدم أي معارضة لهذا النظام الذي ظل مستمرا في ظل حكم حسني مبارك، إنما يمثل حزب يواجه تيارات الإسلام السياسي بأفكارها الفاشية، مع انصهار شبه كامل للتيارات المختلفة فيما سمي بالثقافة التجمعية، وإن ظل الحزب الشيوعي المصري هو الكيان الوحيد الظاهر داخل الحزب. أي إنه ما قبل الثورة كان هذا الحزب قد فقد الشكل والدور وأصبح يقدم نفسه كجزء من النظام السياسي القائم أكثر مما يقدم نفسه كبديل له. حتى أنه قبيل ثورة يناير قد صرح رئيسه آنذاك رفعت السعيد بأنه لن يشارك في ثورة 25 يناير لأن منظموها “شوية عيال”.[4]وخارج هذا الحزب نشأت مجموعات يسارية صغيرة عملت من خلال تنظيمات غير رسمية سنتناول منهما نموذجين بارزين ومحل جدل دائم تشكلا خلال العشر سنوات السابقة للثورة أحدهما هو التيار التروتسكي والذي تمثل في تيار الاشتراكيين الثوريين والأخر كان تيار اليسار الديمقراطي والذي كان يعرف باسم المجلة التي أصدروا منها مجموعة من الاعداد “البوصلة”.[5]بينما قبل الاشتراكيين الثوريين التحالف تكتيكيا مع الإخوان والتنسيق معهم في قضايا في مواجهة نظام مبارك، نجد ان تيار اليسار الديمقراطي قد أخذ موقف أشبه بموقف التجمع من التيارات الإسلامية ككل، وصل الى اتخاذ موقف سلبي من حزب الله في حربه ضد إسرائيل في 2006. غلب على الاشتراكيين الثوريين النشاط الميداني فتواجدوا بدرجة ما في الجماعات والمصانع والجبهات السياسية التي تشكلت خلال هذه الفترة مع إصدارات في معظمها تخدم هذا الهدف، أما الديمقراطيين فكان تركيزهم نظريا أكثر لذا يمكننا أن نجدهم وسط أساتذة الجامعات، ومراكز الدراسات، وانعكس ذلك في مجلة البوصلة التي كانت تحاول طرح رؤية جديدة لليسار. إلا ان التيارين جمعهما نفس الإشكاليتين وهي الإشكاليات الداخلية التي كانت تؤدي إلى الانشقاقات دائمة، والتركيز على الصراع بين أبناء التيار اليساري لأثبات من منهم يمثل الموقف اليساري الصحيح.

التنظيمات اليسارية خلال فترة المجلس العسكري، الارتباك التنظيمي:

بينما كان موقف التجمع الحزب الرسمي كما أسلفنا من الدعوة لـ25 يناير كانت التنظيمات اليسارية الأخرى جزءا أساسيا من الإعداد لليوم، فائتلاف شباب الثورة الذي أعلن من الميدان، والذي كان أفراده منخرطين في مناطقهم في الإعداد للمظاهرات التي انطلقت من مناطق مختلفة، وكانت تجمعهم لقاءات تنسيق كان من بينهم أعضاء من تيار الاشتراكيين الثوريين، وممثلين عن تيار اليسار الديمقراطي، ورغم ذلك فبعد سقوط مبارك عاد كل منهم لمنهجه فاختار الاشتراكيون الثوريون الاستمرار في الميدان والتركيز الأكبر على المسار الثوري وتشكيل تحالفات وجبهات مع القوى الشبابية الموجودة على الأرض. بينما اتجه اليسار الديمقراطي أكثر للتركيز على المسار السياسي وشرع في تأسيس حزب سياسي هو الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي. هذا لا يعني أن كلاهما لم يساهم في المسار الأخر ولكن تركيزه كان بشكل أكبر على المسار الذي قام باختياره، لذلك لم يتمكن الاشتراكيون الثوريون من انجاز مهمة بناء الحزب الذي سعوا اليه “حزب العمال والفلاحين”.[6]

وفي هذا التوقيت وفي ظل زخم يرفع شعارات مرتبطة باليسار بشكل مباشر “عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية” طرحت مجموعة من المنشقين عن التيارين وأفراد غير منتمين لتنظيمات، تجميع اليسار في حزب واحد هو حزب “التحالف الشعبي الاشتراكي” ما لبث أن انضم له مجموعة خرجت من التجمع بعد انتخاباته التي جرت بعد الثورة، وحصل الحزب الجديد في أكتوبر2011 على الموافقة[7]. ليخوض تحت مظلته بعدها بأيام الانتخابات البرلمانية الأولى بعد الثورة تحت قائمة الثورة مستمرة. ضم التحالف ائتلاف شباب الثورة، وحركة 6 أبريل، مجموعة دعم محمد البرادعي، حركة شباب من أجل العدالة والحرية وشباب حزب الجبهة الديمقراطية. وضم التحالف أيضا مجموعة من الأحزاب تحت التأسيس وهي، الحزب الاشتراكي المصري، حزب التحالف المصري، حزب التيار المصري وحزب مصر الحرية كما ضم حزب واحد مؤسس وهو حزب المساواة والتنمية.[8]

بينما قاطع الاشتراكيون الثوريون هذه الانتخابات وجدنا المصري الديمقراطي يطرح أولوية مواجهة صعود التيار الديني ويشكل تحت مسمى الكتلة المصرية تحالفا مع أعتى الأحزاب النيوليبرالية فكرا “المصريون الاحرار” تحالف الكتلة المصرية، وكان من البديهي واتساقا مع مواقفه التاريخية أن نجد حزب التجمع طرفا في هذا التحالف. على عكس التحالف الشعبي الذي رأى ان المهمة في هذا الوقت هو نقل الثورة من الميدان الى البرلمان فالتحالف يجب أن يكون مبني على أساس مطالب الثورة وليس على مواجهة خصم سياسي.

وفي الانتخابات البرلمانية الأولى بعد الثورة، حصد الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي 16 مقعدا بنسبة 3.15%، وحصد تحالف الثورة مستمرة على 8 مقاعد بنسبة 1.57%، أما حزب التجمع، فقد حصد 3 مقاعد بنسبة 0.59%. إلا إنه بعد تشكل البرلمان وبدء العمل كان من الواضح عدم رضاء تيارات اليسار عن أداء المجلس العسكري، وهو ما برز في تصريحات قيادات في الاشتراكيين الثوريين عن ضرورة إحداث تغيير ثوري داخل المؤسسة يستبعد هذه القيادات، على غرار ما قم به الضباط الأحرار عام 1952. أو من نواب لتيار المصري الديمقراطي بعد مذبحة الالتراس في بورسعيد، وكانت بيانات التحالف الشعبي الاشتراكي تعكس ذلك بوضوح.[9] وإن كان حزب التحالف رفض عضوية وكيل مؤسسيه آنذاك للمجلس الاستشاري للمجلس العسكري، نجد أن المصري الديمقراطي كان له ممثل في هذا المجلس، ظل التجمع على ذات موقفه في معركته التنويرية، وأعلن أن الصالح العام أهم بكثير من تحقيق فكر سياسي، ودعوا إلى الانخراط في العمل الوطني والعمل على رعاية الوطن وسلامته وحمايته من التطرف والإرهاب[10]، وعاد الحزب لتركيز هجومه مرة أخرى على التيارات الإسلامية دون تقديم معارضة أو بدائل للسلطة.

وكما حدث قبل الثورة لم تتمكن التنظيمات اليسارية في الاستفادة من الزخم الموجود في الشارع والذي كان يعبر عن ميل يساري عبر شعاراته وأفكاره، حيث لم يتمكن التحالف الشعبي والديمقراطي الاجتماعي من تأسيس أحزابهم إلا من خلال استكمال العدد القانوني عبر آليات التجنيد، فالأول احتاج لمجموعة تخرج من التجمع لتنضم اليه، والثاني من خلال تحالف مع تيار على يمينه ليستكمل العدد. أما التجمع فقد شهد خروج مجموعة كبيرة من أعضاءه التاريخين ليذهبوا كما أشرنا للتحالف الشعبي، ولم يتمكن الاشتراكيون الثوريون من استكمال العدد القانوني لحزب العمال والفلاحين الذي كانوا يسعون لتأسيسه. كما تجدر الإشارة هنا لمحاولتين لما تكتملان هما الحزب الاشتراكي المصري والحزب الشيوعي المصري.[11]

الانفصال الذي أصاب الثورة المصرية بين المسار الثوري والسياسي، إضافة إلى القادمين الجدد بروح الميدان ليمارسوها داخل الأحزاب، كانت الإشكاليات الأكبر في مواجهة اليسار المصري، أدى على ارتباك تنظيمي ما بين خبرات العمل تحت نظم قمعية بأسقف منخفضة تحت شعار “السياسة فن الممكن” وطموحات ثورية لشباب شعارهم “يا نجيب حقهم يا نموت زيهم”… وما بين هذين الشعارين من تباين من الانبطاح للوضع القائم إلى قمة الراديكالية كانت أزمة التنظيمات اليسارية في فترة حكم المجلس العسكري.

التنظيمات اليسارية في فترة حكم الإخوان، صراع الشعارات والأولويات:

كانت فترة حكم “محمد مرسي” الأكثر تشابها في الموقف بين كافة أطراف اليسار وهي معارضة حكم جماعة الإخوان المسلمين، وانضمت الأحزاب الرسمية الثلاثة لجهة الإنقاذ التي مثلت الكتلة المعارضة لهذا الحكم. إلا أن المقدمات لم تكن واحدة ومنهجية المعارضة كانت كذلك متباينة.

ففي جولة إعادة الانتخابات الرئاسية وكعادته نجد التجمع يساند ممثل الدولة في مواجهة ممثل الجماعة، حيث أعلن الحزب دعمه لأحمد شفيق[12] وعلى الطرف الآخر يتمسك الاشتراكيون الثوريون بمقولة “أحيانا مع الإسلاميين دائما ضد الدولة”.  ليؤيدوا محمد مرسي، موضحين أنه لا يمثل الثورة التي يدعون إليها ولكن بصفته يواجه ممثل دولة مبارك. وفي المنتصف وقف الحزب الديمقراطي الاجتماعي بسبب تشكيل الحزب والذي تبلور في عدة جبهات ليس فقط يسار ويمين، بل تشكلت داخله كتل من محترفي الانتخابات وكتلة شبابية أكثر راديكالية، وكتلة أخرى من القادمين الجدد للسياسية بعد الثورة. وبالتالي لم يستطع الحزب حسم موقفه وترك حرية الاختيار لأعضائه. أما حزب التحالف فكان أوضح وأكثر حسما ودعا إلى مقاطعة عبر بيان له تحول عنوانه إلى شعار يرفع ويستخدم في مناسبات عده، حتى أنه امتد إلى أن يستخدمه كافة أطراف اليسار كمقدمة لطرح موقفهم حتى لو كان مضمونه لا يتفق مع هذه العبارة “الثورة لا تختار بين أعداءها”.[13]

أما على مستوى منهج المعارضة فقد جاء من تيار الاشتراكيين الثوريين وقطاع كبير في حزب التحالف، على أساسا أن نظام مرسي يطبق ذات سياسات نظام مبارك وأنه لا فرق بين “مبارك” و”مرسي” إلا في اللحية، ومن بعد الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، انخرط التنظيمان في الحراك الذي عاد للشارع مره أخرى. بينما مال حزبي التجمع وقطاع واسع في المصري الديمقراطي إلى اعتبارها جماعة تحاول تغيير الهوية المصرية وأنه يجب مواجهتها على هذا الأساس. هذه الوضعية لا تعكس فقط موقفا من الإخوان المسلمين والتيارات الدينية فحسب إنما تنبع من ارتباك نظري لدى قطاع كبير من اليسار، بين فهم الأيديولوجية اليسارية باعتبارها أيديولوجية تنويرية تسعى لخلق ثقافة تقدمية تقود المجتمع إلى العدل والحرية. وبين رؤية تقوم على أن الأزمة بالأساس أرضيتها اقتصادية، يجب أن يتم تغيرها عبر سياسات جذرية، ستؤدي بدورها لنشر الثقافة التقدمية في المجتمع. وما بين صراع حول الأولويات الأيديولوجية يضيع جوهر القضية كما ضاعت فرص أخرى على التنظيمات اليسارية لتطوير حركتها خلال فترة حكم محمد مرسي وظلت إما في كنف الدولة القديمة أو صاحبت صرخات في الشارع لا تترجم لفعل سياسي قادر على التغيير.

التنظيمات اليسارية المصرية ما بعد 30 يونية، هل من جديد؟

مع تصاعد الحراك ضد الإخوان المسلمين وظهور فرص جديدة لليسار لإظهار بدائله ورؤيته التقدمية كبديل لفكر وممارسات التيارات الدينية، نجد التنظيمات الأربعة قد انخرطت تحت عباءات أوسع في هذا الحراك، بينما سار التجمع في ركب حركة تمرد، زاد انخراط المصري الديمقراطي والتحالف الشعبي بشكل أكبر في جبهة الإنقاذ، بينما سعى تيار الاشتراكيين الثوريين إلى تشكيل تحالف بديل عن جبهة 30 يونية التي شكلها شباب تمرد، مع قوى مثل شباب 6 ابريل وحزب مصر القوية وشخصيات عامة محسوبة على الثورة. إلا ان كل هذه الأحزاب والتنظيمات شاركت في حراك 30 يونية وكان لها دور في الحشد له، بعضهم في ظل المجموعات الواسعة والبعض تحت شعار “لا للإخوان لا لعودة نظام مبارك”. وبدى أن الرابح الأكبر من 30 يونية هو الحزب المصري الديمقراطي، الذي اختير من بين أعضائه رئيس الوزراء “حازم الببلاوي” ونائبه “زياد بهاء الدين” كما كان له تمثيل بارز في لجنة الدستور عبر “د. هدى الصدى” التي أوكل اليها مقرر لجنة الحقوق والحريات في اللجنة ورئيسه “د. محمد أبو الغار”. إلا أنه بعد تغير الوزارة وقدوم حكومة “إبراهيم محلب” فقد الحزب كل أعضائه فيها، كما بدى من تصريحات أعضاء لجنة الدستور منه عدم رضائهم عن المسار الحالي. أما حزب التجمع فما زال يخوض معركته ضد تيارات الإسلام السياسي، والاشتراكيون الثوريون يطرحون ضرورة توحيد الصف في مواجهة النظام الحالي، وأثار موقفهم من جماعة الإخوان جدلا واسعا إذ يبدوا أنهم ما زالوا يعملون بذات التكتيك السابق الذي تحول ليكون جزء من الأيديولوجية غير القابلة للمراجعة “أحيانا مع الإسلاميين، دائما ضد الدولة” متغافلين عن تطورات حدثت أهمها تولي هذه الجماعة للحكم لمدة عام مما يستوجب مراجعة التحليل الذي بني عليه هذا التكتيك. أما حزب التحالف فمع انتخاباته قبل 30 يونية انسحب منه عدد من الأعضاء وفي نوفمبر 2013 استقال منه ما يقرب من 280 عضوا،[14] بعد ان رأوا أن المجموعة التي جاءت من حزب التجمع قد سيطرت على الحزب وصادرت كل الاتجاهات والآراء الأخرى فيه.

فقد زادت الترتيبات التي أعقبت 30 يونية من حالة التشرذم لليسار، فلم تتفق قوى اليسار على مستويات التعاطي مع النظام الجديد، منهم من قبل أن يكون جزء من النظام، ومنهم من قبل أن يدخل في معترك العملية السياسية في جانب المعارضة، ومنهم من رفض النظام واعتبر ما حدث بعد 30 يونية انقلابا عسكريا، وطرح مقتل الناشطة شيماء الصباغ مطلع عام 2015 التي تنتمي لحزب التحالف الشعبي برصاص الشرطة المصرية عشية ذكرى ثورة يناير العديد من التساؤلات حول موقف اليسار، وآلياته في التعاطي مع النظام الحالي.[15]أي أنه بعد 30 يونية بكل التطورات ما زال اليسار يطرح ذات التساؤلات، المفاجأة الأكبر التي يعبر عنها العديد من التحركات أنهم في الأغلب يصلون لنفس الإجابة القديمة حول وحدة اليسار وإنهاء حالة التشرذم.

خاتمة

الخط الثابت الذي يمكن تتبعه عند مختلف الأحزاب والتنظيمات اليسارية يعبرعن عدم قدره على التطوير النظري وعن ارتباك تنظيمي أكثر مما يعبر عن ثبات في الموقف والمبادئ، وهو ما قاد التنظيمات اليسارية في مصر ما بعد الثورة إلى عدة إشكاليات أبرزها:

  • وهم التوحد: من تأسيس التجمع حتى تأسيس التحالف الشعبي والفكرة هي التوحد الفكري أكثر منه التنظيمي، بمعنى أن يتم جمع اليسار باعتباره تيار واحد في تنظيم واحد يعبر عن التوجه اليساري، وليس باعتباره عدة تيارات تلتقي في تنظيم واحد يتيح لها منابر للحوار والتباين واصدار موقف يعبر عن رؤية مشتركة لهذا التيار.
  • تحول الأيديولوجية إلى عقيدة ايمانية: تجعل أولوية المواجهة للخارجين على العقيدة لأنهم أكبر خطرا في نظر الفكر الدوجمائي على العقيدة من المخالفين لها، وبالتالي يمكننا أن نتبين أن معراك اليسار مع بعضه البعض أكثر من معراك اليسار مع التيارات المختلفة معه، والأخيرة أكثر بكثير من معارك اليسار مع السلطة وسياستها. وهو ما سمح باستقطابهم في الصراع المدني الديني بمعنه التنويري وعدم قدرتهم على طرح رؤية بديلة تستند على ربط السياسي بالاقتصادي والاجتماعي الذي من المفترض أن يمثل نقطة القوة لهذا التيار.
  • تحول التنظيم إلى غاية: في ظل هذه الوضعية تحاول كل مجموعة لم شملها عبر تأسيس تنظيم/ حزب ويصبح المقياس هو مدى حجم هذا التنظيم للتباهي وليس مدى ارتباطه بالواقع، ويكون التجنيد هو مقياس الوصول على الناس، وليس التأثير والفاعلية. فتحل الخلافات التنظيمية لاحقا بديلا من التطوير على المستوى البنيوي والنظري. وكان من أبرز تجليات ذلك محاولات التملص من المسئولية حفاظا على التنظيم مثلما حدث مع اليسار الديمقراطي بعد دخول افراد من الحزب للحكومة بالادعاء انهم لا يمثلون الحزب، أو رفع شعارات تستند على تحريك الجماهير في حالة التيارات الثورية دون القدرة على تحريك الجماهير وحشدهم بالقدر الكافي مثل تجربة حزب العمال والفلاحين التي لم ينجح التيار الاشتراكي الثوري في إنجازها.
  • عدم القدرة على استيعاب الشباب الجدد: ملايين من الشباب الذي كان في الميادين كان يمثل ذخيرة جديدة لليسار، إلا إنه مع الوضعية السابقة كان من الصعب إدماج قطاعات عديدة من اليسار في هذه التنظيمات، كما شهدنا كثيرا منهم من انضموا إلى أحزاب وتنظيمات قد هجروها لأنها لم تتمكن من تلبية احتياجاتهم سواء على المستوى النظري المتعلق بالأفكار المرتبطة بالواقع المعاش والسياق الحالي، أو بإدماجهم في هياكل الأحزاب بشكل فعال يمنحهم دور ملائم لطموحاتهم.

كل الفرص المهدرة من قبل الثورة مرورا بكافة المراحل التي تناولتها الورقة، تؤكد أن أزمة اليسار المصري أزمة ذاتية تتعلق ببنيته وقدراته وميراثه التاريخي، أكثر من كونها أزمة موضوعية تتعلق بالسياق والظرف السياسي المحيط، وعلى المهتمين بهذا التيار القيام بجهد جماعي عابر للانقسامات داخل اليسار على المستوى النظري لتطوير أطروحات متنوعة تتعلق باليسار كفكر وتنظيم، يستطيع من خلالها التغلب على نقاط الضعف الذاتية ليتمكن من الاستفادة من الفرص المتاحة موضوعيا.

[1] مصر.. قصة ثورة، المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، 29 أكتوبر 2012، http://goo.gl/JEioyO

[2] 9 إضرابات عمالية في مصر هزت عرش الحكومة، الوطن نيوز، أول مايو 2015، http://goo.gl/bsdqI6

[3] محمد العجاتي، الحركات الاحتجاجية في مصر، المراحل والتطور، دراسة ضمن كتاب: الحركات الاحتجاجية في المنطقة العربية بين الساسي والاجتماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، https://goo.gl/m95Gmt

[4]إشتعال حرب التصريحات بين رفعت السعيد وحزب أبو الغار، بوابة الأسبوع، 6 مارس 2015، http://goo.gl/L7YlzN

[5] التيار التروتسكي هو التيار الذي يتبنى فكرة الثورة القاعدية، والذي يعتنق فكريا اسهامات تروتسكي في تطوير الاشتراكية الثورية، والتي أنتجها تروتسكي في فترة صعود ستالين للحكم وتراجع مشروع الثورة وهزيمته، فكان الاختيار بين الاستمرار في السلطة مثل التيار الستاليني وهذا يعني عمليا التخلي عن الثورة، أو اختيار الاستمرار في الثورة وهذا يعني التخلي عن السلطة التي تبلورت في شكل البيروقراطية.[5]

أما اليسار الديمقراطي، فقد ارتبط ظهوره بأفكار ذات تماس مع الفكر الليبرالي، حيث يعتمد في مشروعه للتغيير على الإصلاح لا الثورة، ومن رحم هذا اليسار، ظهر اليسار الديمقراطي في العقد الأخير من القرن الماضي.

[6]حزب العمال والفلاحين هو محاولة بعد الثورة من جانب تنظيم الاشتراكيين الثوريين لبناء حزب جماهيري يضم فئات واسعة من العمال والفلاحين، وكيل مؤسسي الحزب هو المناضل اليساري كمال خليل، إلا انه لم يتمكنوا من جمع العدد المطلوب للتأسيسي (5000 عضو)

[7]بعد أربع سنوات على الثورة.. اليسار المصري إلى أين؟، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، 15 مارس 2015، http://goo.gl/VKjjKk

[8]تحالف الثورة مستمرة، المعرفة، http://goo.gl/buo5o0

[9]الصفحة الرسمية لحزب التحالف الشعبي على موقع فيس بوك، https://goo.gl/kZLaHW

[10]رانيا عبد الرحيم، أزمة اليسار المصري (الماركسي) قبل وبعد ثورة 25 يناير، شبكة الأخبار العربية، http://goo.gl/qV1Ue5

[11]لمزيد من المعلومات عن التجربتين راجع: http://goo.gl/DW7SY7، http://goo.gl/FfGqQd، https://goo.gl/RuS75C

[12]التجمع يدعم احمد شفيق في جولة الاعادة، مصرس، 25 مايو 2012، http://goo.gl/nK27gt

[13]بيان حزب التحالف الشعبي https://goo.gl/hAhntp

[14]استقالة جماعية لأعضاء «التحالف الشعبى»، البديل، 9 نوفمبر 2013، http://goo.gl/qcKmYI

[15]  مصر – هل فشل اليسار في استغلال فرص الثورة؟ الشروق، 28 يناير 2015، http://is.gd/O1akbE

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: