شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

متابعة وتقييم النواب للتشريعات.. المفهوم والأدوات

محمد العجاتي- مدير منتدى البدائل العربي للدراسات

مينا سمير- مساعد باحث بمنتدى البدائل العربي للدراسات

قضايا برلمانية

السنة الرابعة – العدد 46 – مارس 2016

الناشر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

تنص المادة 101 من الدستور على أن “يتولى مجلس النواب سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وذلك كله على النحو المبين في الدستور”، وهي المادة التي توضح دستوريا مهام مجلس النواب. وتعتبر الرقابة البرلمانية حجراً أساساً في البرلمانات الديمقراطية، إذ تشكل مؤشراً على الحكم الجيد. وهي تهدف إلى مساءلة السلطة التنفيذية حول أعمالها، وإلى ضمان تنفيذ السياسات بطريقة فعّالة. إلا أن دور النائب البرلماني لا يتوقف عند إصدار وإقرار التشريعات، ورقابة على الحكومة في تنفيذها، إنما يمتد كذلك إلى مراقبة التشريعات الصادرة وأثرها على المجتمع، وتعتبر تلك العملية من العمليات الأساسية التي يجب على النواب القيام بها.

أولا: أنواع الرقابة على التشريعات:

يجب أن يفرق النائب بين ثلاثة أنواع من الرقابة يتم الحديث عنهم، الرقابة الدستورية، الرقابة على الحكومة، ورقابة النواب على التشريعات.

  • الرقابة الدستورية، هي “العملية التي من خلالها يمكن أن تجعل أحكام القوانين متفقة مع أحكام الدستور، فهي تعتبر تحقيقا لمدى تطابق القوانين مع الدستور تمهيدا لعدم إصدارها إذا لم تصدر، وإلغائها والامتناع عن تنفيذها إذا كان قد تم إصدارها، فهي حماية للدستور من أي اعتداء”[1]. والرقابة الدستورية تكون إما سابقة على التشريعات، أي تضبط التشريعات دستوريا قبل إصدارها، أو تكون لاحقة على التشريعات، أي أنها تتعامل مع التشريع بعد إصداره وتجربته وقياس آثره في المجتمع، وقد اعتمدت مصر الرقابة اللاحقة في دستورها.
  • الرقابة على السلطة التنفيذية، وهي الوظيفة التي تهدف إلى تأمين شفافية عمل السلطة التنفيذية وانفتاحها وكذلك ضمان محاسبتها، إذ تسمح الرقابة البرلمانية بالتدقيق فيما إذا كانت سياسات الحكومة تطبق وإذا كانت تؤدي الأهداف المرجوّة، وفي هذا الشأن تمتلك البرلمانات مجموعة من الأدوات التي تمكّنها من إتمام عملية الرقابة، واتخاذ الإجراءات اللازمة، بداية من توجيه اللوم إلى حجب الثقة.[2]
  • رقابة النواب على التشريعات، بمعنى المتابعة والتقييم والتقويم للتشريعات، سواء التي أصدروها أو أصدرتها برلمانات سابقة وذلك بهدف:
  • مدى تحقيق التشريعات لهدفها والغرض من إصدارها.
  • قياس التكلفة الاجتماعية المترتبة على التشريع.
  • ـتأثيرها عند التطبيق على باقي القوانين والتشريعات الموجودة لضمان تناسق المنظومة التشريعية ككل.

وفي هذا الإطار يجب التوقف عند مجموعة من المفاهيم الأساسية:

  • تقييم التشريعات والتكلفة الاجتماعية:

التكلفة الاجتماعية هي تقدير الإيجابيات أو المكاسب وكذلك السلبيات المتوقعة من التشريع محل النظر على المجتمع عامة وعلى الفئات الاجتماعية التي يطولها التشريع محل النظر بشكل مباشر، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأساس في تقدير التكلفة الاجتماعية تلك هو تحليل التكلفة والمنفعة القائم على تقدير أي الخيارات يحمل أكبر قدر ممكن من المكاسب وأقل قدر من الخسائر أو التكلفة.

وتعد التكلفة الاجتماعية من أهم عناصر تحليل أي تشريع، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مفهوم التكلفة الاجتماعية عادة ما يتم طرحه في إطار ما بات يُعرف بإدارة البنية التشريعية، ضمن جملة المعايير التي يٌفضل الالتزام بها لإخراج وإنتاج تشريعات تتصف بالجودة والرشادة، وهو الذي يتطلب في أحد جوانبه أن تكون هذه الإدارة والتشريعات المترتبة عليها، على نحو مرن يضمن أن تكون تكلفة التشريعات على المجتمع والأفراد أقل. وقد أوصى تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الإصلاح التشريعي لعام 1997، أنه على الحكومات أن تعقد عملية مراجعة منهاجية مستمرة للبنية التشريعية من وقت لآخر، لضمان التأكد من فعالية الأدوات التشريعية بما يضمن انخفاض التكاليف الاجتماعية[3].

والأمثلة البارزة في هذا المجال تتعلق بتشريعات الضريبية التي قد تلتزم بكافة المعايير والقيم الدستورية والاقتصادية لكن عند تطبيقها قد تؤثر بشكل سلبي على مناخ الاستثمار، أو مثال أخر الخاص بتشريعات ترفع الدعم عن سلع مما قد يقلل من عجز ميزانية الدولة لكن قد نكتشف لحقا انها أدت لزيادة معناه الطبقات الفقيرة او الوسطى في المجتمع وخلقت حالة من التذمر المجتمعي العام.

  • تقييم التشريعات والحكم الرشيد:

الحكم الرشيد هو ممارسة السلطة السياسية أعمالها ضمن معايير محددة لتحقيق التنمية المستدامة، وتنمية موارد الدولة القصيرة والطويلة الأمد، وتوفير النزاهة والمساءلة، واحترم المصلحة العامة والمحافظة عليا، وقد نص الدستور المصري على ضرورة الالتزام بمعايير الشفافية والحوكمة خاصة فيما يتعلق بالاقتصاد في مادته رقم 27[4].

استنتجت احدى الدراسات الصادرة عن البنك الدولي عام 2003 وجود علاقة بين مستوى الشفافية ودرجة الحوكمة، حيث توصلت إلى أن مستوى الحوكمة يتزايد كلما ارتفعت مستويات الشفافية[5]، وهو ما جعل المشرع المصري في دستور 2014 يؤكد في مادته 68 على حق تداول المعلومات[6].

  • تقييم التشريعات كعملية مجتمعية:

لا يقتصر دور الرقابة اللاحقة وتعيين الأثر على التشريعات على البرلمان فقط، فالتشريعات التي توضع وفق فلسفة تهدف في الأساس إلى تنظيم العلاقات المختلفة بين أفراد المجتمع الطبيعيين والاعتباريين، وبالتالي تمس مصالحهم بشكل مباشر، مما يجعل لهم الحق في متابعة وتقييم تلك القوانين وتقديم رؤيتهم لها وطرح أفكار تؤخذ الاعتبار أو تقديم بدائل لها، وعليه فإن أي كيان يمثل مجموعة المصالح لفئات مجتمعية ما له الحق في ممارسة عمليه الرقابة اللاحقة مثل النقابات العمالية، منظمات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية.

ولعل رفض نقابة الصحفيين لمشروع قانون الإرهاب مثالا على دور النقابات في متابعة وتقييم القوانين، حيث عارضت بشدة ما احتواه مشروع القانون من عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر، وهو ما يمس بشكل مباشر مصالح أعضاء النقابة من الصحفيين، ويهدد وضعهم القانوني في المجتمع.[7]كما أعلنت نقابة الأطباء المصرية رفضها تمرير أي قانون يخص الأطباء من دون مشورتها حتى تضمن تلافي الأثر السلبي لتلك القوانين على الأطباء والمنظومة الصحية بشكل كامل.[8]

وعلى النقيض نجد ترحيب بالموافقة على تعديل قانون الإجراءات الجنائية للتصالح في جرائم “المال العام”، حيث أبدا عدد من القانونيين ترحيبهم عدد بموافقة مجلس الوزراء على مشروع قرار رئيس الجمهورية بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية الخاص بالتصالح في جرائم العدوان على المال العام. خاصة وأن عدد من المتخصصين كانوا قد أوصوا بتلك التعديلات.[9]

أما المجتمع المدني، ففي الديموقراطيات المعاصرة، يلعب المجتمع المدني دور الوسيط بين مؤسسات الدولة والمجتمع، ويكون باحثو المنظمات فيها أقربَ إلى الواقع من مسئولي الدولة، وتساهم عن طريق احتكاكها المباشر بالمواطن، في رسم صورة أقرب إلى الواقع عن المجتمع، وقد لجأ محامو حقوق الإنسان في أكثر من مناسبة إلى مؤسسة القضاء للحصول على أحكامٍ تجبر الحكومة على الالتزام بتشريعات تهدف إلى مصلحة المواطنين، وقد استجاب القضاء المصري إلى مطالب تلك المنظمات في عدة مناسبات، حيث قدم المحامون حلولًا أو بدائل لحل تلك المشكلات في مذكرات الدفاع[10]. وبالتالي فإن المجتمع المدني إلى جانب دوره التنموي والتوعوي يلعب دورا رقابيا على التشريعات ويبذل الجهد من أجل تلافي الأثار السلبية لتلك التشريعات.

أما الأحزاب السياسية، وبوصفها كيانات سياسية هادفة للسلطة في الأساس، وبالتالي هي أحد أطراف المعادلة السياسية في أي دولة قائمة على نظام التعددية الحزبية، فإن هذه الأحزاب سواء كانت في طرف المعارضة أو الحزب الحاكم، فأنها من المفترض أن تقوم بشكل دائم بقياس الأثر الناتج عن التشريع، وذلك لتسويق نجاحات الحزب في حال كان الأثر إيجابي، أو لسرعة إيجاد سبيل لتلافي ذلك الأثر إذا ما كان سلبي، وذلك للحفاظ على مصالحها وبقائها في سدة الحكم، أما أحزاب المعارضة فتسعى دائما لإبراز الأثر السلبي للتشريعات وتقديم بدائل لتلك التشريعات لتحظى بكتل تصويتية أكبر تمكنها من الوصول إلى قمة السلطة.

ثانيا: -دورة صناعة التشريعات:

تمر عملية إعداد ورقة سياسة عامة بأربعة مراحل أساسية، وهي:

  • تعريف وتحديد القضية.
  • بناء وتحديد البدائل من السياسات (صياغة التشريع)
  • تطبيق التشريع.
  • متابعة وتقييم التشريع.
  • تعريف وتحديد القضية:

وتشمل هذه المرحلة ثلاثة خطوات فرعية، هي تحديد المشكلة، المطالبات السياسية، وصياغة الأجندة.

ويتم تحديد المشكلة محل الدراسة أو البحث من جانب مجموعة ما، قد تكون من ضمن من يطلق عليهم “صناع القرار”، أو من خارجهم من المختصين في مجال السياسات العامة، أو حتى من مجموعة من المواطنين أو الناشطين في المجتمع المدني[11].

أما المطالبات السياسية، فمع تحديد المشكلة، يثار بشكل عام في المجتمعات الديمقراطية الكثير من النقاشات والحوارات داخل دوائر الرأي العام، والإعلام وصناع القرار حول القضية، وتحظى المشكلة الأكثر اهتماما من الرأي العام باهتمام صانع القرار، على الرغم من إمكانية وجود مشاكل أخرى أكثر أهمية وخطورة إلا أنها لم تحظى بضغط الرأي العام. فيتم بعد ذلك صياغة تلك المشكلة في أجندة صانع القرار وتحظى باهتمامه[12].

  • تشكيل السياسة:

بعد أن تصعد المشكلة على أجندة متخذ القرار/ الحكومة، فإن الخطوة التالية هي تطوير السياسة، وتبنيها من أجل السعي لعلاج المشكلة محل البحث، وفي العادة، تنقسم هذه المرحلة إلى خطوات فرعية، وهي، مرحلة المفاوضات والضغط، مرحلة اختيار السياسة، مرحلة تبني السياسة، وأخيرا مرحلة صياغة التشريع وإقراره.

  • تطبيق التشريع:

مع تحول البديل أو مجموعة البدائل المطروحة من جانب مجموعة سياسية معينة إلى تشريع، يترك للحكومة أو الجهة الرسمية تحديد أكثر الطرق فعالية لتطبيق السياسة، وتشمل عملية تطبيق السياسة المختارة خطوات عملية مثل توفير التمويل اللازم للتطبيق، تعيين الموارد البشرية اللازمة، وضع خطط تفصيلية للعمل،… إلخ.[13]

  • متابعة وتقييم التشريعات:

وهو دراسة آثار السياسة العامة على المجتمع ككل، وذلك بمدى تحقيقها لأهدافها المعلنة منذ بداية العمل عليها، وتأثيرها على الفئات أو العناصر المختلفة في المجتمع، والأثار الجانبية التي قد تكون قدر ترتبت عليها، كما قد يؤخذ في الاعتبار مدى وملاءمتها أو عدم وملاءمتها لثقافة المجتمع[14].

ثالثا: -تقييم التشريعات قياس آثرها

يمكننا تعريف الأثر التشريعي بأنه التغييرات أو التأثيرات التي سوف يحدثها القانون الجديد أو تعديله أو إلغائه وبطلانه، على المجتمع، وكذلك ما يحدثه من آثار على التشريعات القائمة. وتكمن أحد الأوجه الصعبة لصنع القانون في تحديد أيّ تغيير سيحرزه القانون الجديد على التشريعات القائمة والاجتهاد ومن ثمّ على صياغة التعديلات اللازمة. ويجب مراعاة الدقّة وأن تكون أكثر قابليّة للفهم، وتجنب التضارب بين القوانين[15]. كما يجب أن يكون التشريع قائم أكثر على النتائج، وأقل على العمليات أو الأدوات، بالإضافة إلى كونه SMART أي محدد، قابل للقياس، قابل للتحقيق، وثيق الصلة، ومرتبط زمنيا[16].

ودراسة الأثر هي أداة تساعد في إعداد وصياغة مشاريع القوانين، ودراسة المشروع من قبل الحكومة، فهي أداة لتفسير الإشكاليات في الواقع والتي تنعكس على القانون لمعالجتها، وكذلك تفسير الأهداف المرجوة والخيارات الممكنة والمتخذة وآثارها على كافة المجالات مثل الاقتصاد والعمل والبيئة والقانون والمجتمع…. إلخ.[17]

  • محتوى دراسة الأثر يخضع لعدد من القواعد وبصفة عامة تهدف المراحل الأساسية للوثيقة التي تقدم دراسة الأثر إلى إجراء التشخيص، تحديد الأهداف المرجوة، حصر الخيارات الممكنة خارج مجال القانون الجديد، تقديم مختلف الآثار المتوقعة للقانون المقترح، تحديد الاستشارات الواجب القيام بها، تحديد كيفية تطبيق الإصلاح.[18]
  • الأثر على الحقوق والامتيازات والموجبات القائمة، في حال دعت الحاجة إلى إلغاء قانون أو تعديله، يجب مراجعة الأحكام التي يفترض إلغاؤها أو تعديلها بتأنٍّ من أجل تحديد الحقوق والامتيازات والموجبات القائمة التي ستتأثّر أو قد تتأثّر بالتشريع الجديد وكيف أنّ تلك الحقوق والامتيازات أو الموجبات ستتابع أو تنتهي أو تتعدّل بموجب التشريع الجديد. وقد تستوجب بعض الحالات التعويض.
  • الأثر على العمليّات واتفاق التعيينات والإجراءات، غالبًا ما يحتاج القانون الجديد إلى أحكام ترعى العمليّة الانتقاليّة وإلى تعيينات أو إجراءات يجب أن تأتي ضمن القانون القائم تحضيرًا للقانون الجديد. لذا، في حال حلّ قانون جديد محلّ قانون قائم يجب التفكير بالتالي:
  • أ‌- هل عالج القانون الجديد العمليّات الواردة ضمن القانون القائم كافة -مثلاً هل تمّت متابعة الملحوظ في القانون الملغي من استمارات واستئنافات وإجراءات أخرى وقضايا قائمة حول جنح معيّنة أو هل تمّت معالجتها بطريقة أو بأخرى في القانون الجديد؟
  • ب‌- إذا كانت مؤسّسة ما سوف تحلّ محلّ مؤسّسة أخرى، هل أنهيت تعيينات الأعضاء في المؤسسة القائمة أو أنّهم سيبقون أعضاء في المؤسسة الجديدة؟ يجب أيضًا التفكير بالطريقة نفسها في موضوع الموظّفين والاتفاقات والتدابير القانونيّة والنشاطات الأخرى الواردة بموجب القانون القائم وماذا سيحلّ بها في القانون الجديد؟
  • ت‌- هل يتابع القانون الجديد الأنظمة والقواعد والأدوات القانونيّة التي كانت مرعيّة في القانون القائم أم يلغيها؟

وقد تستدعي الحاجة بعض الأحكام الانتقاليّة للتشريعات المقترحة عندما:

  • يحلّ قانون جديد محلّ قانون قائم.
  • يحلّ قانون معدّل محلّ أحكام قانون قائم.
  • يلغى قانون ولا يأتي قانون يحلّ محلّه.

رابعا: -أدوات تقييم التشريعات وقياس أثرها:

تعتبر عملية التقييم أحد العمليات الضرورية لقياس آثر التشريعات على المجتمع، وهل تلافى التشريع الجديد سواء المعدل أو الجديد كليا الأثر الذي تمت صياغته من أجله، وتخضع تلك العملية لعدد من الخطوات:

  • استبيان الأثر:

من أجل الوقوف على مدى آثر القانون والوصول إلى حالة من التقييم الاستيضاحي المتوازن، فهناك مجموعة من الأسئلة الاستبيانية التي يجب مراعاتها عند إجراء التقييم، وهي:

  • هل يعمل القانون بشكل فعال؟
  • ما هي نقاط القوة ونقاط الضعف في القانون؟
  • هل يعمل القانون كما ينبغي منه أن يعمل؟
  • هل هناك أية آثار غير متوقعة؟
  • هل قدم القانون قيمة مقابل التكلفة؟
  • ما هي الممارسات الجيدة والدروس المستخلصة التي يمكن تعلمها من تنفيذ القانون؟

وبناء على إجابات تلك الأسئلة، سيتضح أوجه الخلل التي قدم التشريع علاجا لها، وأوجه الخلل التي تجاوزها التشريع. وفي تلك المرحلة لابد من الأخذ في الاعتبار كيفية التفسير بين وحيثياته من التشريعيين من جهة، والسلطة القضائية من الجهة الأخرى، فربما لكل طرف حيثياته التي تختلف عن الطرف الأخر في تفسير القانون واستقراءه[19].

  • تحديد فئة الاستبيان:

وفي تلك المرحلة يتم تحديد فئة الاستبيان على آثر التشريع وتقييمه، وقد يكون اختيار الفئة ضيق النطاق، مثل حال القوانين التي تمس فئة بعينها مثل قوانين الشرطة أو القضاة أو الأكاديميون والخبراء. وقد يكون تقنيا مثل القوانين المتعلقة بالشركات الخاصة، وقد يكون عام مثل قوانين البلديات والسلطات العامة الأخرى.

ومن شأن هذا التحديد أن يجعل من التقييم أكثر واقعية ومصداقية، ويمكن من الوقوف على ما تم تحقيقه من إيجابيات مترتبة على التشريع، وتحديد مواطن الضعف التي فشل التشريع في معالجتها[20].

  • أدوات الاستدلال:

وتستخدم تلك الأدوات من أجل الوقوف على الأثر التشريعي، واستطلاع الآراء للمختصين والتنفيذيين بشكل أكبر، ومن تلك الأدوات الأبحاث الأكاديمية والتي لها أهمية كبيرة سواء بتقديم التفسير أو البدائل والتجارب والخبرات المختلفة، كما تعد الندوات الأكاديمية أحد تلك الأدوات، بالإضافة إلى الاتصال مع السلطة التنفيذية سواء عن طريق طرح الأسئلة الشفوية أو المكتوبة، أو عقد جلسات استماع بين التنفيذيين والخبراء، كما أن المشاورات مع أصحاب المصلحة شخصيا أو عمل استبيان اليكتروني أيضا أحد أدوات الاستدلال، وبالطبع يمتلك البرلمان العديد من تلك الأدوات، مثل لجان التقصي أو اللجان الخاصة[21].

  • تقييم برامج الإنفاق:

لبرامج الإنفاق تقييم إضافي على التقييمات السابقة، فيجب طرح أسئلة مثل:

  • لماذا يستمر الإنفاق العام في أن يكون مطلوبا؟
  • هل هناك وفورات حجم كافية؟
  • هل التمويل المركزي أساسي؟
  • تداخل/ ازدواجية في الجهود؟

خامسا: -أهمية وضع تقييم التشريعات في الاعتبار منذ مرحلة إعدادها:

للتأكد من التشريع نبدأ في مرحلة المشاورات، فالاستشارات جانب هام من عملية المعالجة التشريعية، وقد التي قد تتركز داخل البنية الحكومية والرسمية، وهي ما قد تأخذ مستوى آخر مع المعنيين بالتشريع المحتمل أو من يفترض أن يكون جزء من المتأثرين أو المنفذين له. كما تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها وفق الدستور في مادته رقم 192، وباعتبارها هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، وعليه يجب على المشرع أثناء اعداده للتشريع أن يتوخى أسباب عدم الدستورية لأي تشريع يقوم بإصداره.

  • الاعتبارات الدستورية:

 وهنا يمكن أن نورد أهم الأسباب التي أوردتها المحكمة في أحكامها والتي دفعت المحكمة الدستورية العليا للفصل بعدم الدستورية في هذه القوانين والتي يجب على النائب مراجعة وجودها في أي تشريع يقوم بمناقشته وهي:

  • أن كثير من هذه القوانين كلها أو بعض بنودها لا تراعي مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة كما كان الحال في الأحكام الخاصة ببطلان قوانين مباشرة الحقوق السياسية وانتخابات مجلس الشعب.[22]
  • أن عدد من هذه القوانين تحمل تقييدا للحقوق والحريات الأساسية كحريات الاجتماع والتعبير، وهو ما يتضح في حكم المحكمة بعدم دستورية بعض بنود القانون رقم 35 من قانون النقابات العمالية لسنة 1976، والذي يقيد من حرية تكوين النقابات والانضمام لها.[23]
  • القوانين أو بعض بنود القوانين التي تتضمن حرمان صريح للمواطنين من حقوقهم كما هو الحال في قانون رقم 33 لسنة 1978 لحماية الجبهة الداخلية والذي تضمن بنودا تحرم فئة من المواطنين من حقوقهم السياسية كالانتماء لأحزاب، مباشرة كافة الحقوق والأنشطة السياسية بشكل مطلق ومؤبد.[24]
  • هناك حالات أخرى قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون ما او بعض بنوده لعدم اتساقها مع الالتزامات الدولية الموقعة عليها مصر والتي تؤكد عليها مصر في دستورها كما كان الحال في الحكم بعدم دستورية بنود قانون رقم 35 للنقابات العمالية لسنة 1976 على النحو الذي تضمنه نص حكم المحكمة.[25]
  • عدم الالتزام بالقواعد الإجرائية مثل ما كان في قانون الجمعيات رقم 153 لسنة 1999، والذي تم تمريره من جانب الحكومة بتقديم مسودة قانون لمجلس الشعب مخالفة لما تم الاتفاق عليه مع ممثلي المجتمع المدني، والذي تم الطعن عليه بسبب عدم عرضه على مجلس الشورى، أمام المحكمة الدستورية العليا، بسبب هذا الخلل الإجرائي، وتم القضاء ببطلانه.[26]
  • الاستشارات الداخليّة: تساهم ضمن الحكومة في الوصول إلى حكومة فعّالة حيث تبني على الخبرة المتوفّرة وتحلّ النزاعات الداخليّة منذ بداية العمليّة وتعطي فرصة لحلّ مسائل تطال الحكومة برمّتها.
  • الاستشارات الخارجيّة تساهم في تدعيم مفاهيم سيادة القانون بما توفره من أرضية كبيرة من التوافق والقبول للتشريع اجتماعيا في إطار المناقشات بحقه، إلى جانب ما تكسبه مثل هذه الاستشارات للتشريع من ملامح الشفافية وقيم تداول المعلومات. وفي هذا الصدد أيضا يمكن الاستعانة بما يُسمي بالمجموعات المساندة أو ما يُعرفون بأصدقاء التشريع ويُقصد بهم جمهور واسع من قطاعات مختلفة وفقهاء القانون والشريعة والقضاة والمحامين وأساتذة الجامعات وكبار الموظفين الإداريين في أجهزة الدولة، حيث أن هذه المجموعات تساعد إلى درجة كبيرة في إثراء الجهاز الرسمي للديوان بمعارف متنوعة وآراء متعددة تساعد في إنضاج القاعدة القانونية بعد الاطلاع على وجهات النظر المتعددة،

إلى جانب هذه المراكز والجهات هناك أيضا فاعلين آخرين يجب الإشارة لهم وهي المجالس المتخصصة كما هو حال الهيئات المستقلة التي أتى على ذكرها الدستور المصري لعام 2014 مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية الإعلام، والبنك المركزي، الهيئة العامة للرقابة المالية، الجهاز المركزي للمحاسبات، هيئة الرقابة الإدارية، وكذلك المجالس القومية المتخصصة كالمجلس القومي لحقوق الإنسان، المجلس القومي للمرأة، المجلس القومي للطفولة والأمومة، المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، والتي اشترطت مواد الدستور أخذ رأيها في مشروعات القوانين واللوائح المتعلقة بهذه المجالات.[27]

  • استشارة للفئات المستهدفة أو المستفيدة، وهو ما يُسمي في بعض الأدبيات العلمية بالتشاورية والمقصود بها تمكين الأفراد والجماعات التي يُفترض أن يطالها التشريع بالإفادة بشكل مؤسسي من التواصل مع الجهات المعنية بصياغة التشريعات للوقوف على احتياجاتهم، أهدافهم من وراء التشريع المحتمل، وما بإمكانهم الالتزام به في هذا الصدد، وهي عملية من طبيعتها الاستمرارية، حيث تسعي التشاورية لدمج هذه الفئات من الجماهير في كافة مراحل إعداد التشريع، انطلاقا من التصور إلى التنفيذ والإنجاز فالمتابعة والتقييم ودراسة الأثر.

هذا التواصل المؤسسي مع الجماهير أو الفئات المستهدفة بالتشريعات قد يأخذ عدة صور منها دعوة هذه الفئات وممثليها لجلسات الاستماع أثناء صياغة التشريعات، وهناك خيار السماح للمواطنين بتقديم المقترحات مكتوبة لمجلس النواب بشأن المسائل العامة كما وضحت المادة 138 من الدستور المصري لعام 2014.

إلا أن عملية التشاور السالفة الذكر وجديتها، ومن ثم نجاحها يتوقفان على توافر عدد من المنظومات القيمية لدي المشرعين:

  • الانفتاح والشفافية
  • قابلية الطرفين لتبادل المعلومات اللازمة فيما بينهم.
  • الاحترام المتبادل لوجهات النظر.

خاتمة:

للتشريع طابع عمومي فهو يؤثر على كل ما نقوم به بطريقة أو بأخرى، وهو ما يقتضي التطرق لما يُسمي فلسفة التشريع، حيث أن الفلسفة الأساسية من أي تشريع هي ضبط وتنظيم العلاقات في المجتمع ما بين السلطات الموجودة فيه بعضها البعض، أو في علاقتها بأفراد هذا المجتمع، أو تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع ذاتهم، وتسود هذه الفلسفة في الدول الديمقراطية، أما في الدول السلطوية فتتحول التشريعات إلي أداة من أدوات الرقابة والهيمنة والسيطرة من جانب أجهزة وسلطات الدولة على المواطنين، وعلى ذلك فعملية التحول الديمقراطي تتطلب أشكالا ومنهجا مختلفا في التشريعات كما تستلزم مراجعة التشريعات القديمة لتتوافق مع الفلسفة الديمقراطية وليس تلك القمعية التي تسيطر على ذهنية المشرع في الدول السلطوية. وهنا يمكن الالتفات لمبدأ أساسي وهو مبدأ التجرد التشريعي، والذي يعني أن صياغة القواعد التشريعية التي تكتسب صفة الإلزام، والشرعية لابد أن تكون مجردة، بمعني أنها لا تستهدف أشخاص بعينهم بعرض المنع أو التقييد، بقدر ما يُقصد بها تقنين أوضاع ومواقف بعينها، ومن ثم فإن قاعدة التجرد التشريعي تعني أن المشرع عند صياغته للتشريع أو القانون، لا يجب أن يكون حاكمه العشوائية، أو الظواهر الوقتية، أو رغبات شخصية لتحقيق أهداف ذاتية أو أهداف الجماعة المنتمي لها، اتساقا مع مبادئ القواعد القانونية التي يلزم أن تكون عامة، ومجردة.[28]

وعلى الرغم مما تحمله غايات التشريع تلك، إلا أن تطبيق التشريعات في الواقع العملي قد لا يحقق ما هو مراد منها نظريا عند وضعها، مما يستلزم قيام النواب بعملية الرقابة اللاحقة للتشريعات لتقيمها، وقياس آثرها، وحساب تكلفتها الاجتماعية، وتقويمها إن اقتضت الضرورة، في محاولة من المشرع لتلافي ما قد ينتج عن التشريع من سلبيات تضرب في الأساس فلسفة التشريع الهادفة إلى خلق حالة من التوازن في العلاقات البينية بين أطراف المجتمع. وهذه العملية تضمن تصحيح الفلسفة التشريعية خاصة لو اخذنا الإجراءات السابقة للتشريع في هذه العملية، لتؤكد تجرد التشريع، وقيامه بدوره الرئيسي في تنظيم العلاقات بين أطراف المجتمع المختلفة، وليس وسيلة لهيمنة الأقوى على الأضعف. كما أن من شان الرقابة اللاحقة من النواب للتشريعات من تدارك الأثار الجانبية التي قد لم تكن ظاهرة عند مرحلة صناعة التشريع، وهو ما يكسب النائب مصداقية وشعبية أكبر امام المجتمع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] حناشي أمينة، الرقابة على دستورية القوانين، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة قالمة، الجزائر، ص10، http://goo.gl/jUHPEc

[2] وظيفة البرلمان الرقابية، بوابة التنمية البرلمانية “أغورا- برل”، http://goo.gl/JHLtYa

[3] الدليل التشريعي: تحليل وصياغة التشريعات في مصر، منتدى البدائل العربي، القاهرة، 2013، ص6، تحت الطبع.

[4] الدستور المصري، المادة 27، http://goo.gl/xY4Lgt

[5] شفافية الموازنة العامة للدولة، الضرورة الاقتصادية الغائبة عن الواقع المصري، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ديسمبر 2014، القاهرة، http://goo.gl/mzSHjk

[6] Dirk Tornstra, presentation in the annual conference of Global partners, Jordan, January 2016.

[7] “الصحفيين” ترفض قانون مكافحة الإرهاب.. وتدعو لاجتماع طارئ غدا، الوطن، 5 يوليو 2015، http://goo.gl/DP78Hn

[8] “النقابة” ترفض تمرير قوانين تخص الأطباء دون مشورتها، موقع جريدة المال، 9 ديسمبر 2015، http://goo.gl/bJOW5c

[9] ترحيب بالموافقة على تعديل قانون الإجراءات الجنائية للتصالح في جرائم “المال العام”، موقع مصر اليوم، 3 أغسطس 2015، http://goo.gl/pBAAEd

[10] المجتمع المدني حق ليا وليك، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، http://goo.gl/VCvyFc

[11] دليل كتابة أوراق السياسات العامة، مرجع سابق.

[12] المرجع السابق

[13] المرجع السابق.

[14] المرجع السابق.

[15] المرجع السابق.

[16] Dirk Tornstra, presentation in the annual conference of Global partners, Jordan, January 2016.

[17] الدليل العام حول دراسات الأثر للنصوص التشريعية، الأمانة العامة للحكومة، المغرب، الطبعة الأولى، 2015، ص15.

[18] المرجع السابق.

[19] Jackie smith, presentation in the annual conference of Global partners, Jordan, January 2016.

[20] Ibid

[21] Ibid

[22] الوطن تنشر حيثيات “الدستورية” في حكم حل مجلس الشعب، نشر في 14يونيه 2012، جريدة الوطن المصرية، http://is.gd/2Z1YXG

[23] قضية رقم 6 لسنة 15 قضائية، مكتبة حقوق الإنسان، جامعة منيسوتا، http://is.gd/DFibKo

[24] قضية رقم 56 لسنة 6 قضائية، مكتبة حقوق الإنسان، جامعة منيسوتا، http://is.gd/MqoAR8

[25] مرجع سابق، http://is.gd/DFibKo

[26] Mohamed Elagati, Undermining Standards of Good Governance: Egypt ’s NGO Law and Its Impact on the Transparency and Accountability of CSOs, The International Journal of Not-for-Profit Law, Volume 9, Issue 2, April 2007, http://is.gd/oHWsDs

[27] وهي الهيئات التي أتت على ذكرها المواد 211، 212، 213، 214، 215 من الدستور المصري لعام 2014.

[28] عبد العزيز محمد سالمان، الدولة القانونية ورقابة دستورية القوانين، موقع المحكمة الدستورية العليا، http://is.gd/MYx2KS

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: