شباك

واقف ليه في الشباك؟ مستني اليوم الجاي.. يمكن يسقينا الشاي، يمكن يعطينا الناي

الناصرية والهزيمة: انتكاسة أم انهيار للمشروع العربي؟

محمد العجاتي[1]
الفصل الثاني ضمن كتاب: في تشريح الهزيمة.. حرب يونيو 1967 بعد خمسين عامًا
تحرير: خالد منصور
الناشر: دار المرايا للإنتاج الثقافي – 2017

على الرغم من مرور ما يقارب من نصف قرن على وفاة جمال عبد الناصر، إلا أن تقييم نظام حكمه لا يزال محلًا للجدل والنقاش، بل ربما يمكننا القول إنه منذ نهاية الحملة الممنهجة ضد الناصرية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، لم تشهد الحوارات حول هذه التجربة شدًا وجذبًا مثلما يحدث على الساحة حاليًا. وبعيدًا عن الأحكام المطلقة، فالإشكالية الأساسية المتعلقة بتقييم هذه التجربة هي أن النظر إليها يكون عادةً من زاوية واحدة، حيث يُسقط صاحب النظرة رؤيته الشخصية على التجربة، منتزعًا إياها من سياقها الزماني والمكاني، ليخلص في النهاية إلى تقييم تجربة يتخيلها هو، وليس تاريخ به أحداث وسياقات يجب تضمينها عند التحليل. وآخذًا في الاعتبار هذه الإشكالية، يسعى هذا الفصل إلى تقييم التجربة الناصرية من عدة زوايا قبل تتبع أثر أقسى هزائمها في حرب 1967 عليها.

ارتبط مشروع عبد الناصر بالقومية العربية، التي برز وجودها أكثر في الخطاب الرسمي للدولة الناصرية بعد حرب 1956، كنتيجة حتمية لعوامل داخلية وخارجية تعرّض لها النظام الحاكم[2]. إذ جاء صعود الخطاب الاشتراكي والأيديولوجيا الدولتية (étatisme) كنتيجة طبيعية لتغيّر بوصلة التحالفات لدى الدولة المصرية داخليًا وخارجيًا، وكذلك لميل الدولة إلى حسم صراعها الداخلي مع الرأسمالية الكبيرة، من تأميم القناة في 1956 إلى حركة التمصير في 1957 إلى تأميمات 1961، وهي كلها تطورات نتجت عن فشل الدولة المصرية في دفع البرجوازية الزراعية نحو الاستثمار في قطاع الصناعة[3].

وقد أدت الأيديولوجيا الدولتية وصعود الخطاب الشعبوي العروبي إلى تحول كبير في السياسة الخارجية المصرية، بداية بالمشاركة في تأسيس حركة عدم الانحياز، مرورًا بوقوف مصر إلى جانب حركات التحرر في العالم الثالث وإرسالها جنودًا من الجيش المصري إلى اليمن، وصولًا إلى أن صارت القاهرة مقرًا لزعماء حركات التحرر الوطني[4] ومقصدًا لطلاب العلم من المنطقة.

الناصرية: المرتكزات والأبعاد

مالت التجربة الناصرية إلى اعتماد مفهوم شامل للتخطيط المركزي، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، وحتى في جوانبها الثقافية.

اقتصاديًا مالت التجربة، حتى تكون أكثر فعالّية، إلى اتبّاع آليات التخطيط المركزي والخطط الخمسية، في ظل سيطرة القطاع العام على عملية إنتاج القيمة المضافة في الاقتصاد. فظل إنتاج القطاع العام يمثّل ما يعادل 90% من الناتج المحلي في الفترة من 1961 وحتى 1974. سياسيًا لم تكن السلطة في مصر تنشد وحدة الهدف فقط، بل وحدة الصف أيضًا. فحدث ما يمكننا تسميته بتأميم المجال السياسي العام عن طريق إجراءات قمعية للمعارضة اليسارية والإسلامية واليمينية. أما اجتماعيًا، فقد كانت الإجراءات التي اتخذتها التجربة الناصرية من أجل إحلال البرجوازية الصغيرة محل طبقة كبار الملاك الزراعيين والرأسمالية الكبيرة تسير بخطى حثيثة حتى وصلت إلى تأميمات 1961. وأخيرًا، ومن الناحية الثقافية، شهد هذا المجال طفرة نتيجة توسع الدولة في التعليم المجاني وإتاحة الفرصة لحركة أدبية وثقافية مزدهرة في الستينيات، ما دعم فرصة مصر في تقديم خطابها القومي العروبي إلى العالم العربي عبر الثقافة والأدب والسينما.

لكن كل تلك المجالات ظلت حبيسة توجّهات النظام وليست نتاجًا طبيعيًا لحراك اجتماعي أنتج ثورة[5]. وفي هذا الإطار كان للمشروع عدة مرتكزات:

  • المرتكز التحرري: فالضباط الأحرار، ومنهم عبد الناصر، هم أبناء فترة النضال الوطني ضد الاحتلال. وبالتالي كان هاجس مقاومة الاستعمار ركيزة أساسية في فكرهم، استمرت في وعي هذا الجيل حتى بعد رحيل الاستعمار، وهو ما خلق شعورًا بالانتماء الوطني من جانب، وبالانتماء الأوسع إلى القوى والدول والحركات المناهضة للاستعمار من جانب آخر.
  • المرتكز الدولتي: تدل اختيارات مؤسسي التجربة على أن قرارهم كان تبني مشروع للتغيير من أعلى على غرار تجربة محمد علي أو كمال أتاتورك. كان اختيار الدولة، وليس الأحزاب أو الحركات الاجتماعية، كحامل للمشروع توجهًا أصيلًا وليس طارئًا على الصيغة الناصرية. وبالتالي كان من الطبيعي أن يقوم النظام الناصري بمصادرة المجال العام ووضعه تحت وصاية هذه الدولة/ المشروع، انطلاقًا من مفهوم التوحّد الذي عبّر عنه توفيق الحكيم في كتابه “عودة الروح” (الذي كان مرجعًا أساسيًا لعبد الناصر) بعبارة “الكل في واحد”، والذي عبّر عنه صلاح جاهين لاحقًا في أغنية “المسئولية” بقوله “مفيش أنا فيه إحنا يا صاحبي”.
  • المرتكز الحداثي: العداء تجاه المحتل لا ينفي الانبهار بالحداثة في نموذجها الغربي، خصوصًا وأنه بعد الحرب العالمية الثانية وجد قادة التجربة الناصرية في الكتلة الشرقية بديلًا يمكِّنهم من الاقتباس -في صيغة تلفيقية أكثر منها توفيقية- من “غرب ما” ليس هو المستعمر التقليدي. كان الدافع والهدف هو اللحاق بنموذج معين لمجتمع صناعي وثقافي وعسكري، وبالتالي كان هناك ميل للتنميط المفيد لتحقيق مثل هذا الهدف. وفي رأيي لم يكن هذا التنميط تعبيرًا عن رغبة في السيطرة والتحكم فقط، إنما كان كذلك وسيلة لتحقيق رؤية أو مشروع.
  • المرتكز الطبقي: عبّرت هذه المجموعة عن الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة وثقافتها المتعاطفة مع الطبقات الأدنى والمتطلعة إلى الطبقات الأعلى. كان صغار الضباط، الذين ينتمون في أغلبهم إلى الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى الآخذة في الازدهار على هوامش البرجوازية الزراعية المصرية في الأربعينيات، وبعد التوسع في التعليم وإلحاق المصريين بالجيش عقب معاهدة 1936، هم النواة الأولى لضباط يوليو. وقد تحالف هؤلاء لاحقًا مع شرائح مدنية من الطبقة الوسطى في سبيل إضعاف البنية الاقتصادية للطبقة البرجوازية الزراعية، من خلال الإصلاح الزراعي الذي صدر القانون الأول له بعد ثلاثة أشهر فقط من قيام الثورة[6].

على أساس هذه المرتكزات بنى المشروع الناصري نظامًا يرى أن تحرر الوطن هو سبيل تحرر المواطن وليس العكس. فانتهج نظام الحزب الواحد، وبنى هيكلًا أمنيًا شكَّل عمودًا فقريًا للنظام، يتواصل مع باقي مؤسسات الدولة في لحظات الانفراج، ويهيمن عليها في لحظات الأزمة[7]. وبمحاذاة ذلك كان هناك مشروع اقتصادي تحديثي ذو بعد اجتماعي، يسعى إلى الاكتفاء الذاتي من خلال توسيع القاعدة الإنتاجية، سواء الزراعية أو الصناعية، مع توزيع عوائدها بشكل به قدر من العدالة، تتمثل في شراكة المنتجين في الملكية (الإصلاح الزراعي) أو الإدارة (مشاركة العمال في مجالس الإدارات)، وفي توفير الدعم السلعي والخدمات العامة، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم. وظلت الدولة بالطبع هي محور المشروع والمسيطر الأول عليه والمتحكم في توجيهه وتوظيف عوائده.

ولعل من مزايا هذا المشروع إدراكه أن المشروع الحداثي لن يتحقق دون تحديث ثقافي للمجتمع، وهو ما برز في التوجه نحو إنتاج ثقافي وفني معظمه ذو توجه تقدمي على مستوى الأفكار، ولكن في حدود ما يتوافق ويتلاءم مع رؤى المشروع/ الدولة. وعليه تمت عملية الإنتاج المنفتح تحت مظلة الدولة ليظل في يدها حق المنع والمنح والثواب والعقاب.

وكان من الطبيعي أن يكون لهذا المشروع بعده الخارجي، الذي شرحه عبد الناصر في فكرة الدوائر الثلاث[8]، وتأتي في مقدمتها الدائرة العربية. فمصر ما قبل ناصر كانت نموذجًا للدولة في المنطقة العربية، وخصوصًا في المشرق، كما أن البعد التحرري لتجربة 1948 كان قد أثّر بشدة على عقيدة الضباط حول ترابط المنطقة. كذلك كان البعد الفكري، الذي مثله الفكر القومي العربي في الشام، كبديل لمناهضة الاستعمار بعيدًا عن الهيمنة العثمانية، عنصر جذب لأصحاب المشروع، بالإضافة إلى أن هذه المنطقة يمكن أن تمثل مجالًا حيويًا للبعد الثقافي في المشروع.

وعليه، رأى المشروع الناصري الفكر القومي مشروعًا هويّاتيًا أكثر انفتاحًا من المشروع القُطري، كونه يسمح بدور يُكسب مصر قوة إقليمية تسمح لها بمجابهة قوى الاستعمار، وهي المسألة التي تمثّل، كما سبق الشرح، ركنًا أساسيًا في فكر هذا الجيل. ولعل التجربة كما في باقي عناصر المشروع كان لها دور مهم، تحديدًا في حالتي فلسطين والجزائر اللتين منحتا مصر بسبب دورها فيهما قيمة دولية. وبالتالي لم يكن المشروع القومي العربي مشروعًا عرقيًا كما يصوِّره البعض وإنما مشروعًا سياسيًا وثقافيًا بالأساس.

يحيل عبد الناصر بدايات تكون الوعي، والشعور القومي بوجه عام، عنده إلى عمله مع لجنة الطلبة في المرحلة الثانوية. حيث كان يشارك في الإضراب العام للطلبة في الثاني من ديسمبر كل عام احتجاجًا على وعد بالفور[9]. لكن طرحه للخطابات التي يمكن أن تُوصف بالراديكالية القومية بدأ يتبلور منذ بدايات صراعه مع رئيس وزراء العراق آنذاك نوري السعيد، خصوصًا حول مسألة حلف بغداد في 1955. ثم تعمّق هذا الخطاب أكثر إبّان العدوان الثلاثي في 1956، ثم مع مشروع الوحدة العربية مع سوريا من 1958. في 1954 على سبيل المثال استخدم عبد الناصر مصطلح “الشرق الأوسط” بكثرة [10]. لكنه بعد ذلك بسنوات، وفي خطابات عديدة في أواخر الستينيات، كان يهاجم من يستعمل ذلك المصطلح ويصر على استخدام مصطلح “الوطن العربي”.[11] وكان هذا الهجوم سببًا في إغضاب العديد من الحكام العرب وإحداث فجوة بين النظام المصري ونظمًا عربية عديدة لم تكن بالضرورة رجعية أو حليفة للاستعمار.

ويحيل بعض الباحثين الغربيين التوجه العروبي لعبد الناصر ومجموعته من الضباط في سياساتهم الخارجية إلى أسباب برجماتية. لكن هؤلاء، بحسب علوي[12]، يحصرون الأيديولوجيا في تعريف ضيق: مجموعات الأفكار والقيم المتسقة والمترابطة التي تنبع من فلسفة محددة تقدم إجابات على الواقع وتحفّز نوعًا محددًا من الإجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن بنظرة أكثر عمقًا إلى السياسات، وأكثر اتساعًا إلى مفهوم الأيديولوجيا ذاته، يمكنك أن تجد أن الخطابات الأيديولوجية موجودة في الباحة الخلفية لعقل ناصر ونظامه منذ خواطره في “فلسفة الثورة” وحتى بيان 30 مارس 68. ينطبق هذا النوع من الأيديولوجيا، الذي يعتمد أساسًا على مجموعة من الإجراءات والسياسات المباشرة أكثر منه على الأفكار، على حركات التحرر الوطني في مجملها، وعلى الحركات ما بعد الكولونيالية التي يطلق عليها علوي في دراسته القومية التنموية (developmental nationalism).

في عهد ناصر، عكست السياسة الخارجية رؤيته لطبيعة النظام العالمي أنه تصادمي، ونظرته للتنمية الاقتصادية أنها عملية تتطلب قدرًا من المرونة في بناء الأحلاف والتكتلات الاقتصادية/السياسية في عالم ثنائي القطب. لذلك اختار ما أسماه حيادًا إيجابيًا في سياسته الخارجية، مع عدة مبررات سياسية وأيديولوجية ترسّخ خطابه وتدعمه. فكان يستخدم خطاب التبعية والعمالة للاتحاد السوفيتي ليتهم به الشيوعيين، كما كان يستخدم خطابًا مماثلًا مع النخب المثقفة المطالِبة بإصلاحات ديمقراطية متهمًا إياها بالتبعية والعمالة للولايات المتحدة[13].

القومية العربية في الفكر الناصري: المراحل والتوجّهات

لم يخترع جمال عبد الناصر، كما يعتقد كثير من الشباب، الفكر القومي العربي، بل كان متأثرًا به، كما سبق الإشارة، كأطروحة هويّاتية لمواجهة الاستعمار الغربي دون الوقوع في فخ التبعية للدولة العثمانية. لم يكن الأمر مجرد رغبة في زعامة “البسطاء” (كما يصفهم)، وإنما كان رؤية شاملة لدور مصر، ليس فقط إقليميًا، بل أيضًا على المستوى الدولي. فهو كما أشرنا مصدر للشرعية والقيمة على الساحة الدولية.

والقومية العربية منذ نشأتها هوية سياسية وليست عرقية أو ثقافية أو تاريخية، ولذلك فهي لم تضطهد الأقليات على أساس عرقي أو ديني أو ثقافي. ويمكن أن تندرج الهوية العربية كمفهوم مطلق تحت أي مستوى من مستويات الهوية. فالهوية تعبر عن رؤية الفرد لذاته فردًا، أو جزءًا من كيان مجتمعي أوسع، أو جزءًا من كل في مقابل كيانات اجتماعية أخرى. لكن الهوية العربية في بعديها السياسي والثقافي تعبر عن المستوى الثالث للهوية، وهي هوية سياسية في المقام الأول، بيد أنها تتداخل في جدلية مستمرة مع البعد الثقافي، تؤثر فيه وتتأثر به[14].

تفاعلت الهوية العربية مع المشروع القومي العربي في الخمسينيات والستينيات، فأضحت مبررًا خطابيًا شهيرًا للقوميين العرب، سواء في مصر أو في وسوريا قبل، وفي أثناء، الوحدة. وهو ما ظهر في العاطفية الشديدة التي غمرت الأجواء، على حد تعبير هيكل، بين صلاح البيطار وميشيل عفلق وعبد الناصر عند زيارة عفلق الشهيرة إلى مصر[15].

وتتضح العلائقية الشديدة بين مفهومي الهوية العربية والقومية العربية في كتابات جميل مطر وعليّ الدين هلال وغيرهم ممن يرون في المشروع القومي التحرري نتاجًا للشعور الهوياتى لدى العرب، وكذلك في كتابات آخرين يرون أن الهوية العربية هي نتاج لهذا المشروع وليست سابقة عليه[16]. هنا يتعلق الأمر بالأساس برسم الحدود الفاصلة بين القومية العربية ومشروعها السياسي (الوحدة العربية) وبين الهوية العربية بما تشتمل عليه من مقومات تاريخية وجغرافية وعوامل ثقافية، منها الدين واللغة، تفاعلت عبر قرون لترسّخ في النهاية هذا الشعور الهوياتى. ولكن بعد ذلك يبقى أن الممارسات السياسية للفرد وما يحيط بها من ممارسات، وكذلك وضعه داخل المجتمع، تمثّل جزءًا مهمًا من آليات تشكّل الهوية. فعلى سبيل المثال، تلعب الأقليات دورًا مهمًا في التغيير الاجتماعي، وبالتالي في تَشكُل الهوية في المجتمعات مترامية الأطراف[17].

على المستوى الحركي، شكّل حلف بغداد من وجهة نظر ناصر خطرًا كبيرًا على الاستقلال السياسي والاقتصادي للمنطقة العربية، التي كان عبد الناصر يرى فيها وحدة جغرافية ودينية وثقافية تجمعها مصالح مشتركة ويوحّدها عدو واحد هو إسرائيل. لذلك عبَّر ناصر عن رفضه الحاد والشديد لدعوات نوري السعيد للانضمام إلى حلف بغداد وندد كثيرًا في خطاباته بالحلف ووصفه بالاستعمار الجديد[18]. كان عبد الناصر يعارض بشدة وجود تركيا وإيران في الحلف، ويرى في مصطلح “الشرق الأوسط ” تعبيرًا صريحًا عن الهندسة ما بعد الاستعمارية للمنطقة العربية، وتهديدًا لاستقلالها الذي حصلت عليه للتو.

رأى عبد الناصر أن الوحدة السياسة العربية ترتبط بالمصلحة أكثر من ارتباطها بالإطار الثقافي والديني الذي يجمع الشعوب المسلمة. وكانت تلك المصلحة من وجهة نظر عبد الناصر هي الوقوف في وجه العدو المشترك: إسرائيل. وهو كان يدرك ألا سبيل إلى ذلك إلا عبر ثلاثة مستويات، سياسية واقتصادية وعسكرية على التوالي، هي: الجامعة العربية، والسوق العربية المشتركة، واتفاق الدفاع المشترك[19]. ولاحقًا وبشكل عملي انعكست تلك الرؤية في 1958 في اتفاق الوحدة العربية بين مصر وسوريا، وانعكست بعدها في 1962 حينما تدخل ناصر في اليمن بناءً على نصيحة قدمها له أنور السادات، الذي صرّح، بحسب هيكل، أنه لا يجب أن نترك الثورة اليمنية تواجه مصيرًا مجهولًا[20].

وما يؤكد طبيعة هذا المشروع السياسية موقف عبد الناصر من القضية الكردية وقياداتها على تنوعاتهم الأيديولوجية والعشائرية. حيث قدم خطابًا تقدميًا وانتهج ممارسة تقدمية في هذا الشأن، بداية باستضافته للملا مصطفى بارزاني القائد الروحي للأكراد في 1957، مرورًا بسماحه بإنشاء أول إذاعة كردية من القاهرة، وانتهاءً بدعمه للثورة الكردية في 1961.

في كتابه “كردستان والحركة القومية الكردية” الصادر سنة 1971، يقول جلال طالباني، الذي قابل عبد الناصر مرات عديدة ممثلًا لبارزاني وللحزب الديمقراطي الكردستاني، إن عبد الناصر كان يؤيد مطلب الأكراد بالحكم الذاتي ويعارض الحرب ضدهم. ويضيف “خلال سنوات القتال التي أعقبت الاتصال بالرئيس جمال عبد الناصر، ظلت حكومة الجمهورية العربية المتحدة على موقف ودي من الأكراد. فعندما تجدد القتال بين الأكراد وحكومة بغداد في 1963 أعلنت القاهرة معارضتها الحرب كأسلوب لحل القضية الكردية، وعارضت بشدة اشتراك ضباط أتراك وإيرانيين في العمل ضد الأكراد، ودعا ناصر إلى إيقاف القتال والشروع في محادثات سلمية لحل القضية الكردية”[21].

وكانت فلسطين مكوّنًا أساسيًا في فكر الحركة التي قامت بثورة 1952. يتضح هذا من دراسة تطور الفكر القومي في كتابات وخطب عبد الناصر. حيث أخذ منحنى الخطاب القومي في التصاعد بعد المواقف العربية الداعمة، التي اتخذت طابعًا شعبيًا أكثر منه نظاميًا، في حرب 1956. استهدف الخطاب الناصري الشعوب العربية، وكان لإذاعة صوت العرب دورًا بارزًا في ذلك. وكانت سنوات وحدة مصر وسوريا من 1958 حتى 1961 هي الأعلى في تركيز الخطاب الناصري على البعد القومي والخطاب الشعبوي. حتى جاء الانفصال في سنة 1961 كضربة للمشروع الناصري، بدأ بعدها النظام في خفض حدة الخطاب القومي، وسعى أكثر إلى التمايز عن باقي التيارات القومية التي بدأت تظهر في المنطقة مثل التيارات البعثية. وربما كان هذا التحول والسعي إلى التمايز هو ما جعل مصر أكثر عُرضة وقبولًا للضغوط العربية من أجل التصعيد في 1967[22].

بعد هزيمة يونيو تغيرت الأوضاع. فعلى سبيل المثال أظهرت قرارات قمة الخرطوم المنعقدة عقب هزيمة 1967 مدى تغيّر الخطاب الناصري. حيث بات يركز على علاقات الأنظمة ويقلل من معاداته لبعضها. كذلك تراجع الخطاب الشعبوي الوحدوي وتحوَّل إلى خطاب معني بالأرض والتحرير، وهو ما انعكس بشكل عملي في دعم غير مسبوق للمقاومة الفلسطينية، وفيما أطلق عليه محاولات إصلاح البيت العربي بعد مذبحة أيلول الأسود 1970. وكانت تلك المحاولة لرأب الصدع بين القوى العربية هي آخر ما قام به جمال عبد الناصر، الذي تحوّل من زعيم للتحرر العربي والشعوب إلى وسيط بين الأنظمة والحكام العرب، وإن ظل رغم ذلك يُنظر إليه كزعيم وإلى مصر باعتبارها “الدولة القائدة للأمة العربية”.

67 بين العيوب الهيكلية والمؤامرة الخارجية

على عكس ما يشاع عن الطبيعة العسكرية للسلطة بعد 1952، إلا أن متوسط الأعمار المنخفض للضباط الأحرار لم يكن يسمح في الحقيقة بتكّون ميل عسكري متكامل، خصوصًا وأن ضباط هذا الجيل قد اشتبكوا مع السياسة مبكرًا وتسيّسوا حتى قبل دخولهم إلى الكلية الحربية. ومع وصولهم إلى السلطة وتشكيلها بالكيفية التي تم وصفها قبل قليل، انفصل الضباط أكثر وأكثر عن الحياة العسكرية ثقافيًا ومهنيًا.

على الرغم من ذلك، ونتيجة لإغلاق المجال العام، كانت المؤسسة العسكرية هي الخطر الوحيد على السلطة، فاستمرت السيطرة عليها في يد الشخص الأقرب إلى عبد الناصر، وهو المشير عبد الحكيم عامر. وعلى الرغم من أنه لم يحقق نجاحات تُذكر، بل ظهرت قلة كفاءته في حرب 1956 وفي قيادته لتجربة الوحدة المصرية السورية، ظل عامر في منصبه. وهكذا لم يكن مفاجئًا أن العديد من الخبراء أشاروا إلى ضعف المهنية العسكرية كأحد الأسباب الرئيسية للهزيمة في 1967[23].

لم تسمح الطبيعة الفوقية للمشروع الناصري بوجود تنظيمات جماهيرية قادرة على المشاركة الفعّالة في القضايا المصيرية التي ينبغي أن يكون للشعب دور فيها. فتحت مسمى تحالف قوى الشعب العاملة تم تأميم المجال العام وفي قلبه التنظيمات الجماهيرية مثل “الاتحاد العام لعمال مصر”. وعلى رغم أن هذا التوجه الفوقي لم يكن اختراعًا ناصريًا، بل ساد في عديد من دول العالم حينها، إلا أنه أنتج في كل الأحوال حالة تغيب عنها الشفافية والمحاسبة، ويصبح فيها رضا السلطة أو صاحب المشروع هو الحكم والمعيار وليس جودة الأداء أو المهنية[24].

يختلف العديد من المفكرين والباحثين حول أسباب الهزيمة، ويمكن على وجه العموم تقسيمهما إلى نوعين. النوع الأول يرجع الهزيمة إلى أسباب عسكرية بحتة في المقام الأول، كضعف تسليح وتدريب الجيش المصري. مثلًا يذهب هيكل في تحليله للأمر إلى إلقاء المسؤولية على أكتاف عبد الحكيم عامر[25] من حيث عدم كفاءته في إدارة الجيش، ويرى أن عامر تحوّل عند رتبة الرائد من عسكري إلى سياسي. النوع الثاني يُرجع الهزيمة، بجانب البعد العسكري، إلى أبعاد أكثر اتساعًا تتعلق بالسلطوية السياسية وغياب المؤسساتية الذين أديا إلى غياب الكفاءات الحقيقية في إدارة العملية العسكرية، وإلى تضارب المصالح والصراعات بين أعضاء مجلس قيادة الثورة المستمرة منذ 1954 (حتى بعد حلّه)، وإلى مركزية وعشوائية اتخاذ القرار السياسي والعسكري. لكن رغم كل هذا، لا جدال في أن الحرب كانت سوف تحدث؛ لم يكن ثمة مناص لمصر في تلك الفترة من الصدام المسلح مع إسرائيل[26].

بالقطع يتحمل أشخاص بعينهم مسئولية ضخمة في عملية صناعة القرار في الأيام القليلة السابقة على حرب 1967. لكن المشكلة لم تكن في الأشخاص فقط، بل كذلك في المؤسسات. فالمؤسسات المعنية بخوض هذه الحرب، خصوصًا القوات المسلحة وأجهزة الأمن والمخابرات، كانت في حالة متدنية من الكفاءة، وما أخفى حقيقة وضعها واستعداداتها السيئة هو وجود أهل ثقة على قمة هرمها التراتبي الجامد في ظل نظام سلطوي يطرد ويعاقب التفكير المستقل والأفكار المختلفة[27].

ويُرجع مفكرون عرب آخرون، مثل السوريَيّن صادق جلال العظم[28] وياسين الحافظ[29]، أسباب الهزيمة إلى سياقات اجتماعية أوسع. يركز العظم في تحليله على الرجعية والتخلف اللذين اتسمت بهما الحركة التحررية العربية، واصفًا إياها بالحركة التقدمية سياسيًا لكن المحافظة اجتماعيًا. أما الحافظ فيشير إلى عدم قدرة البنى الفوقية للنظام الناصري على تقديم خطاب تقدمي يغيّر البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية.

ولكن إذا كانت الشعبوية تضمن لكثير من القيادات درجة من الشرعية، فقد أعطت هزيمة 1967 درسًا لهؤلاء أن الشعبوية قادرة على أن تجُرَّك إلى كارثة. فمن زعيم تُحمل سيارته على الأعناق إلى رئيس مهزوم ومكسور، هذا بالضبط هو ما أفرزته الشعبوية في الحالة الناصرية. صحيح أن الخطاب ذو الشعبية مطلوب لبناء الشرعية. لكن الشعبية القائمة على المشاركة والمكاشفة والمصارحة، والساعية إلى بناء كتلة عربية فاعلة، لا يمكن أن تدور حول شخص واحد وترتبط به وحده، لأن هذا الارتباط سيؤدي بالضرورة إلى تراجع، إن لم يكن انهيار، المشروع مع رحيل هذا الشخص أو زواله. هذا من جانب. ومن جانب آخر فإن الشخص الذي تدور حوله التجربة سيميل إلى الانجرار وراء الخطاب الشعبوي إلى أقصى مدى. وهذا بالضبط ما حدث في 1967 وأدى إلى الحرب، ثم الهزيمة، بعد سحب قوات الطوارئ الدولية وإغلاق المضايق.

ومن ناحية أخرى، فعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار الفضل الكبير للمشروع الناصري على حركات التحرر في العالم الثالث والمنطقة العربية، فكذلك لا يمكن نسيان دوره الكبير في خلق منظومة التحكم الأمني في الحياة العامة، وهي واحدة من السمات الملازمة للمشروع الناصري التحديثي الفوقي، الذي تغيب عنه آليات المشاركة والشفافية والمحاسبة، وهذا كما أسلفنا من العوامل الأساسية للهزيمة.

يروي هيكل في كتابه “الانفجار” (الجزء الثالث من ثلاثيته “حرب الثلاثين عامًا”) ما يؤكد وجود مؤامرة خارجية استدعت أن يطمئن الرئيس الأمريكي لندون جونسون من أصحاب العروش في الخليج على رد فعل الشارع العربي إذا ما قامت إسرائيل بضرب مصر وسوريا. يحيل هيكل اشتعال نيران الحرب بالكامل إلى المؤامرة الخارجية، خصوصًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، للدفع بعبد الناصر نحو الحرب، مؤكدًا أن ناصر كان شديد الحرص فيما يتعلق بالصدام العسكري مع إسرائيل؛ إذ كان يرى أن القوات المسلحة المصرية أمامها 15 عامًا من الاستعداد لاستيعاب الأسلحة التي حصلت عليها من الاتحاد السوفيتي في 1959، وكذلك كان يقدّر تأثير انشغال جزء من الجيش بالحرب في اليمن[30]. ولكن حتى إذا صح هذا كله، فإن نظرية المؤامرة تعني في نهاية المطاف القدرة على تحقيق مصلحة طرف بالاعتماد على نقاط ضعف الخصم.

أفضل وصف لهزيمة يونيو هو الوصف الذي قدمه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد لها في مذكراته بأنها “الخسارة التي يمكنها أن تختزل كل الخسائر الأخرى”[31]. فبالفعل شكّلت 67 صدمة في القومية العربية على المستويين المصري والعربي. حتى “اللاءات الثلاثة” في مؤتمر الخرطوم[32] لم تستطع أن تمحو آثار تلك الصدمة التي ألقت بظلال من الشك على كل شيء. سقط الحال القديم أمام وضع جديد أضحى بين ليلة وضحاها واقعًا[33]. فبعد هزيمة 1967 واحتلال إسرائيل لأراض عربية، بدأت الأمور في التغير. لم تعد القضية الفلسطينية هي القضية الأولى للعرب، وأصبح هدف تحرير الأراضي العربية المحتلة سنة 1967 أسبق في الأهمية والأولوية على تحرير فلسطين. وفي الوقت نفسه، تراجعت المراهنات الفلسطينية على الأنظمة والأحزاب العربية، من مراهنة وصلت إلى حد انتظار الجيوش العربية لتشكل كماشة تُطْبق على إسرائيل وتحرر فلسطين، إلى مراهنة خجول واستجدائية على بعض المساعدات المالية، أو إلى طلب دعم للموقف الرسمي الفلسطيني في المنظمات والمحافل الدولية. كذلك، تعرضت الحركة القومية لعدة نكسات ودخلت الدول العربية في صراعات داخلية، كأحداث الأردن 1970، والحرب الأهلية اللبنانية[34]، التي امتدت إلى حين غزو إسرائيل للبنان 1982 وإخراج قوات منظمة التحرير من بيروت[35].

أسدت هزيمة 67 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة ضربة شديدة العمق للمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، التي كانت قد اكتسبت قبل ذلك قدرة كبيرة على الحركة والتنظيم السياسي والاجتماعي، وحتى النقابي، خصوصًا في المنطقة التي كانت تحت الإدارة الأردنية، التي سمحت بمساحة من الحرية السياسية تفوق نظيرتها في قطاع غزة الواقع تحت السيطرة المصرية[36]. لكن منظمة التحرير وغيرها من فصائل المقاومة استطاعوا بعد الهزيمة تطوير استراتيجيات أخرى للعمل السياسي وللكفاح المسلح. فعلى الصعيد السياسي صعَّدت فتح في المواجهة، مولية اهتمامًا أكبر للشق العسكري، كما طوَّرت تنظيمات اقتصادية على غرار التعاونيات في المخيمات. وعلى المستوى العسكري اكتسبت تلك الفصائل قدرة أكبر على المناورة واستخدام تقنيات حرب الشوارع، خصوصًا بعد اتجاه إسرائيل إلى اقتحام المخيمات الإسرائيلية في الضفة الغربية في 68 فيما عرف لاحقًا بمعركة الكرامة.

آثار هزيمة 1967 على المشروع الناصري وبعده القومي

يلخّص ما قيل عن سجود الشيخ محمد متولي الشعراوي ركعتين شكر لله بعد هزيمة 1967 الآثار السلبية للحرب. فقد رأى الشيخ ذو المشروع السلفي الرجعي ابن ثقافة البترودولار أن الهزيمة كانت في الجوهر هزيمة للمشروع التقدمي التحرري ببُعده الاجتماعي. لم تفتح الهزيمة الباب لتوسيع هامش الديمقراطية إلا في إطار الوعود (“بيان 30 مارس” مثالًا)، لكن اهتزاز الشرعية فتح الباب للرجعية بتياراتها المختلفة لاقتحام الساحة المصرية. وقد ساعد هذا الملَكيات الرجعية العربية في توسيع رقعة نفوذها، وبدأ الدور السعودي في التحوّل من مجرد طرف مناوئ للمشروع التحديثي الناهض في المنطقة، إلى المشروع المركزي الحافظ للمنطقة والداعم لها. وكانت هذه هي بداية ما وصلنا إليه الآن من دور خليجي مهيمن وسائد.

بعد يونيو تحوّل الخطاب القومي من خطاب لوحدة الشعوب إلى خطاب للتنسيق بين الأنظمة. وربما يكون هذا منطقيًا. فمشروع ذو توجه فوقي وخطاب سلطوي، كما سبق الإشارة، لا يمكن أن يعبر على المدى الطويل عن آمال وطموحات الشعوب. بعد الهزيمة استُخدم خطاب “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” لتجنب الحديث عن الثغرات التي أدت للهزيمة. أما الخطاب القومي ذاته، فقد تم تجميده في حدود فكرة تحرير الأرض، فتراجعت القضية الفلسطينية وتزايد الخلاف حول طرق ووسائل التعامل معها وكيفية حلها.

كان عبد الناصر يفسّر الهزيمة في خطاباته على أنها هجمة تهدف إلى الوقوف ضد الوحدة والقومية العربية[37]. كذلك رأى هيكل 1967 على أنها مؤامرة غربية اشتركت فيها أطراف عربية للقضاء على عبد الناصر. لم يكن ناصر يعدّ القومية العربية فقط مشروعًا سياسيًا، ولكنها كذلك اعتبرها حتمية تاريخية للعرب ليلعبوا دورًا في العالم وحتمية وظيفية للتحرر من الاستعمار والوقوف ضد مؤامراته المستمرة على الأمة العربية. لذلك كان مبررًا أن ترتفع نبرة الخطاب القومي العروبي، الذي يحيل فشل الوحدة والهزيمة في 67 إلى المؤامرة، التي أكدت بحسب وجهه نظر ناصر أن الرجعية العربية هي أشد خطرًا على هذه الأمة من الاستعمار.

لم يكن الإنفاق الدفاعي في مصر يتجاوز 5.5% في المتوسط من الناتج المحلى الإجمالي خلال الفترة من 1960-1962. لكنه بعد هزيمة 1967 ارتفع إلى أضعاف هذا المعدل، حتى بلغ في 1971، في ذروة عمليات شراء الأسلحة للاستعداد للحرب، نحو 21.7%. واستمر قرب هذا المستوى، حيث بلغ نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 1973[38].

شكَّلت الهزيمة نقطة التحول للنظام الناصري. حيث أدى ارتفاع معدلات الإنفاق العسكري إلى تفاقم عجز الموازنة، فتخلت الحكومة عن مشروعات تنموية كبرى، وأصبحت أكثر تسامحًا مع الاستثمار الأجنبي فأصدرت سلسة قوانين وتشريعات لتشجيعه، وارتفعت وتيرة الاقتراض من أجل التمويل العسكري.

ولكن علينا أن نشير أنه بالنظر في المرآة يمكننا تبين الصور العكسية. فصحيح أنه يمكننا القول إن بيان 30 مارس لا يتعدى كونه وعدًا لم يجد طريقه للتنفيذ، إلا أن البيان بالفعل يضع يده على الخلل في النظام السياسي ويكشف طرق علاجه. كذلك لا يمكننا التوقف عند كون البيان مجرد وعد. حيث أنه عاد للظهور من جديد على يد العديد من المفكرين والكتاب الذين كانوا في المعتقلات قبل 67، ثم أصبح لهم دور ثقافي، وحتى استشاري، مع الرئيس عبد الناصر بعد ذلك. أيضًا اتُخذت خطوات للحد من تغول الأجهزة الأمنية، وبدأت محاكمات لقيادات هذه الأجهزة، كما حدثت تغيرات جذرية في شكل وطبيعة المؤسسة العسكرية بهدف تطوير مهنيتها، وهو ما ظهرت نتيجته في حرب الاستنزاف، وخرج مفهوم القومية من الشخصنة ليصبح تضامنًا شعبيًا واسعًا كان قد اختفى من 1958 ثم عاد بقوة مصحوبًا بنقد لشخص عبد الناصر ذاته. كل هذا حدث بعد 1967.

وبين أهم التحولات الإيجابية كان التحول النوعي في شكل وطبيعة المقاومة الفلسطينية. حيث تأكدت بعد 68 عدة نتائج مهمة فيما يتعلق بتطوير تقنيات المقاومة. ومن أهم تلك النتائج: 1- تأكيد الهوية الوطنية الفلسطينية التي كانت قد استأنفت تأسيس نفسها في الخمسينيات، وفى القلب منها نظرة الفلسطينيين في العموم لأنفسهم كشعب ثوري يكافح من أجل تحرير أرضه؛ 2- التجسيد المؤسساتي لهذه الهوية عند استيلاء الحركة الفدائية على منظمة التحرير الفلسطينية في 69؛ 3- تطوير نوع من الممارسة السياسية داخل تلك التنظيمات شبه العسكرية[39].

الخاتمة

في بداية عهد الرئيس محمد أنور السادات، تساقطت مراكز القوى السياسية الأخرى المحسوبة على الناصرية واليسار، فيما سمى اصطلاحًا بانقلاب مايو 1971. بعدها بحواليّ عامين اندلعت حرب أكتوبر التي أعطت للسادات شعبية مكّنته من تمرير عدة قرارات اقتصادية في مارس 1974 وما تلاها، فيما عرف بورقة أكتوبر وقوانين الانفتاح. كان المبرر الواضح لهذه القرارات هو الضعف الشديد الذي أصاب الاقتصاد المصري نتيجة الحرب[40]. لكن الانفتاح الاقتصادي كذلك كان يمثل، بحسب رأى الكثيرين، ردة على المشروع الاجتماعي لعبد الناصر. ولم يكن هذا وليد اللحظة، بل كان نتيجة حتمية لتغول جزء كبير من الجهاز البيروقراطي للدولة، ونشوء طبقة من التكنوقراط أنتجها فساد الدولة الناصرية وأجهزتها. فقد نشأت على خلفية تأميمات 61 التي تخلصت من الرأسمالية الكبيرة القديمة رأسمالية كبيرة أخرى كانت قبل ذلك تنتمي للبرجوازية الصغيرة [41] أخذت في التبلور حتى 1974.

وكان من الطبيعي أن يُنتج التعديل في البنية الاقتصادية وصعود طبقة جديدة من السياسيين مع السادات تغيُّرًا منهجيًا على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فأخذت خطابات العروبة والعداء للإمبريالية تخفت شيئًا فشيئًا، وأضحت الفئات الأكثر تهميشًا تعاني عواقب عملية الدمج السيء للاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت معدلات التضخم، في حين كانت الأرقام تشير إلى نمو اقتصادي في السنوات الأولى للانفتاح. كما انخفضت حدة الخطابات اليسارية الشعبوية لعبد الناصر لتحل محلها خطابات يمينية متشحة بلغة إسلاموية مارستها الدولة والإسلام السياسي في السبعينيات. وكانت النتيجة حتمية. ففشل تجارب التحرر الوطني في تحقيق التنمية المستدامة جعلها فريسة سهلة للإسلام السياسي.

كان الانقضاض على السياسة الخارجية الناصرية في بعديها القومي والاقتصادي سريعًا جدًا بعد رحيل جمال عبد الناصر. في هذا السياق تحوّل المشروع القومي من مشروع جامع إلى هويات فرعية، زادت حدتها مع اتفاقية كامب ديفيد والمقاطعة العربية لمصر. في مواجهة هذا اتجه عدد من المفكرين القوميين في السبعينيات والثمانينيات إلى إعادة إنتاج الفكرة القومية لتتلاءم أكثر مع أوضاع الهزيمة السياسية التي لحقت بالمشروع في لحظات انحداره بداية من 67، ومرورًا بوفاة عبد الناصر، وانتهاءً باتفاقية كامب ديفيد. كذلك اتجه مفكرون مثل عصمت سيف الدولة إلى التركيز على الجوانب المهملة في المشروع بالحديث عن التسلط والاستبداد، وبالدفاع عن توسيع مساحات المجتمع المدني وحقوق الإنسان. هذه كلها أمور لم تكن محرّمة على الفكر القومي في الثمانينيات والتسعينيات، بل إن بعض المفكرين القوميين، كعبد الإله بلقزيز، يحيلون هزيمة المشروع إلى جوهره التسلطي[42]. وهكذا لم تعد هناك إمكانية للتماهي مع الخطابات السياسية التسلطية في مقابل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولعل أبرز أسباب ذلك هو أن البيروقراطية القومية التي أنتجت التسلط هي نفسها التي أنهت أي إمكانات ومضامين اجتماعية كان من الممكن أن يحملها المشروع.

بعد الهزيمة تحول المشروع العربي من فعل يهدف إلى بناء مشروع تحديثي قومي إلى رد فعل قادر حتى الآن على أن يظل مرجعية شعبية في الأزمات، مثل احتلال العراق وتطورات القضية الفلسطينية. فعلى الرغم من كل محاولات طمس المشروع، ليس فقط سياسيًا بل وثقافيًا بل وكذلك مجتمعيًا، كما يبرز في أفعال بعض النظم الخليجية بإحلال مشروع ديني طائفي سني بديلًا له، ليتحول العدو من الكيان الإسرائيلي المحتل إلى دولة جوار تاريخي هي إيران، على الرغم من هذا إلا أن استمرار المشروع العروبي بعد كل هذه العثرات، إضافة إلى الانفتاح الإقليمي بسبب التطور التكنولوجي، من الفضائيات إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وما يفترضه الكاتب من استكمال مسار الثورات في المنطقة، ينبئ بأن القومية العربية هي مشروع المستقبل الذي يمكن أن يخرجنا من العديد من الإشكاليات الاجتماعية والسياسية التي نعاني منها حاليًا. فتجاوز العنف الديني والطائفي على سبيل المثال سيجد حله في هوية بديلة لها جذور يمكنها أن تطرح نفسها بديلًا عن هذه الأفكار.

لكن هذا لن يحدث دون تجنُب العيوب السابق ذكرها، سواء على مستوى بنية المشروع أو سياساته، أو من ناحية استخدامه مصدرًا للشرعية بديلًا عن الإنجاز على أرض الواقع؛ هذا لن يحدث دون معالجة القضايا المطروحة بعد الربيع العربي، مثل ملف الأقليات وانفصاله عن الديمقراطية، ومفهوم المواطنة الكاملة، إضافة إلى فاعلية المنظمة الإقليمية. أما إذا فشل المشروع العروبي في تعديل نفسه وتغيير منطقه بحيث يكون حراكه من أسفل إلى أعلى وبحيث يتفاعل بشكل إيجابي مع قضايا العصر، فإنه لن يتمكن من تجاوز كونه مرجعية لرد فعل احتجاجي ليس أكثر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قام الباحث محمد رمضان بمساعدة الكاتب في إجراء البحث، فله كل الشكر والتقدير.

[2] Yasser Elwy, A Political Economy of Egyptian Foreign Policy: State, Ideology, and Modernization Since 1970, London School of Economics, PhD Thesis, April 2009.

[3] Yasser Elwy, A Political Economy of Egyptian Foreign Policy, p.101

[4] أنور عبد الملك، المجتمع المصري والجيش (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013) ص63.

[5] أحمد عبد المعطي حجازي، من ثقافة السلطة إلى سلطة الثقافة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2015) ص26-40.

[6] محمد العجاتي، التركيبة الطبقية للسلطة في مصر، مجلة النداء، العدد 298.

[7] لست هنا في معرض تقييم هذه الأجهزة التي قد تكون جيدة ومفيدة أو سيئة وضارة.

[8] لمزيد من المعلومات راجع جمال عبد الناصر، فلسفة الثورة (القاهرة: دار ومطابع الشعب، 1996) ص89-108.

[9] جمال عبد الناصر، الميثاق (القاهرة: دار ومطابع الشعب، 1962) ص72.

[10] تصريحات الرئيس جمال عبد الناصر لجريدة الجمهورية ردًا على تصريح جلال بايار رئيس تركيا. مأخوذة من https://is.gd/4gVlK1

[11] راجع خطابات وحوارات جمال عبد الناصر الصحفية في 1954، موجودة على الموقع الرسمي لجمال عبد الناصر.

[12] Yasser Elwy, A Political Economy of Egyptian Foreign Policy.

[13] سمير أمين، في أصول مشروع باندونج، دراسة نشرت في كتاب ثورة مصر (القاهرة: دار العين، 2011) ص173-180.

[14] محمد العجاتي، الهوية العربية والقومية العربية، دراسة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2001، ص47.

[15] محمد حسنين هيكل، برنامج تلفزيوني، مع هيكل، قناة الجزيرة، https://is.gd/Jby2lp.

[16] محمد العجاتي، الهوية العربية والقومية العربية، ص49.

[17] محمد العجاتي، الهوية العربية والقومية العربية، ص37.

[18] محمد حسنين هيكل، لمصر لا لعبد الناصر (القاهرة: مؤسسة الأهرام للنشر والتوزيع، 1978) ص80.

[19] هيكل، لمصر لا لعبد الناصر، ص 82-86.

[20] حمد حسنين هيكل، لمصر لا لعبد الناصر، 54.

[21] عدنان حسين، عبد الناصر والأكراد: قصة العلاقة الخاصة، مقال منشور في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 29 أبريل 2005.

[22] على الرغم من أن هذه الورقة تتبنى تصورًا مفاده أن مفهوم القومية العربية في فكر جمال عبد الناصر كان بالأساس غائيًا، يسعى لتحقيق مصالح الدولة المصرية من خلال دور إقليمي يمنحها قيمة على المستوى الدولي، إلا أنه للإنصاف وبالرجوع إلى محاضر حوارات الوحدة في 1963، يظهر في هذه الحوارات إطلاع ناصر الواسع على الفكر العروبي بروافده المختلفة، بل وامتلاكه رؤية نقدية لبعض الأفكار البعثية، وهو ما أحرج ميشيل عفلق أكثر من مرة خلال هذه المحادثات معه.

[23] لمزيد من المعلومات راجع سعد الدين الشاذلي، مذكرات حرب أكتوبر (سان فرانسيسكو: دار بحوث الشرق الأوسط الأمريكية، 2003)

[24] لا أؤيد المقابلة الساذجة بين أهل الثقة وأهل الخبرة. حيث أن هذه المقابلة تفترض أن الشخص ذي الكفاءة المهنية صالح بالضرورة لإدارة مؤسسة ما، حتى لو كان مختلف سياسيًا مع النظام الحاكم أو لا يشعر بالولاء أو بالإيمان بالمشروع السياسي للنظام، ولكن واقع الأمر أن المناصب الرفيعة تحتاج إلى الرؤية والولاء تمامًا كما تحتاج إلى المهنية والخبرة.

[25] يذكر هيكل وغيره نص حوار بين عبد الناصر وعامر قبل النكسة بأيام، حيث رد عامر مجيبًا عن سؤال عبد الناصر عن مدى قدرة واستعداد الجيش للحرب إن وقعت قائلًا “برقبتي يا جمال”.

[26] محمد فوزي، حرب الثلاث سنوات 1967-1970: مذكرات الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية الأسبق (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1990) ص118-198.

[27] خالد منصور، في تشريح الهزيمة، حرب 1967 وما تلاها (5).. للهزيمة أكثر من أب، مقال منشور على موقع زائد 18 بتاريخ 27 مايو 2015، https://is.gd/pSjdHj.

[28] صادق جلال العظم، النقد الذاتي بعد الهزيمة، (بيروت: دار الطليعة، 1969) ص78.

[29] ياسين الحافظ، الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة، (بيروت: بدون دار نشر، 1978).

[30] لمزيد من التفاصيل راجع محمد حسنين هيكل، لمصر لا لعبد الناصر، ص113.

[31] إدوارد سعيد، خارج المكان، ترجمة فوّاز طرابلسي (بيروت: دار الآداب، 2005) ص356.

[32] القمة العربية في الخرطوم 67 عُرفت بقمة اللاءات الثلاثة: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض.

[33] التعبير الأصلي للمفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي “القديم قد مات والجديد لم يتشكّل بعد”.

[34] للمزيد راجع محمد كامل إبراهيم، السلام الضائع في كامب ديفيد (القاهرة: كتاب الأهالي،1987) ص216

[35] إبراهيم أبراش، نحو تصويب البعد القومي للقضية الفلسطينية، مقال منشور في مجلة السياسة الدولية في ديسمبر 2015.

[36] يزيد صايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة (بيروت ورام الله: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002).

[37] راجع خطابات عبد الناصر في 1968 على الموقع الرسمي للرئيس جمال عبد الناصر.

[38] أحمد السيد النجار، كيف قاتلت مصر على جبهة الاقتصاد من يونيو 1967 إلى أكتوبر 1973، مقال منشور في جريدة الأهرام في 6 أكتوبر 2014.

[39] يزيد صايغ، الكفاح المسلح وتكوين الدولة الفلسطينية، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 8/ العدد 32 / خريف 1997، ص10.

[40] راجع الوثيقة الأساسية لـ”ورقة أكتوبر”، الهيئة العامة للاستعلامات.

[41] فؤاد مرسى، هذا الانفتاح الاقتصادي، (القاهرة: دار الثقافة الجديدة،1976) ص133.

[42] عبد الإله بلقزيز، الفكر القومي في لحظة الراهنة، مقال منشور على موقع العربية في 17 أكتوبر 2010.

Advertisements

Single Post Navigation

أرحب بتعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: